سؤال النهضة عند المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري
نيسان ـ نشر في 2016-04-19 الساعة 12:59
لا يخفى على المطلع على إشكاليات الفكر العربي المعاصر أن السؤال المحوري، الذي تحاول النخب الفكرية بمختلف تياراتها الإجابة عليه، هو سؤال النهضة و التقدم. ومما لا شك فيه أن الإجابة عن سؤال كهذا يتجاوز مقدرة مفكر أو باحث واحد أيا كانت إمكانياته، لذلك تجد كل واحد يحاول أن يدلي دلوه بين الدلاء ويقدم تفسيره الخاص. والمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري من بين هؤلاء الباحثين الذين ساهموا بشكل كبير في إثراء النقاش حول هذا الموضوع من خلال مشروعه الضخم "نقد العقل العربي".
والجابري يعتبر أن هذا السؤال، سيظل ناقصا ومحدود الآفاق ما لم يطرح على الصعيد الإيبيستيمولوجي، ما لم يتجه مباشرة إلى "العقل العربي" ذاته. ذلك أن العرب، إنما بدؤوا يتأخرون حينما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته، حينما أخذوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه.
وطرح هذا السؤال- في الإطار الابستيمولوجي المحض- يتطلب، بالنسبة لصاحب نقد العقل العربي، إعادة صياغته حتى يكون مستوعبا كامل الاستيعاب داخل هذا الإطار وهكذا يصبح السؤال عنده كالتالي: لماذا لم تتطور أدوات المعرفة (مفاهيم، مناهج، رؤية...) في الثقافة العربية خلال نهضتها في "القرون الوسطى" إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكرية وعلمية مطردة التقدم على غرار ما حدث في أوروبا ابتداء من القرن الخامس عشر؟
ومعروف أن فيلسوف "العقل العربي" كان قد انتهى، من خلال دراسته لتاريخ الثقافة العربية، إلى تصنيف العلوم وجميع أنواع المعارف في الثقافة العربية إلى ثلاث مجموعات : علوم "البيان"، وعلوم "العرفان"، وعلوم "البرهان". لذلك فهو يرى أن الجواب على السؤال المطروح يمر بالضرورة عبر توجيهه إلى كل صنف على حدة.
أما في ما يخص "علوم البيان" من نحو، وفقه، وكلام، وبلاغة، فإن الجابري يلاحظ أنها بلغت قمتها مع بداية تاريخها وأن العقل العربي لم يضف جديدا إلى ما أبدعه فيها بعد عصر التدوين. ويرجع المفكر الراحل، ذلك إلى عدة أسباب يمكن تلخيصها كما يلي:
-طبيعة موضوع هذه العلوم، أي النص اللغوي بالنسبة للنحو و اللغة و النص الديني بالنسبة للفقه و الكلام ، الذي لا يقبل التجربة، ذلك أن هذه العلوم تعتمد على ديالكتيك الفكر وتعرض عن التجربة التي هي وحدها قادرة على تصحيح مسار ذلك الديالكتيك وفتح المجال للعقل ليراجع نفسه وبالتالي ليتجدد وينمو. و هكذا فقد بقيت هذه العلوم سجينة لإنتاج "عصر التدوين" الذي تشكلت-و اكتمل تكوينها- فيه.
-تسرب العرفان لعلوم البيان
-الأساس المنهجي- المنطقي الذي قامت عليه هذه العلوم، أي القياس أو الاستدلال بالشاهد على الغائب. و آلية القياس هته يكاد ينحصر دورها، عند العرب، في البحث عن قيمة ثالثة أو "علة" أو دليل يكون جسرا بين الشاهد و الغائب حتى يتسنى للباحث الانتقال من الحكم الأول إلى الحكم الثاني، أي تمديد حكم الشاهد على الغائب. وإذن، فالمنطق العربي أي طريقة استدلالهم لا يهدف إلى البحث عن نتيجة كما هو الشأن في القياس الأرسطي بل هدفه البحث عن الحد الأوسط (العلة) ذلك أن النتيجة معطاة سلفا وهي الحكم الشرعي الوارد في القرآن و السنة بالنسبة إلى الفقه، والنص القرآني بالنسبة للمتكلمين و النص اللغوي –بما فيه القرآن- بالنسبة إلى النحاة. وهكذا فما أن انتهى عصر التدوين بفترة قصيرة حتى بدأت عملية الاجترار و"الجمود على التقليد" في علوم "البيان".
- تقنين اللغة قبل اكتمال تطور آدابها مما قيد العقل في إطار معين لا يجوز اختراقه. ذلك أنه عندما اكتمل البناء في اللغة والتشريع ولم يعد هناك مجال للمزيد اكتمل البناء أيضا في مجال التشريع للمشرع فأصبح العقل البياني العربي سجين هذا البناء الذي طوق به نفسه، فلم يكن من الركود مناص ولا مفر من "التقليد"
وفي ما يخص علوم العرفان فالجابري يرى أنها كانت تصدر عن نظرة سحرية للعالم تقوم على الاعتقاد في إمكانية "قلب الأعيان وخرق العادات" أي على إنكار "السببية " و بالتالي فهي لا يمكن أن تساهم في تحقيق النهضة.
أما في ما يخص علوم البرهان التي تضم المنطق والرياضيات والطبيعيات والميتافيزيقا، فإن الجابري يميز هنا بين نوعين من العلوم:
- نوع أول كان مؤطرا بالمنظومة الأرسطية التي لم تكتمل وتتحرر من شوائب "العقل المستقيل"، إلا مع ابن رشد. أي في نفس الوقت الذي أخذت تسود المصالحة بين "البيان" و"العرفان" الشيء الذي جعل تكسير و تجاوز المنظومة الأرسطية، من أجل تحقيق"نقلة" يتجاوز بفضلها اللاحق السابق غير ذي موضوع.
-ونوع غير مؤطر بتلك المنظومة وقد بقي من أول الأمر حتى نهايته خارج مسرح الصراع في الثقافة العربية، وبالتالي فلم تتح له الفرصة ليساهم في تكوين العقل العربي ولا في تجديد قوالبه وفحص قبلياته ومسبقاته. فاللحظات الحاسمة في تطور الفكر العربي الإسلامي لم يكن يحددها العلم، وإنما كانت تحددها السياسة. ذلك أن صاحب "نقد العقل العربي" يعتبر أن المعارك النظرية في الفكر العربي كانت دائما وأبدا في الواقع معارك سياسية في النظرية بمعنى، أن ما وراء المعارك النظرية هو في الحقيقة معارك سياسية. والرهان السياسي الذي يوجد في الخلف، هو صراع إيديولوجي سياسي بين الدولة العباسية، وخصومها السياسين (الشيعة الباطنية).
وهكذا يخلص الجابري، إلى أن الجواب عن سؤال النهضة والتقدم يكمن في نقد العقل العربي نقد بنيته التاريخية ومن هنا تبرز أهمية وراهنية دعوته إلى عصر تدوين جديد، ذلك ما لم نصنع عقلا جديدا، وما لم نغير طرق تفكيرنا وآلياته ومفاهيمه ومناهجه وتصوراته ورؤاه، فلن نستطيع أن ندشن نهضة حقيقية


