ألفاظ المعلم.. تترسخ بذاكرة الطالب وتؤثر في قدراته
نيسان ـ نشر في 2016-11-01
لاحظت الثلاثينية علا رامي حالة من الاكتئاب والإحباط على ابنتها في الصف الخامس، والتي تعود كل يوم من المدرسة بحالة غريبة وكأنها تخلو من الحماس والفرح، وتفضل الجلوس بمفردها.
في البداية رفضت الفتاة التحدث أو البوح بأي شيء وأصرت على أنه ليس هنالك ما يزعجها، ومع استمرار الحالة وقلق الأم على ابنتها، اتصلت بوالدة صديقة ابنتها لتستشيرها، وانصدمت من أن إحدى المدرسات لا تكف عن مناداة ابنتها مرات كثيرة بـ”يا بقرة” لكبر حجمها، ما يجعل باقي الفتيات يصبن بنوبة ضحك عليها، خصوصاً عندما لا تشارك أو عندما تعطي إجابة خاطئة.
هذا الأمر جعل علا تصاب بحالة من الذهول، ولم تلبث أن يظهر النهار حتى ذهبت الى المدرسة. تقول “انتابتني مشاعر غريبة ممزوجة ما بين العصبية والقهر والحزن على ابنتي ورغبتي بسؤال المدرسة بأنها هل كانت تدرك حجم الضرر النفسي الذي سببته لطفلة بهذا العمر، وكيف لمدرّسة بهذا العمر أن تستخدم مثل هذه الألفاظ”.
تلك حالة واحدة من العديد من الحالات في مدارس ما يزال بعض معلميها لا يملكون خبرة كافية في التعامل مع الطلاب، وخصوصاً الأطفال، ما يجعل الأمر ينعكس سلباً عليهم، ويؤثر عليهم حتى مراحل متقدمة من العمر بسبب كلمة أو صفة كان ينادي بها المعلم أمام زملائهم.
الأربعيني ضياء خليل يحكي عن تجربته مع ابنه الذي سبب له أستاذه “عقدة” في مرحلة الطفولة لأنه كان يناديه “يا غبي” في الصف وأمام زملائه.
أزمة نفسية كبيرة سببتها هذه الكلمة للطفل وأثرت عليه سلبا، خصوصاً وأنه لم يشتكِ لأهله، واستمر الأمر فترة من الزمن لدرجة أن الطفل بات مقتنعا تماماً أنه شخص “غبي” ومختلف عن باقي زملائه ولن يكون في يوم من الأيام غير ذلك، مما أثر على مشاركته في الصف خوفا من أن يسمعها من أستاذه في حال كانت الإجابة خاطئة.
ويضيف ضياء أنه لاحظ على ابنه تغير سلوكه، وبعد أن عرف نقله من المدرسة كاملة، الا أنه عانى كثيرا في محاولة إعادة ثقة الابن بنفسه وتحليه بالشجاعة.
يقول “تجربتي مع ابني لا تنسى ولن أستطيع في يوم أن أسامح الأستاذ الذي دمره بكلماته بدون أن يراعي المشاعر والأثر الذي ستتركه عليه، وما أزال ألمس عنده بعضا من الأثر الذي تركه عليه ذلك المعلم بالرغم من بذلي مجهودا في هذا الأمر”.
الحالات كثيرة ومختلفة في هذا المجال. مريم هي أم لطفلة في الصف الثالث تفاجأت من ابنتها التي عادت من المدرسة لتسألها “ماما ليش المس بتكرهنا”، هذا السؤال جعل مريم تفكر في السلوكات أو التصرفات التي تتبعها المعلمة في الفصل لتوصل طفلة بهذا العمر وتعتقد أنها “تكرههم”.
وعند سؤال مريم لابنتها عن السبب وراء سؤالها، أخبرتها أنها دائمة الصراخ والشتائم، الأمر الذي زرع الرهبة في قلوب الطلاب، وأصبحوا يخافون أن يسألوها أي شيء أو يستفسروا عن أي معلومة لم يفهموها.
