اتصل بنا
 

(انتحروني)... على الطريقة السورية

نيسان ـ نشر في 2016-10-20 الساعة 12:03

انتحروني، رمز كوميدي يكشف عن نمط من أنماط السلوك المافيوي في المسلسل اللبناني الساخر الناقد قربت تنحل، ويحمل معنىً ملغزاً حول نمط السلوك المافيوي في تصفية الأشخاص المهمين، وقضية انتحار جابر البكر اللاجئ السوري في سجن برلين تستدعي الاهتمام والتمعن لما يمكن أن تفتح عليه من تكهناتٍ واستقراءٍ لواقع الإرهاب وتسخيره عالمياً لخدمة كل أطراف النزاع في العالم.
نيسان ـ

في إحدى حلقات المسلسل اللبناني الساخر الناقد "قربت تنحل"، وكانت عن اللواء رستم غزالي الذي خلف اللواء، غازي كنعان، في لبنان، مع الإشارة إلى انتحار غازي كنعان، يطلّ الممثل الذي يؤدي دور رستم غزالي من باب مكتبه، بعدما أغلقه وفتحه فجأة، ويقول بأسى كوميدي: انتحروني، حيث شاعت هذه "الخلطة" بين الناس وصارت شيفرة كوميدية تظهر عند كل حادثة انتحار، غازي كنعان، محمود الزعبي.. إلخ. ويحمل فعل الأمر هذا، بصياغته الشاذة بحسب قواعد اللغة والنحو، معنىً ملغزاً كثيفاً حول نمط من أنماط السلوك المافيوي، عندما يعمل طرفٌ ما على تصفية شخصٍ أدّى دوراً مهماً، فيقطع حلقةً من سلسلةٍ محكمةٍ، تضيع معها الحقائق، وتهرب الخيوط من أصابع من يبحث عن الحقيقة.
هل يمكن الافتراض أن جابر البكر، اللاجئ السوري ابن الاثنين وعشرين سنة، الذي قيل عنه، إنه كان يخطّط لعملية تفجير في مطار برلين، قد قضى على طريقة: انتحروني؟
بدايةً، لا يمكن تجاهل أو تأجيل الاهتمام ومتابعة شؤون اللاجئين السوريين، أو التعاطي مع قضية الإرهاب وردود الفعل في الشوارع الأوروبية، أو لدى الأنظمة الحاكمة ومعارضيها، حول هذه القضية، بحجة أن حلب تباد. حلب هي بؤرة النزيف السوري حالياً، ووجعنا العميق، وهي العقدة الأصعب أمام منشار الحرب التي تديرها القوى الكبرى، إقليمية وعالمية، فوق أراضينا وبأجساد أبنائنا، مدفوعة بغرائز رأس المال الماسك خيوط الحياة البشرية ومفاصلها في عصرنا الراهن، والمسخّر لجميع أوجه النشاط البشري في طريق خدمته.
انتحار جابر البكر الذي عثر عليه مشنوقاً بقميصه في زنزانته في مستوصف السجن، بعد يومين على توقيفه، ما أثار جدلاً بشأن ظروف اعتقاله، قضية فائقة الحساسية، لا يمكن التعاطي معها على أنها خبر تناقلته وسائل الإعلام في نشراتها يوماً واحداً، حظي، في أحسن حالاته، بالمرتبة الثالثة في ترتيب الأخبار، من حيث الأهمية فقط، بل تفرض الاهتمام والتمعن لما يمكن أن تفتح عليه من تكهناتٍ واستقراءٍ لواقع الإرهاب، وتسخيره عالمياً لخدمة كل أطراف النزاع في العالم، حتى المتخاصمين أو الأعداء، فهي مثلما صرّح، زيغمار غابريل، نائب المستشارة الألمانية ووزير الاقتصاد، "واقعة مرعبة، يجب الآن التحقيق فيها".
لم يظهر جابر البكر من الفراغ فجأةً، قبل أن يقبض عليه لاجئون سوريون، ويسلمونه إلى
