اتصل بنا
 

من (النموذج التركي) إلى (النموذج الأردوغاني)

كاتب لبناني

نيسان ـ نشر في 2016-07-26 الساعة 11:14

تركيا الديموقراطية والرفض الخارجي لفكرة الانقلاب.
نيسان ـ

اختلفت القراءات لمحاولة الانقلاب في تركيا، ولكلٍّ منها تشعّباته وتشابكاته، ولكن بينهما تقاطعات تمثّلت خصوصاً بأن خروج الناس إلى الشارع ضد الانقلابيين التقى في النهاية مع الرفض الخارجي لفكرة الانقلاب نفسها التي كانت ستترجم، في حال نجاحه، بوضع مضطرب لا مصلحة فيه حتى لخصوم رجب طيّب أردوغان في الداخل، ولا يريده حتى أشدّ الناقدين له في الخارج. ولا شك أن هناك أطرافاً كانت ولا تزال ترغب في إطاحته والخلاص منه من دون أن تهتمّ بحساب النتائج، كما أن أطرافاً أخرى كانت تحبذ غيابه ولكنها لا تتصوّر البديل حكماً عسكرياً. فهذه تجربة برهنت ما تستطيعه في أربعة انقلابات ونحو أربعة عقود عجاف. واللافت أن كثيرين عادوا في تقويمهم للحدث الراهن إلى نهاية الحرب الباردة باعتبارها الخط الفاصل بين «تركيا العسكر» و«تركيا الديموقراطية»، ليستخلصوا أن المحاولة الانقلابية كانت من ارتداد أفول دور المؤسسة العسكرية.

وطوال العقود الأربعة الماضية تقلّبت الأحزاب العلمانية في سرايات الحكم وكواليسه، بين تعايش أو خصام مع العسكر، وحاولت الحركات والأحزاب ذات الطابع الإسلامي إثبات وجودها أو الحفاظ عليه في المشهد السياسي رغم صراعها الدائم مع العسكر الذين اضطرّوها مراراً لتعديل خطابها وأطروحاتها الفكرية حتى بلغت مع «حزب العدالة والتنمية» صيغة بدت الأقرب إلى قبول الإسلاميين الديموقراطية بمفاهيمها الغربية، والأقرب بالتالي إلى استعداد الإسلاميين لـ«مصالحة» وتعايش مع العلمانيين، وبالتزامن طرأت متغيّرات عدة كان أبرزها سقوط المعسكر السوفييتي، ما عدّل وظيفة تركيا الاستراتيجية التي جعلتها سابقاً وجيشها على خط الدفاع الأول في المواجهة بين المعسكرين الغربي الشرقي، ومنها أيضاً أن وجود تركيا في حلف الأطلسي عزّز ترشحها لعضوية السوق الأوروبية التي راحت تتوسع لتضمّ دول أوروبا الشرقية ولكن بمعيار أساسي هو تطبيق الديموقراطية واحترامها.

ومن بين المتغيّرات أخيراً أن صعود التيار الإسلامي وتفجّر ظاهرة الإرهاب «الجهادي» شجّعا الولايات المتحدة والدول الغربية على الدفع باتجاه إزالة العراقيل أمام وصول إسلاميين إلى السلطة في تركيا لكن بشروط محدّدة أهمها أن ينخرطوا في سياق ديموقراطي، وأن يلتزموا اقتصاد السوق ونظامه، وهكذا فتحت الأبواب أمام تحالف الإسلاميين في تركيا فوصل إلى الحكم بموجب انتخابات 2002 فيما كانت الدولة توشك أن تعلن إفلاسها اقتصادياً، ولكنها تجاوزت معه هذا المصير في غضون أعوام قليلة ليصبح اقتصادها قوياً ومزدهراً، ومعه أيضاً ولد ما سمّي «النموذج التركي»، أو «الحكم الإسلامي في دولة علمانية» الذي لقي فتوراً من «الإخوان المسلمين» في مصر عندما حاول أردوغان ترويجه لديهم، ولكن انتقاله المتسارع من قبول العلمانية إلى «الأخونة»، ثم استرجاع «السلطنة» دقّ نواقيس الإنذار في الداخل والخارج على السواء.

لم تكن الأردوغانية مجرد نمط شخصي في الخطاب ورسم السياسات، بل يعتقد بعض المحلّلين، خصوصاً في الغرب، أن أردوغان بات يعتبر أن تركيا أنجزت «تأسلمها» وأنهت حقبة علمانية امتدت لنحو قرن. ونتيجةً لذلك راح يهمّش معطيات رئيسية: منها مثلاً أن الجيش بقي علمانياً وإنْ نأى بنفسه عن لعبة السياسة، وأن الفوز الانتخابي لحزبه لا ينفي أن المعارضة تمثل أكثر من نصف البلد وإنْ استحال توحّدها ضدّ حزبه، ومنها أيضاً أن صراعه مع نفوذ فتح الله غولن وجماعته استثار لوبياً متماسكاً ومتغلغلاً في عمق التيار الإسلامي كما في عمق الدولة، وبالتالي فإن الإجراءات التي اتخذها ضدّ «الكيان الموازي» زادت الشكوك بالنهج الديموقراطي لأردوغان واستوجبت تذكيره بـ«شروط» قبول تركيا في النادي الغربي مرفقاً بحملة لم تخلُ من المبالغة في «شيطنته».

ومن هذه الثغرات استطاع الانقلابيون النفاذ لاستباق حملة تطهير واسعة كان أردوغان يعتزمها، وها هو يشرع فيها مستنداً إلى فشل الانقلاب، ومجازفاً بتعميق الانقسامات، ولذلك يعتقد كثيرون أن الانقلاب فعل فعله في كل الأحوال، إذ كانت تداعياته، لو نجح، لتكون كارثية على «حزب العدالة والتنمية» وعلى تركيا عموماً، أما وقد فشل فإن التداعيات السلبية آخذة في التراكم: إرباك الدولة في علاقتها مع الجيش والأمن والقضاء والإعلام، وإرباكها في سعيها إلى الحفاظ على دورها الإقليمي، واستثارة العلمانيين والأكراد والعلويين وتجديد الجدل على الديموقراطية في ظل الأسلمة المتزايدة، والدخول في خلافات مع الاتحاد الأوروبي وخسارة المزايا التي حصّلتها تركيا من ترشحها للعضوية، والأهم، أخيراً، توتر العلاقة مع الولايات المتحدة سواء بالنسبة إلى تسليم غولن أو استمرار واشنطن في دعم «النموذج التركي».

نيسان ـ نشر في 2016-07-26 الساعة 11:14


رأي: عبد الوهاب بدرخان كاتب لبناني

الكلمات الأكثر بحثاً