تلك الحالات وغيرها العديد تلفت الانتباه الى أهمية وضرورة أن يكون المعلم مؤهلا ويتمتع بكفاءة عالية ليقدم رسالة تربوية صحيحة للطالب، نظراً للأثر الكبير الذي يتركه المعلم على طالبه، والذي قد يسهم إما في تقدمه ونجاحه أو التقليل من عزيمته.
المدير التنفيذي في أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، هيف بنيان، يقول “إن الأبحاث العالمية أكدت أن للمعلم الأثر الأكبر في تحصيل الطالب وسلوكه، وقد بات هذا الأثر واضحا في بعض الدول الأجنبية من نتائج تحصيل طلبتهم”، مبيناً أن هذه الدول تعمل بشكل جاد على تأهيل المعلمين قبل دخولهم الخدمة.
لذلك وجب على الأردن التوجه نحو تمهين المعلمين من خلال تأهيلهم وتسليحهم بالاستراتيجيات التعليمية التي يحتاجونها للتمكن من مساعدة الطالب على التعلم وتأهيله لمستقبل الثابت الوحيد فيه هو التغيير المستمر.
ويضيف بنيان “أن أهم أساليب التعلم في القرن الواحد والعشرين، أن يقود الطالب عملية تعلمه بالطريقة التي تتناسب مع مقدرته الاستيعابية، ومن الصعب أن يحدث ذلك بدون أن يحب الطالب مادته والتي تعتمد على المعلم، لذلك سيتم تزويد المعلم باستراتيجيات عدة تساعده على خلق بيئة داعمة وتشاركية محببة لدى الطالب”.
الأستاذ المشارك في الطفولة المبكرة ومساعدة عميد شؤون الجودة في كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية، الدكتورة ديالا الحديدي، تقول “اذا جاء معلم وقال لطالب إنك شخص ممتاز سيرى نفسه ممتازا والعكس صحيح تماماً، كونه يجعل العقل الباطن يوحي له بأنه شخص ممتاز أو بأنه شخص كسول”.
وتشير إلى أنه وللأسف المعلم لا يعي أن كلمة واحدة قد تكون قاتلة وهادمة لمستقبل الطالب، مبينة أنه لابد للمعلم أن يدرك بأن ما يقوله يؤثر على الطالب بالجانبين السلبي والإيجابي، فإذا كانت كلماته إيجابية سيعزز ما لدى الطالب من قدرات، وإذا كانت سلبية يهدم كل قدراته.
وتضيف الحديدي، أن هذه الظاهرة موجودة ومنتشرة في المدارس بسبب عدم وعي المعلم بأثر هذه الكلمات، وهناك قلة من عبارات التشجيع والتحفيز التي تستخدم، لافتة الى أن على المعلم أن يختار كلمات منوعة ايجابية مؤثرة على الطالب.
وتعتبر أن الحل يكمن في أن يزيد المعلم من عبارات التحفيز والتقبل ولا يجوز للمعلم أن يعطي المتعلم وصفا مسبقا.
وعلى الأهل كذلك دور بأن يسألوا أبناءهم يومياً بما حدث في المدرسة خلال اليوم وألا يعتمدوا على أن يأتي الطفل ويخبرهم وحده.
وفي حال تبين للأهل أن الأستاذ يتبع مع ابنهم سلوكا خاطئا، عليهم العمل على نفي هذه المعتقدات من ذهنه وأن كلام المعلم خاطئ ولا أساس له من الصحة، وأن يتواصل ولي الأمر مع المدرسة ولا يسكت على الأمر بتاتاً.
كما على الأهل التحدث مع المعلم وأنه لا يجوز وصف الطفل بأي وصف يمكن أن يؤثر عليه سلبا.
