اتصل بنا
 

في تفسير العجز الجماعي في مصر

كاتب مصري

نيسان ـ نشر في 2016-03-01 الساعة 12:40

نيسان ـ

يحار بعضهم في تفسير حالة "اللافعل" السياسي، على المستوى الجماعي، في مصر، وذلك على الرغم من سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يدفعهم إلى الوقوع في فخ التفسيرات الثقافوية لهذه الحالة، مستحضرين كليشيهات ومقولات جاهزة عديدة، من قبيل أن الشعب المصري، بطبيعته، "شعب خانع" و"يعشق الفرعون"، أو أن الشعب "غير مستعد للديمقراطية". وينسى هؤلاء، وبعضهم ممن قد يكون قد شارك في ثورة يناير، أن هذا "الشعب"، أو على الأقل قطاع كبير منه، شارك في أهم فعل سياسي جماعي في مصر خلال العصر الحديث، قبل خمس سنوات، حين خلع رئيساً سلطوياً وفاسداً، ظل في السلطة مدة ناهزت ثلاثة عقود، وذلك بغض النظر عما آلت إليه الأمور لاحقاً.

في الوقت نفسه، لا يمكن الركون إلى التفسيرات البنيوية أو الهيكلية المرتبطة بقضايا الجهل والأمية والفقر... إلخ مدخلاً لفهم ما يبدو كأنه حالة من اللامبالاة، قد تبدو مسيطرة على قطاع لا بأس به من المواطنين، بحيث يبدو الأمر وكأننا، معشر المثقفين والباحثين والمراقبين، نتحدث عن شعب آخر غير ذلك الذي ملأ الشوارع والميادين في الثمانية عشر يوماً من ثورة يناير، وأبهرنا جميعاً.

ما الذي حدث إذاً لهذا "الشعب"، في الأعوام الثلاثة الماضية، وماذا حل "بثوريته" التي انقلبت، فجأة، إلى ما يفسره بعضهم بالسلبية وعدم الاكتراث بما يدور حولها؟ وهل انطفأت مسألة الثورة والتغيير داخل نفوس الأكثرية من الشعب؟ بكلماتٍ أخرى، كيف يمكننا تفسير ما يبدو كأنه حالة عجز، وربما شلل، عن القيام بفعل جماعي واعٍ، يمكنه تغيير الأوضاع الراهنة؟

هنا، يمكن القول إن ثمة عوامل عديدة يمكنها أن تفسر حالة "اللافعل" الجماعي في مصر، يتعلق أولها بالبيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجها انقلاب الثالث من يوليو 2013، والتي تختلف كلياً عما كانت عليه، سواء قبل الانقلاب أو قبل الثورة نفسها. وهي بيئة ليست فقط قمعية بالمعني السياسي، وإنما أيضاً فاشية وإقصائية بالمعني المجتمعي، بحيث يبدو أي فعل جماعي، أو محاولة للقيام به، كما لو كانت "مؤامرةً" على المجتمع والدولة، يجب مواجهتها وإجهاضها قبل أن تبدأ. هذه البيئة ساهمت في إيجاد حالة وعي مجتمعي، أو بالأحرى "لاوعي"، رافضة أي حراك سياسي، وأحياناً مهني، أو اجتماعي، علي غرار ما فعله الأطباء أخيراً، وهي أيضا البيئة نفسها التي تجعل قطاعات اجتماعية واسعة تثق في السلطة، وتتبنى سرديتها للأحداث في مصر، خصوصاً منذ الثورة وحتى الآن. وهي أيضا التي تجعل هذه القطاعات تضع أموالها ومدّخراتها في أيدي السلطة، من دون الحصول على ضماناتٍ حقيقيةٍ بإمكانية استعادتها. ولا يمكن، هنا، تجاهل ما أنتجته هذه البيئة السياسية من منظومةٍ قانونيةٍ وأمنيةٍ متوحشةٍ، رفعت من تكلفة العمل السياسي وجعلته، بالنسبة لبعضهم، أشبه بالانتحار الذاتي.

العامل الثاني، يتعلق ببنية المعارضة، أو قوى الاحتجاج، وعلاقاتها ببعضها. فمعظم القوى المعارضة، خصوصاً من غير الإسلاميين، استسلمت للواقع الجديد الذي فرضه الانقلاب، والتي كان بعضها جزءاً من التمهيد له، بقصد أو بدون قصد. هذه القوى المعارضة، خصوصاً الكلاسيكية، والتي هي بطبيعتها منقسمة ومفتتة، باستثناء فترة الثورة وفترة حكم "الإخوان"، هذه القوى إما أصابها التكلس والجمود، أو أصبحت جزءاً من النظام، وبالتالي، لم تعد معارضة بالمعنى المعروف. أما عن المعارضة الجديدة، أو معارضة ما بعد الثورة، فبعضها تم قمعه، مثلما يحدث مع حركة السادس من إبريل، وبعضها الآخر تراجع عن مسألة التغيير وأصابه الإحباط. وهنا، نتحدث عن الفواعل أو اللاعبين الأساسيين وليس الأفراد، وإن كان هذا لا ينفي ظهور شبكاتٍ ومجموعاتٍ صغيرةٍ تتبنى أجنداتٍ حقوقيةٍ وإنسانية، مثل مجموعة "الحرية للجدعان"، أو رابطة "معتقلي سجن العقرب".. وغيرها.

العامل الثالث يتعلق بالخيال السياسي للاعبين الاجتماعيين، وقدرتهم على ابتكار أدوات جديدة للاحتجاج، تتماشى مع طبيعة البيئة السياسية الراهنة. وهو أمرٌ، وإن كان صعباً، في ظل الإغلاق الكلي للمجال العام، لكنه ليس مستحيلاً، إذا ما تم إعادة التفكير في طبيعة الفعل الجماعي، والانتقال من فكر المجموعات إلى فكر الشبكات التي تلتقي على قضايا تحظى بالقبول والاتفاق، بعيداً عن قضايا الصراع السياسي والهوياتي. وهنا، تحظى ملفات حقوق الإنسان والمعتقلين والأجور والخدمات الصحية والتعليمية بقدرٍ عالٍ من التوافق، ويمكن تفعيلها من خلال تشبيك القضايا والمهتمين بها، وذلك على غرار ما فعلت حركات الاحتجاج في الأرجنتين وتشيلي في السبعينيات.

لا تتعلق حالة العجز، وربما الشلل، عن الفعل الجماعي في مصر، فقط بالأوضاع البنيوية، (مشكلات اقتصادية، وأمنية، وفساد، وضعف للمرافق العامة، وفشل للأداء الحكومي)، والتي كانت، ولا تزال، موجودة في مصر، وإنما أيضاً بقدرة اللاعبين الاجتماعيين على الخروج من الأطر الضيقة للفعل التغييري، والتي تحصر نفسها في "الشارع"، إلى الأطر الأوسع المتعلقة بهموم الناس وقضاياهم الملحة، ومحاولة بناء وعي سياسي واجتماعي جديد، يتجاوز ما قد يراه بعضهم جموداً واستسلاماً.

نيسان ـ نشر في 2016-03-01 الساعة 12:40

الكلمات الأكثر بحثاً