"لم يظهر جابر البكر من الفراغ فجأةً، قبل أن يقبض عليه لاجئون سوريون، ويسلمونه إلى السلطات الألمانية" السلطات، فهو، وبحسب تصريح مدير التحقيقات الجنائية في ولاية ساكسونيا شرق ألمانيا، يورغ ميشائيل، موضوع من وكالة الاستخبارات المحلية تحت المراقبة منذ منتصف سبتمبر/ أيلول 2016. وقد زار سورية خلال إقامته لاجئاً في ألمانيا، بحسب ما أفادت أسرته، أعلنت من شاشة شبكة التلفزة MDR، كما أنه، وخلال الأشهر الاثني عشر الماضية، سافر مرتين إلى تركيا، ليقصد منها مدينة إدلب السورية، ويقضي فيها بعض الوقت، طبقاً لما أشار إليه تقرير شبكة استخباراتية. وكشف التقرير أيضاً، أنّ البكر بدا مختلفاً حين عاد من تركيا/ سورية إلى ألمانيا. وأعلنت وكالة الاستخبارات المحلية أنّ الشاب البالغ 22 عاماً وصل إلى مرحلةٍ متقدمةٍ في التخطيط لهجومٍ بقنبلةٍ على مطار برلين. ويعتقد المحققون، أن الهجوم كان بدوافع جهادية، وأنه على صلة بتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.
كل هذه المعلومات والتقارير الاستخباراتية حول شخص مرشّح للقيام بأعمال إرهابية، بقي ملاحقاً فترةً لا بأس بها، صادرة عن جهاتٍ أمنيةٍ وقضائيةٍ واستخباراتيةٍ، لم تنفع في أن يقضي منتحراً في زنزانته، بحسب التصريح الرسمي، في سجنٍ يفترض أن يكون عالي الكفاءة، من حيث الأداء والمراقبة، خصوصاً لسجينٍ من هذا النوع، بادعاء أن السجين لم يكن يظهر ميولاً انتحارية، وكأن العمليات الإرهابية التي يفجر أصحابها أنفسهم بين الجموع لحصد أكبر عدد من الأرواح في أماكن التجمعات والمرافق الحساسة، لا يحمل منفّذوها ميولاً انتحارية، وإن اختلفت التسمية التي تضفي مسحةً من القداسة عليها الجهات التي تقف وراءها، بدعوى الجهاد والشهادة؟
لانتحار شخصية من هذا النوع أو موتها، علاقة بما يمور في العالم اليوم من عنفٍ وإرهاب، وصراعاتٍ مدمرة، يقع الإسلام والمسلمون في قلب إعصارها، يثير أسئلةً كثيرة ومتنوعة ومتضاربة أيضاً. لكن، يبقى القاسم المشترك الوحيد بينها عنصر التشكيك، فقضية اللجوء، والصراع الدائر في سورية، والموقف من النظام وممارساته، ومن الدور الروسي الذي تمارسه روسيا في سورية، وقصف حلب الشرقية، مع استعصاء تبني موقفٍ فاعلٍ يفرض على المعارضة المسلحة إعادة تنظيم صفوفها، وفك ارتباطها مع الجماعات التي تتبنى الفكر القاعدي.
هذه القضايا تقسم السياسة الغربية والأوروبية عموماً، والسياسة الألمانية خصوصاً، حولها،
