عالما آثار بولنديان في تدمر السورية لتفقد تمثال (أسد اللات)
نيسان ـ نشر في 2016-04-22 الساعة 13:49
ظنّ عالما الآثار البولنديان بارتوس ماركوفسكي وروبرت زوكوفسكي، حين رمما تمثال أسد اللات في تدمر عام 2005، أنهما سيحافظان عليه لمئات السنين، وبعد 11 عاماً، هرعا لتفقده، بعدما عرفا بتدميره على يد تنظيم داعش.
وعند مدخل متحف تدمر حيث تمثال أسد اللات الذي يزن 15 طناً، قال ماركوفسكي: "اعتقدنا حين جئنا في العام 2005 مع البعثة البولندية للقيام بعمليات ترميم في تدمر، أننا نحافظ على التمثال لـ 200 أو 300 سنة".
وأضاف "لكن عملنا لم يصمد أكثر من 10 سنوات".
وسيطر تنظيم داعش على تدمر في مايو (أيار) 2015، وعمد إلى تدمير العديد من معالمه الأثرية، بينها تمثال "أسد اللات" ومعبدا بل وبعل شمين.
وأعدم التنظيم المتطرف خلال 10 أشهر 280 شخصاً، قبل أن يطرده الجيش السوري من المدينة في 27 مارس (آذار).
وكان ماركوفسكي القادم من معهد الأثار التابع لجامعة وارسو، أول عالم آثار أجنبي يحط رحاله في تدمر بعد انسحاب تنظيم داعش، ضمن ببعثة مشتركة استمرت أسبوعاً مع زميله روبرت زوكوفسكي، الهدف منها تقييم حجم الدمار الذي طال تمثال أسد اللات من أجل إعادة ترميمه.
وجثا ماركوفسكي، والغبار ملأ ثيابه وشعره، على ركبتيه إلى جانب الأجزاء المتبقية من التمثال، يرقمها ويضعها في صناديق، لنقلها لاحقاً إلى دمشق، حيث سيقوم بالجزء الأكبر من عملية الترميم.
وروى ماركوفسكي "لم نحتج لأكثر من 5 دقائق لنتخذ قرار المجيء إلى تدمر، بعدما تلقينا دعوة المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية".
وأضاف "أتينا لإعادة ترميم طفلنا أسد اللات"، هذا التمثال من الحجر الكلسي الطري الذي كان يرتفع أكثر من 3 أمتار، ويعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، وقد اكتشفته بعثة بولندية عام 1977.
وبالقرب من التمثال، تسلّق روبرت زوكوفسكي بدوره سور المتحف، التقط عشرات الصور لأسد اللات، ليقارنها مع ما كان عليه سابقاً.
وقال عالم الأثار من أكاديمية الآثار البولندية زوكوفسكي: "لدينا خبرة قوية في ترميم أسد اللات، كوننا قمنا بعملية الترميم الأولى قبل 10 سنوات".
وعبر زوكوفسكي عن تفاؤله ليس فقط بإعادة أسد اللات إلى سابق عهده، وإنما بإمكانية ترميم كل التماثيل التي حطمها الجهاديون في متحف تدمر.
وقال: "أعتقد أن جزءاً كبيراً منه قابل للترميم، باستثناء المنطقة المحيطة بفمه، فهي بحاجة لإضافات".
وأضاف "يمكن إعادة الحياة للتمثال، وكذلك الحال بالنسبة للكثير من التماثيل المدمرة داخل المتحف".
في متحف تدمر الذي حوله تنظيم داعش إلى قاعة محاكمات شرعية بعد نهبه، دمر الجهاديون تماثيل نصفية جميلة لنساء، وحطموا بشكل وحشي وجوه التماثيل كافة.
معاينة المتحف
ولم يتمكن عالما الآثار من زيارة المدينة الأثرية القديمة كونها كانت لا تزال في حينه مليئة بالألغام التي زرعها الجهاديون، واكتفيا خلال رحلتهما بمعاينة المتحف والتركيز على أسد اللات.
وقال ماركوفسكي "كذبت على زوجتي وأخبرتها أنني ذاهب إلى مصر، فلم تكن ستسمح لي بالمجيء إلى تدمر"، وأضاف "سبب مجيئنا إلى هنا هو العلاقة العاطفية التي نشأت بيننا وبين هذا الأسد قبل 10 سنوات".
ولم يعد سكان تدمر إليها حتى الآن، زارها البعض لتفقد ممتلكاته، إلا أن سبل الحياة ما زالت غير متوفرة، حتى أن المدينة السكنية، وأن تواجد فيها بعض العائدين أشبه بالمدينة المهجورة.
وقال زوكوفسكي: "لا يوجد أحد هنا، المدينة بحاجة إلى أن يعود إليها سكانها بشكل دائم، في هذه الصحراء لا يوجد سوى جنود وبعض الصحافيين وعالمي ترميم آثار مجنونين".
ومد زوكوفسكي يد العون لزميله في نقل الأجزاء المحطمة من أسد اللات، وساعدهما عامل سوري في نقل معداتهما لإتمام عملهما الشاق.
وبقي العالمان البولنديان قرابة الأسبوع في تدمر، قبل مغادرتهما إلى بولندا، على أن يعودوا قريباً إلى دمشق وإلى "لؤلؤة الصحراء".
في دمشق، يتابع المدير العام للآثار والمتاحف مأمون عبد الكريم التنسيق مع منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونيسكو) من أجل استقبال بعثات أجنبية أخرى لتقييم الأضرار التي لحقت بتدمر وربما إعادتها إلى سابق عهدها.
ووصف عبد الكريم عالمي الأثار البولنديين بـ"البطلين"، إذ أثبتا وفق قوله، "أنهما أوفياء للحضارة الإنسانية بشكل عام، وللإرث السوري بشكل خاص".
ويقول "تواصلت معهما عبر الهاتف، وبعد 48 ساعة من اتصالي بهما، كانا في دمشق".