مدرسة الرياضيات في إحدى المدارس ليلى عبد الدايم، والتي مارست مهنة التدريس لمدة 35 عاما، تقول إنها لا تتذكر أنها في يوم من الأيام تلفظت بلفظ غير مناسب على أحد طلابها أو نعتته بصفة معينة، مبينة أنها كانت عندما تغضب من طالب لتقصيره بالمادة أو كسله أو أي سلوك ثان تقول له أن يحضر معه والداه في اليوم الثاني، وتتحدث معهم وليس مع الطالب.
وتعتبر أن هذه السلوكيات تعود للمدرس نفسه وأخلاقه، اذا كان قد اعتاد على هذا النوع من الحديث والحوار، فمن المؤكد أن يطبقه في الصف مع الطلبة.
مديرة مدرسة الملكة رانيا العبدالله الثانوية للبنات، اعتدال الردايدة، تقول “إن هذه الحالات تحدث أحياناً، خصوصاً من المدرسات الجديدات أو البديلات فلا يكنّ مدربات على مراعاة نفسية الطلاب مثل غيرهن، وهذا يصنف من باب العنف من قبل المعلم تجاه الطالب، كون وصف الطالب سواء بالغباء أو الكسل أو أي من الصفات أمرا سلبيا”، لافتة الى أن احترام الطالب وتشجيعه أمر مهم جداً.
غير أن الأمر لا يخلو من وجود هذه العينات من المدرسين قد لا يتحكمون بأعصابهم ولا يحترمون الطالب، مبينةً أن تكرار هذه الصفات السلبية من قبل المعلم ستجعل الطفل يقتنع بالصفات التي يناديها بها، مما سيسبب له مشاكل كبيرة على المدى البعيد.
وتذهب الى أن بعض المعلمين بحاجة لتدريب وتوجيه، وعلى الأهل كذلك دور بأن يلجأوا للمرشدة أو لمديرة المدرسة لضرورة توفير بيئة آمنة للطالب، وعلى الطلبة أنفسهم أن يرفضوا هذه التصرفات ويبلغوا عنها الإدارة على الفور.
وفي ذلك، يذهب الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي، الى أن السلوكيات الخاطئة التي تمارس من قبل بعض المعلمين أنهم يصفون السلوك الذي يقوم به الشخص وليس شخصه، خصوصا عندما يقومون بذلك على مسمع باقي الطلبة في الغرفة الصفية، لافتا الى أهمية أن يعزز المعلم الطرق الإيجابية والكلمات التحفيزية ويبتعد عن الألفاظ الهدامة حتى لا يتقمصها الطالب فيما بعد.
وكانت جلالة الملكة رانيا العبدالله، أطلقت منذ أيام دبلوم إعداد وتأهيل المعلمين قبل الخدمة في مرحلته الأولى في أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، ويأتي هذا الدبلوم استجابة للحاجة الملحة جداً لإعداد وتأهيل المعلمين قبل الخدمة في المهنة؛ حيث يستهدف هذا الدبلوم الأشخاص الذين يودون دخول مهنة التعليم بعد إنهائهم المرحلة الجامعية وحصولهم على درجة البكالوريوس.
ويسعى هذا الدبلوم لتخريج معلمين على قدر كبير من الخبرة والمهارة في التدريس في المدارس الحكومية والخاصة، وهو الذي سينعكس على العملية التعليمية ككل.
وأكدت جلالتها إيمانها وقناعتها بأهمية دور المعلم، كون المعلمين هم أهل التربية والتعليم وأصحاب المهنة التي تنبثق عنها جميع المهن.
وقالت إن التدريب من أهم ركائز إصلاح التعليم، مشيرة إلى أن تدريب المعلمين نال جزءا كبيرا من توصيات اللجنة الوطنية لتنمية الموارد البشرية؛ حيث تصل أعداد المعلمين الى 118 ألف معلم وإداري في مدارس المملكة.
الغد - مجد جابر


