حتى لا تصبح مراكز إدارة الأزمات وغرف العمليات جزرا معزولة عن الناس
نيسان ـ نشر في 2016-12-22 الساعة 17:39
لن تكون الحكومة سعيدة وهي ترى كرة الغضب الشعبي تتدحرج وتكبر، بعد أن تخلل سلوكها الرسمي أثناء إدارة أزمة الكرك أخطاء اقتربت في حرمتها من الخطايا.
في البدء، انتظر الناس معلومات من حكومتهم تكشف عمّا يحدث في الجنوب، وتمنع حالة القلق التي بدأت تعبر عن نفسها بوضوح، ليس في الكرك فقط، بل شملت محافظات وقرى المملكة جميعها، بعد أن انتشرت إشاعات على وسائل الاتصال المجتمعي تتحدث عن خلايا ستنفذ عمليات جديدة في أكثر من منطقة.
الحكومة فضلت الغياب على مواجهة الشارع، باستثناء بعض التصريحات التي قدمت روايات متناقضة؛ ما زاد من حنق الناس وسخطهم.
كان ذلك في أحداث قلعة الكرك.
وفي قرية قريفلا التي راح فيها أربعة شهداء، بقيت الحكومة في المعمعة عينها، لا بل إنها سمحت لمواقع وصحف بعينها بنشر فيديوهات ومعلومات؛ ظنا منها أنها بذلك ستطفئ نار الشارع، وبعد أن اتضح للرسمي أنه ابتعد كثيرا عن أسس إدارة العلملية قرر أن يخطو خطوة واحدة إلى الامام، بإعلانه مؤتمرا صحافيا في الوقت الذي تواصل به القوات الأمنية اشتباكها مع الإرهابيين شمال الكرك. وهذا أكثر من جيد.
جيد؛ لأن لا شيء يكسب ثقة الشارع أكثر من مواجهته بالحقيقة، وجيد؛ لأن الناس معنيّون بسلمهم وأمنهم اليوم أكثر مما مضى، ما يعني أن الفرصة مواتية للمكاشفة.
'مكاشفة' قدمتها الحكومة على لسان ناطقها الرسمي الدكتور محمد المومني في مؤتمر صحافي انتهى بإدخالنا في مؤتمرات 'فيسبوكية' لم تنته حتى اللحظة، بعد أن فجّر معلومات كشفت –عن حسن نية-غياب المطبخ السياسي والأمني على حد سواء، وسوء التنسيق وغياب الانسجام، وهذا ليس غريبا عن فريق حكومي وضعت أسماءه مراكز وقوى وفق قناعات ورؤى مختلفة، إلا أن الشارع تشكك في فكرة أن 'يجر' مجرم قوة أمنية إلى وكره، ثم تنتهي إلى ارتقاء أربعة شهداء.
تلك الحادثة أشبعها الناس نقدا، كما أشبعوا ناطقها، لكن أحدا لم يتعامل مع حديث المومني بوصفه معلومات حقيقية، وأن القرار بروايتها لا يعود للمومني بل للحكومة وأذرعها.
الناس معذورون في رفضهم التسليم بالفكرة، فتاريخهم حافل مع حكوماتهم بتجارب تُعزز حالة عدم الثقة.
الرواية التي قدمها المومني باسم حكومة الملقي دفع ثمنها، فهاجمه الناس ونسوا أنه جزء من حكومة، ولا يملك إلا أن يعبر عن أخطائها وسوء إدارتها ومعالجتها، ثم يكون مستعدا لدفع الفواتير منفردا.
في الحقيقة، الشارع غاضب ووصل إلى حدود من التوتر تمكنه من الذهاب بعيدا في شيطنة الحكومة، فالحدث أكبر من أن يمر مرور الكرام، لكن وبما أننا أمام معلومة رسمية تكشف وجود خلل بنيوي في منظومتنا الأمنية لم لا نعلي الصوت للمراكمة عليها، لنصل ولو متأخرا إلى تكريس مكاشفة الحكومات، وتقديمها معلومات للصحافيين.
المطلوب اليوم من الحكومة أن تعيد بناء العلاقة بينها وبين الناس وفق رؤية استراتيجية جديدة، تستند إلى ضابط إيقاع واحد، لكنه جزء من خلية عمل تؤمن بأهمية المعلومة في المعالجة الرسمية للأحداث، ودورها في تهدئة الشارع، فلا وقت لدينا، وإلا فإن مراكز الأزمات وغرف العمليات ستبقى جزرا معزولة عن الناس.


