ابو زيد الهلالي يهاجر مجددا
نيسان ـ نشر في 2016-03-27 الساعة 13:55
محمد قبيلات
الهلالي المتغلغل فينا دائما يأخذنا الى تغريبة جديدة، حالة الهروب من نجد ما زالت تسكن جنبات القلب، نزوع كبير من الجدب يأخذنا إلى الحرب، فالجدب يتمثل كفكرة كاملة النضوج أكثر من كونه واقعا يجسد الفاقة، والحرب زفرة الصدور المقهورة أكثر من كونها حالة اقتتال.
فأي الديار ستسعنا وما زلنا نخبئ في غُريّفات النجيع نشيد كالنشيج؛ يصرخ أن نجدا ليست فقط ترابا فقيرا نتخلى عنه لحظة طمع بالخصب. نعم، نجد ليست ترابا فقط، فهي حالة عشق صوفية ترتقي بنا إلى السمو.
تأخذنا إلى هروب يتكسر على أبواب المدن المتربعة كالقلاع، لكنا نمعن سباحة عكس التيارات، فتفرّ الدماء من العروق نفرة، كأنما هي احتجاج على الموت.
تبدأ القصة بعقدة أوديب، لكنها تتمثل في ساحة معركة، أول ما نبدأ بقتل الأب لاستلاب سيفه على شكل انتزاع للقوة والسلطة نسبغه بالحق بالتورث، فيدخل المشهد بكامل خسته إلى عروقنا، لتستعيد الحبكة انتاج نفسها مع وارثينا، كحالة انتقام تحاول فيها الطبيعة أن تسوّي فراغاتها.
أمنا القاسية "نجد"، ما ورثتنا إلا الغلظة، فتطردنا إلى الشام لننقل إليها حداءاتنا الصحراوية الحزينة المخشوشنة بالقحط، لا نلبث فيها إلا أن نتخفف من صعب الكلام.
نيمم صوب الغرب عبر أرض الكنانة منساقين وراء وهم وسراب الاستقرار، فأي مدن تلك التي سترمم ما يستقر في القلب من دمار وهشاشة؟
يتمثل المشهد الآن على شكل جديد، لكن بروحه القديمة، فأول المتخلين عن سورية هي سوريا، فتتركها تتخبط في رقصة موت لا يهدأ من صخبها دماء أثقلت الجناحين، وتطول فرجتنا إلى أن تقرر فلذاتها معاكسة دأبنا، فتفر من الحرب إلى الجدب، فنتوافق في لحظة على الفرار، وإن تعاكست المقاصد.
العربي مسكون بأن تأخذه الجبال إلى هواء عليل، غاية مبتغاه أن يعم خدرا جبهته والأطراف، نسيم ينسيه التعب، وما تدحرج على تكور القلب من حبيبات الدم والعرق، غايته أن ينسى الهجير.
لكن الحنين إلى نجد يظل يباغته كما طعنة في الحشا.
العربي محكوم أن يواري عشقه، لا يتجلى حبه إلا على هيئة مغناة في الحرب، فما زال يرى صور الحبيبة على صفحات السيوف، ولا يتذكرها إلا عندما تقطر بيض الهند من دمه، يتذكرها في آخر لحظاته، عندما يمور به شريط الذكريات مسرعا، قبيل أن تسترخي أجفانه استرخاءتها الأخيرة.
يغادر نجدا لكن نجدا لا تغادره، يأخذ معه حفنة من تراب تمثلُ كل نجد، فيتحسسها كلما ألم به أو مسّه الحنين.
ولا يستغني عن الجازية، فما زالت تشحذُ همته على مر الأزمان، تشحذها بالنشيد ووقعه على القلب المتيم بعشقها.
عندما يُجندل القلاع لا يفعل ذلك إلا طمعا بابتسامة تفتر عنها شفاه الجازية، فهي امرأة امتهنت الغواية كصناعة ثقيلة تنتج شجاعة الفرسان، وأنَّ للجازية أن تبتسم!
فذلك لا يحدث إلا إلماما أو كخلسة المختلس، مهلا، ليس لما تلبس من تاج علاقة بكل هذه الأبهة والوقار، فالهيبة- كما أوحت ملكة تدمر- لا يصنعها تاج على رأس ذليل، وربما صنعها قيد يسور معاصم الحر.


