البوليساريو والصحراء الغربية.. آخر مستعمرة أفريقية تترقب مستقبلها
نيسان ـ نشر في 2016-06-14 الساعة 15:14
فتحت وفاة مؤسس جبهة البوليساريو محمد عبد العزيز التساؤلات عن مستقبل الجبهة بعد رحيل قائدها صاحب الشخصية الكاريزمية، وفتحت التساؤلات أيضا عن الملفات المتعلقة بالأوضاع الداخلية في الصحراء الغربية ومستقبل سكانها.
وسلطت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، الضوء على مستقبل جبهة البوليساريو، بعد رحيل قائدها محمد عبد العزيز، الأمين العام للحركة، وقالت إن مخيمات الصحراويين في تندوف تشهد سخطًا متزايدًا تجاه قادة الجبهة الحاليين، وخاصة من فئة الشباب.
وقالت المجلة، إن محمد عبدالعزيز، الأمين العام لجبهة البوليساريو، “حركة الاستقلال في الصحراء الغربية”، توفي الأسبوع الماضي عن عمر يناهز الـ68 عامًا، وقد ساعد في تأسيس الحركة في فترة السبعينات، مشيرة إلى أنه وفقًا لوجهة نظر جبهة البوليساريو، تعتبر الصحراء الغربية، موطن الشعب الصحراوي، هي آخر مستعمرة في أفريقيا، وأنها مستمرة في توظيف خطاب مكافحة الاستعمار لأقصى مدى.
ونشرت دائرة صحافة الصحراء، وكالة الأنباء الرسمية للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، برقية تأبين تشبه عبدالعزيز بعدد من القادة الأفارقة المحاربين للاستعمار مثل سامورا ماشيل في موزامبيق وأغوستينو نيتو في أنغولا.
ومن ناحية أخرى، لم يكن لدى المغرب أفضل سجل مع شعب الصحراء (المغرب لا يستخدم مصطلح “صحراوي”)، وعرضت الرباط مبالغ مالية ووظائف وسكن للمغاربة الراغبين في الانتقال إلى “المحافظات الجنوبية”، واتخذت إجراءات صارمة ضد الاحتجاجات والمعارضة، وكانت الأهداف الأسمى لها هي تغيير التركيبة السكانية لهذه المنطقة، وتعقيد وضع قائمة ناخبين من جانب بعثة المينورسو (بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية) والتي يمكن استخدامها في إجراء استفتاء على الاستقلال.
يذكر، أن المغرب غير مستعد للسماح بإجراء مثل هذا الاستفتاء لأسباب واضحة، فهو يخشى من أن يختار الناخبون الحكم الذاتي، بدلًا من البقاء جزءًا من المغرب حتى في ظل المقترح المغربي “خطة الحكم الذاتي”.
حكمت الجبهة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية دون معارضة (حيث تسيطر الجبهة على جميع المقاعد الـ 53 في المجلس الوطني) منذ إنشاء الدولة في المنفى العام 1975. كما تتلقى البوليساريو تقريبًا كل الدعم المالي من الجزائر، حيث إن دعم جبهة البوليساريو يوفر للجزائر وسيلة للتحقق من التوسع المغربي وهيمنة إقليمية على المغرب الكبير.
وهناك أسئلة أخرى تطرح من قبل جيل الشباب تتعلق بما إذا كانت جبهة البوليساريو قادرة على البقاء بدون عبد العزيز، حيث كان جزءًا من جيل فريد من الصحراويين، الذي تعلم وتدرب في المؤسسات المغربية ولكنه قاتل بضراوة خلال الحرب طويلة الأمد في السبعينيات والثمانينيات وتشجع بالمكاسب الدبلوماسية بعد وقف إطلاق النار العام 1991، وتولى هذا الجيل السلطة باعتباره مجموعة ثورية تحارب السيطرة المغربية.
ورغم انتقاد الجبهة للاستعمار، إلا أنها جسدت الموروثات الاستعمارية، فالحدود المرسومة على عجل للصحراء الإسبانية لم تحمل أبدًا في الحقيقة الكثير من الأهمية في حياة الناس في المنطقة، ومعظمهم من البدو، ولكن هنا كانت جبهة البوليساريو تعلن هوية وطنية فريدة من نوعها تحدها الحدود التي رسمها الاستعمار.
وكانت الروابط الاقتصادية والدينية والسياسية مع المغرب، دائمًا أمرًا مهمًا لشعب الصحراء، إلا أن البوليساريو تعمل على تقليص هذه الروابط.
