حسين الحواتمة.. جنرال يراقص العتمة من أول طلقة
نيسان ـ نيسان- إبراهيم قبيلات ـ نشر في 2016-12-21 الساعة 23:05
كتب إبراهيم قبيلات..فيما يواصل الرسميون عقد المؤتمرات في العاصمة عمان، والغرف المكيفة، يصرّ مدير الدرك، اللواء حسين الحواتمة على مشاركة زملائه صولاتهم العسكرية في تبديد الظلام عن وجه الأردن، وسقاية الأرض بعرق الرجال. إنهم جياد العتمة.
هم هكذا الشرفاء من القادة، يتعففون عن الغنائم والظهور العشوائي في المحن، ويتسابقون إلى الإقدام والمواجهة، فكيف إذا كانت مواجهة لحماية الأردن وناسه؟.
أمس كان يوما مختلفا، أمس انهت قواتنا الأمنية فصلا آخر من فصول الإرهاب، أمس كان الحواتمة جزءا من مسار العمل وتطوراته، أمس كان الحواتمة مرابطا في الميدان يتحرك ويقرر.
من قال إن العكسر لا يدفعون فواتير أخطاء السياسة؟، هم مثلنا يقلقون لمّا نقلق، ويحلمون كما نحلم، لكن لهم لغة خاصة حتى في الحلم، حلم بسيط يبدأ بشراء بدلة كحلية أو سوداء من سوق الفحيص، ثم يتطور لاحقا لشراء سيارة كيا سيفا أو في أحسن الأحول أفانتي خمري، ثم يستعد في عامه الثاني لمواصلة دفع أقساط الدراسة عن شقيقته الجامعية.
ببساطة هذا هو حلمهم، قصدورة مسائية وسط البلد تتخللها زيارة سريعة لمطعم هاشم، ثم تحلاية من حبيبة قبل أن تستقر بهم المحطة في مستشرف مقهى بشارع الملك فيصل.
حسنا، سنغادر شارع الملك فيصل ونذهب إلى الجامعة الأردنية التي غادرها سريعا اللواء الحواتمة بمجرد تلقيه اتصالا عن تطورات المشهد في قلعة الكرك قبل أيام، فوضع أوراقه جانبا قبل أن يعتذر إلى طلاب الأردنية عن عدم إكماله المحاضرة؛ ليمضي إلى الكرك.
في الحقيقة، وقع خبر مشاركة الحواتمة زملاءه في الميدان في قلوب الناس واستقر في وجدانهم، وهم بذلك إنما يعبّرون عن حاجة شعبية لقادة ومسؤولين يكرّسون مشهد الحواتمة بعد أن فاضت سلتهم بأسماء وازنة ما ان تخرج من وظيفتها حتى تظهر أسماؤها في سجلات مكافحة الفساد، ثم تختفي في زحمة الأوراق.
هي السياسة إذا، وقد لوّثت الناس، كما لوثت نخبهم ومسؤوليهم، فصاروا يتلهفون للقاء مسؤول لا يكذب، مسؤول لا يسرق، مسؤول لا ينهب، مسؤول ينسى رتبه ونياشينه العسكرية بعد أول طلقة على العدو، فلا يعود يتذكر إلا لحظات المواجهة ومراميها، وكلما ارتقى شهيد انحنى صوبه يشتم رائحة دمه الطاهر ليواصل المشوار.
هو رجل لا نظنه إلا امتدادا لرائحة الكبار من الرجال، فكان كلما زغردت البواريد اشرأب صوبها، وكلما اشتدت المواجهة انبرى كالسهم مطمئنا لأكتاف الرجال وقد اصطفت سياجا أمنيا كي لا تخذل قلوبا تعلقت في القلعة، ثم نست نبضها في قرية قريفلا.
لمثل هؤلاء القادة العسكريين نطمئن، ولمثلهم تنحني رؤوسنا، هم سنابل القمح، وريحة الأرض وصوّانها.
وسط كل هذا الضجيج نقترب من أكتاف الرجل لنهمس باذنه: 'صحيح أن أباك مات وهو يحلم برؤية كتفك تتزين بالنجمة الملكية قبل 31 عاما، لكنه اليوم يمتلئ فخرا بك وقد قلت كلمتك'.
محطات من حياته
ولد الجنرال حسين الحواتمة لأب عسكري، هو المرحوم محمد سالم الحواتمة، ذلك العسكري الذي شارك في معارك القدس، فاستحق وسام الشجاعة والإقدام العسكري من الراحل، الملك عبد الله الأول بعد أن أصيبت قدمه بمعارك عام 1947، لعل ذلك كافيا لتفسير مشهد ابنه اليوم، الذي التحق بالقوات المسلحة عام 1983، ليتخرج من الكلية العسكرية بشهر تشرين أول من عام 1985، بعد أيام قليلة من رحيل والده.
'رحيل' أوجعه، وترك ندبه واضحة على عائلة لا تزال مسكونة في استحضار مشاهد وقصص ابن حاتم الرجولية، وترى به حياة لا يمكن اختصارها أو بالحد الأدنى تكرارها.
تلقى الباشا تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس ذيبان، التي أورثته سمرة الرجال ومنعة الجبال، وبساطة الإنسان، وفي سهولها ووديانها وجبالها ترك قصصا لا تزال ارتداداتها تبعث له برسائل لا يقوى على إهمالها، فيعود معها 'أسيرا' إلى مياه الهيدان وأوديتها، وإلى تلال الشقيق وآبارها، حينها كان يرعى 'شويهاته' بعد أن ينتهي من 'أعمال الحصيدة الجبرية'، كلما أعلنت المدارس عطلتها.
'عطلة' وأعياد كان يحتال عليها الباشا؛ بمشهد لن يفهمه إلا أبناء العسكر، ومن سار على نهجهم، ببساطة، العيد لا يكون عيدا من دون 'اكسسوارات'، وهو ما يتعذر على الباشا مجاراته، لكنه لن يعدم الوسيلة في إنتاج عيد ببهجة جميلة وبأقل التكاليف.
ببساطة كان يضع بنطاله تحت الفرشة بعد أن يطويه، وكأنه يعدّه 'للكوي'، فلا كهرباء، ولا مكواة في منطقة 'تتعلل' بكامل وقارها على ضوء القمر أو أشعة 'الشمبر'، لكنها الرغبة بالحياة، الرغبة بالنجاح، الرغبة بالفرح.
هناك ترك الطفل 'مسدساته' و'طائراته' بعد أن طبع قبلته على جبين أم حسن، وراح يتزود بأسلحته الرسمية وأدواته القتالية، وكأنه أدرك أن حلم ابيه بالنجمة سيكتمل بعد حين، وسيعبر محطات كثيرة في طريقه قبل أن يتسلم مهامه مديرا عاما لقوات الدرك بتاريخ 30-5-2015.