"لانتحار شخصية من هذا النوع أو موتها، علاقة بما يمور في العالم اليوم من عنفٍ وإرهاب" فحركة بيغيدا المناهضة للجوء انطلقت من ولاية ساكسونيا الألمانية، ولليمين الألماني موقف من قضية اللجوء، ويمارس ضغوطاً على الحكومة، بالإضافة إلى نشاطه المؤثر في العمل على كسب تأييد أكبر عدد من الشارع الألماني، وقد لاحظنا تدني شعبية المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وشعبية حزبها في الانتخابات أخيراً، ولا يمكن أن نغفل تأثير العمليات الإرهابية التي حصلت في ألمانيا، وفي دول أوروبية أخرى كفرنسا وبلجيكا، على الموقف الشعبي من الحكومات. في أوروبا، يحتدم الصراع بين اليمين واليسار الذي أظهر فشلاً في كسب الرضا الشعبي العالي حول أدائه، بينما اليمين الأوروبي ينسق في أدائه وفي طروحاته، ويميل إلى كسب رضا شرائح أوسع من المجتمع الأوروبي. ففي حين أقرّ نائب رئيس وزراء ولاية ساكسونيا، مارتن دوليغ، أن السلطات القضائية في ولايته تتحمل "جانباً" من المسؤولية لوفاة اللاجئ السوري جابر البكر. وأضاف المسؤول أن ذلك نجم عن "سلسلةٍ من التقديرات الخاطئة"، مشيراً إلى "سوء تقدير لأهمية السجين ولحالته الصحية"، طالب حزب اليسار باستقالة وزير عدل ولاية ساكسونيا، سيباستيان غيمكو. وقال النائب عن حزب الخضر، كوستانتين فون نوتس، لإذاعة ألمانيا، إنه لابد حالياً من استيضاح هوية المسؤول تحديداً عن هذا "الفشل الذريع" للعدالة في ولاية سكسونيا.
ومثلما انقسم الجانب الألماني بشأن قضية الانتحار، كذلك انقسم الرأي بين السوريين، خصوصاً المقيمين في ألمانيا وبلدان اللجوء، لكنهم كانوا، بتصريحاتهم، شبه متفقين حول فكرة المؤامرة، إنما كان الانقسام حول الجهة الضالعة بهذه المؤامرة، فمنهم من أشار إلى أن المستفيد من تغييب الحقائق هي النظام الذي يقصف الشعب السوري، بل منهم من استنكر سلوك السوريين الذين قيدوا جابر البكر، وسلموه إلى السلطات المسؤولة، واتهموهم بأنهم "يكتبون التقارير ببعضهم حتى في بلدان اللجوء"، ومنهم من وجه الاتهام إلى الأنظمة الغربية التي تغذي الإرهاب، وتتحالف معه، من أجل تنفيذ أجنداتها، خصوصاً وأن جابر البكر مُعترف به لاجئاً، ومشتبهاً بإعداده اعتداءً إرهابياً. ومع هذا، تمكّن، في مرحلة أولى، من الهروب، على الرغم من حشد عدد كبير من قوات الشرطة. وفي نهاية المطاف، نجح ثلاثة من مواطنيه السوريين في القبض عليه، وليس الشرطة الألمانية.
في النتيجة، يبقى انتحار البكر انتكاسةً بالنسبة للكشف عن متورطين آخرين وداعمين وشبكات وجهات مستفيدة، بينما موت سكان حلب بقصف الطيران والمدافع والحصار مسألة ليست بهذه الجسامة التي يفترض أن تدفع الضمير الإنساني إلى أن يمسك القرار وحده بقبضةٍ من حديد، ويرغم كل الأطراف على وقف وحشيتها في الانتقام من الشعب السوري الذي لا يريد له العالم أن يحلم بحياةٍ كريمةٍ حرةٍ عادلة، مثلما يستهين بآلامه واضطراباته النفسية في مواطن اللجوء التي تفعل فعلها، بعد رحلةٍ صارع الموت فيها يحمل في ذاكرته صور دمار بيوته وأهله، وتزداد الفجوة اتساعاً في داخله، فجوة القطيعة مع المكان الذي هو، بأبسط تعريف، كان يُدعى وطناً.

نيسان ـ نشر في 2016-10-20 الساعة 12:03


رأي: سوسن جميل حسن

الكلمات الأكثر بحثاً