التغيير الحتمي لأسس القبول الحالية في الجامعات
نيسان ـ طلبة نيوز ـ نشر في 2016-02-15 الساعة 10:44
أ.د. عبدالكريم القضاة
كنت عضوا في لجنة متخصصة قبل حوالي عام ،حيث لفت انتباه اعضاء اللجنة شهادة طب لأحد الأطباء المتخرجين حديثا من جامعة (لم أسمع بها من قبل) , وحاصل على معدل 52 في أحد فروع التوجيهي الاردني المهنية (قبل مرحلة توجيهي الذنيبات بعدة سنوات !). دار نقاش موسع في اجتماع تلك اللجنة حيث كان السؤال كقضية رأي عام: كيف يسمح نظامنا التعليمي التربوي لبعض طلبتنا الأعزاء دراسة هذا التخصص الذي يحتاج الى قدرات عالية مع كل الاحترام لرغبتهم ان وجدت؟ . ذكرت التقارير الاعلامية ان إدارة الطيران والفضاء الأمريكية «ناسا» اطلقت اسم طالب طب أردني على أحد الكواكب المكتشفة حديثا تكريما لجهوده العلمية في مجال البحوث وخاصة الرياضيات. وكان نفس الطالب قد فاز بجائزة انتل للرياضيات لعام 2013 بعد مشاركته ببحث متقدم ممثلا لمدرسة اليوبيل.نبارك بكل اعتزاز وفخر للطالب وأهله وللوطن والانسانية هذا الانجاز ونتمنى له مستقبلا ناجحا في مهنة الطب ونتمنى ان يكون هذا الخيار هو رغبته. لكن هذا الخبر يثير السؤال الاخر حول قضية رأي عام ,هل خيار دراسة الطب هو الرغبة في التخصص أم ضغط نظامنا التعليمي وعرفنا الاجتماعي الاقتصادي!؟. عند طرح السؤال على الأطباء عن التخصص الذي كانوا يرغبون بدراسته قبل دراستهم الطب تكون اجاباتهم أحيانا مفاجئة وهي انها غير الطب. السؤال هنا لماذا يختار الطلبة المبدعين دراسة الطب مع انهم قد يبدعون في تخصصات أخرى تتناسب أكثر مع قدراتهم ورغباتهم وتعطيهم مستقبلا أفضل لهم ولوطنهم ؟!.لابل أن السؤال الأدق هو لماذا يدرس الطالب تخصصا جامعيا لايرغبه أو لايناسب قدراته أو كلاهما؟!.الجواب نعرفه جميعا وهو ان الثوابت في نظامنا التعليمي الاجتماعي تقول للطالب : ادرس التخصص الذي يعطيك وضعا اقتصاديا اجتماعيا مميزا. أما الأسس النافذة للقبول الموحد (وغير الموحد!) في الجامعات ، فقد تختار للطالب تخصصا لا يرغبه أو يقدر عليه أو جامعة لاتناسبه أو كلاهما.
اسس القبول الحالية في الجامعات حققت اهدافها وشارفت صلاحياتها على الانتهاء بسبب المخرجات التي لاتناسب سوق العمل ولامستقبل الوطن وقد تزيد الفاصل بيننا طرديا وبين العالم المتقدم . يتم اختيار التخصصات الجامعية من قبل طلبة التوجيهي العلمي حسب معدلاتهم وبطريقة تنازلية تقريبا : الطب البشري طب الأسنان الصيدلة الهندسة وباقي الفروع العلمية الا اذا اختار الطالب غير هذه السلسلة التنازلية وهذا نادرا مايحدث!. أما طلبة التوجيهي من الفروع الأدبية فلا يوجد نمط واضح تماما يربط بين أعلى المعدلات والتخصصات المختلفة ’ الا ان القانون واللغات والمحاسبة والعلوم الادارية والمالية تجذب الجزء الأكبر من الحاصلين على أعلى المعدلات في التوجيهي الأدبي على حد علمي ,أما طلبة التوجيهي المهني فقد يختاروا تخصصا جامعيا يختلف عن نوع التوجيهي المهني الذي يحملونه ويزداد المشهد اتساعا بالاستثناءات. الطالب الذي يدرس تخصصا جامعيا لا يرغبه ولايناسب قدراته نتيجة المعطيات التي ذكرتها, قد يواجه تحديات نفسية وابداعية ومخاطر لها اثارها التي لايمكن التنبؤ بها على الطالب وعلى أسرته والوطن ,هذا ما نلمسه كل يوم على أرض الواقع وهذا يحتم علينا مجابهته بعلم وارادة .
المسؤولية الكبرى تقع على النظام التعليمي الاجتماعي الاقتصادي والقرار السياسي في الوطن.لابد من ارشاد مبكر للطلبة في مرحلة المدرسة وفي المرحلة الجامعية في اختيار التخصص المناسب.لابد من اعادة النظر في أسس القبول العادي (والغير عادي!). البرنامج الموازي يعني استثناء لأبناء الأغنياء , أو افقارا للفقراء الذين يبيعون عقاراتهم ان وجدت او ما ملكت أيديهم أو يحصلون على القروض البنكية لينفقوا على تعليم ابنائهم, والنتيجة مخرجات ضعيفة للتعليم لاتتناسب مع متطلبات سوق العمل ولا تخدم مستقبل الوطن لابل تنمي التفرقة المجتمعية وتزيد الفقر والبطالة وأخواتها . التعليم المهني والتقني الذي قامت عليه عجلة الصناعة والتقدم الحضاري في العالم المتقدم لايحتمل المزيد من التأجيل مع كل التقدير للقائمين على تطوير وتنفيذ محتويات هذا الملف فلا جدوى من الخطوات المترددة. أما الاستثناءات في القبول الجامعي التي هدفت لتكون رمز العدالة والوطنية الصادقة اصبحت تجتذب التجاوزات في تطبيقها بدل أن تجتذب الاصلاحات لتخفيف ضروراتها ,وجرى التضخيم الاعلامي لحجمها وسلبياتها بصورة تعدت على حقيقة هذه الاستثناءات وحتى المصلحة الوطنية العليا .
مخرجات التعليم العالي ومدخلاته , أصبحت ضاغطة بألم على مستقبل الوطن.هناك افكار مطروحة تحاكي الحداثة والتطور الايجابي في اصلاح هذا الملف الحيوي التي منها احتساب معدل التوجيهي العام ومعدل فرعي من معدل التوجيهي العام، يراعي التخصص الذي يرغبه الطالب، وفترة تحضيرية جامعية تحقق العدالة والنضوج للطلبة وتراعي المقدرة والرغبة قبل الدخول الى التخصص الجامعي أسوة بما يحدث بالعالم المتقدم . هذه المقدمة وكثير غيرها في نفس المضمون تدق باب نظامنا التعليمي وعرفنا الاجتماعي والقرار السياسي بقوة وبالحاح في عالم تبنى السرعة والمنافسة ورأس المال المعرفي اسسا لتقدمه.