سرطان الرئة جعل وفاة عبدالعزيز أمرًا متوقعًا إلى حد ما، في سن الـ68 لم يكن عجوزًا جدًا، ولكن هو وأقرانه في القيادة أصبحوا رغم ذلك أجيالًا منبوذة من عدد متزايد للشباب الصحراويين.
وتتسم آفاق الهجرة للصحراويين بالمحدودية، حيث أسهمت الروابط التاريخية مع إسبانيا في جعلها المقصد المفضل لهم، ولكن الوجهات الأساسية الأخرى لهم هي كوبا (المؤيدة القديمة لجبهة البوليساريو) والجزائر، حيث الفرص الاقتصادية محدودة.
وليس سرًا القول إن البوليساريو تقمع وجهات النظر المعارضة والمعارضين، تحدث عبد العزيز كثيرًا عن أهمية حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص دعم نشطاء حقوق الإنسان، ولكنه في الممارسة العملية اهتم فقط بحماية أولئك الذين يعملون ضد الاحتلال المغربي.
وتشهد مخيمات تندوف سخطًا متزايدًا، وفي العام 2009، فر أحمد ولد سويلم، أحد كبار مستشاري عبدالعزيز، إلى المغرب وأعلن هناك أن معظم الصحراويين يؤيدون اقتراح الحكم الذاتي المغربي.
في العام 2013، رفض مصطفى سلمى، الرئيس السابق لشرطة البوليساريو، والذي أعلن انشقاقه عن الحركة، العودة إلى تندوف من أجل الدعوة إلى خطة الحكم الذاتي للصحراء المقترحة من المغرب.
وفي العام 2014، نشرت مجموعة من الجنود شريط فيديو، شجبت فيه الفساد وتهميش الأصوات المعارضة المرتبطة بحركة الشباب من أجل التغيير، قبل انشقاقها إلى المغرب.
يبدو أن المرشحين المحتملين الذين سيحل أحدهم محل عبدالعزيز، من المرجح أنهم يفضلون بقاء الوضع الراهن، إبراهيم غالي، الذي يحمل أهم منصب دبلوماسي بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية بصفته سفيراً لدى الجزائر، والذي يعتقد أنه سيكون المرشح الأوفر حظًا، وقد وصفته وسائل الإعلام المغربية بأنه المرشح المفضل للجزائر، على الرغم من أن بعض الصحف الجزائرية قد أظهرت تأييدها لعبد القادر طالب عمر (رئيس الوزراء الحالي للجمهورية الصحراوية الديمقراطية) أو محمد سالم ولد السالك، الوزير الحالي لإعادة اعمار المناطق المحررة.
ويعتبر كل من المرشحين الثلاثة، بالإضافة إلى أدوه، من أقدم القوميين الصحراويين، وكتب حبيب الله محمد أمين مؤخرًا في صحيفة “المونيتور” أن قيادة البوليساريو سوف يتصدرها الشباب، ولكن الأدلة الأولية تقول إن التعيين الأخير لوزير يبلغ من العمر 33 عامًا للشباب والرياضة لا يمثل تغييرًا.
من جانبها، سوف تفضل المغرب انتظار الفرصة المناسبة، ومواصلة تعزيز سيطرتها على الإقليم، بينما تنتظر بزوغ الشباب الصحراوي المصاب بخيبة الأمل مع جبهة البوليساريو، لكن لعبة الانتظار يمكن أن يكون لها أثرًا عكسيًا.
والأجيال الجديدة لم تعش تجربة الصراع المسلح، ولكن كما أظهر تقرير صحيفة “المونيتور” مؤخرًا، فإن العديد منهم ليس لديه ثقة كبيرة في عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، ويرى أن العودة للحرب هي الحل الوحيد الممكن.
وفي الوقت نفسه، نجد أن خيبة الأمل والانشقاقات والمطالبة بمزيد من الانفتاح وحرية التعبير، قد بلغت أعلى مستوياتها.
وقد أظهرت جبهة البوليساريو ومؤيديها الجزائريين، القليل من الاهتمام بزيادة الشفافية أو انفتاح العملية السياسية أمام أحزاب بديلة، ولقد نجحوا حتى الآن في تسليط الضوء على قضايا حقوق الإنسان في المغرب وتشتيت انتباه المجتمع الدولي عن العيوب الداخلية الخاصة بهما.
ورأت المجلة، أن الانتقال من مرحلة عبدالعزيز قد توفر الفرصة للأصوات المعارضة لدخول المعركة الانتخابية داخل الجبهة، وسوف يولي المراقبون الدوليون اهتمامًا كبيرًا، ولكن يبقى سؤال مفتوح عما إذا كانت البوليساريو ستصمد أمام هذا الاختبار.


