الثعلب
نيسان ـ نشر في 2017-01-06 الساعة 01:50
>
كان الثعلب يجيد الادوار الموكلة اليه .. إنه الرجل ذو الألف وجه ووجه. هكذا عاش وهكذا استشهد وهكذا تخرج ذكراه حية على الدوام.
صبيحة الجمعة في الخامس من يناير 1996م سيتصل كمال حماد العميل الاسرائيلي بصديق يحيى عياش ويطلاب منه فتح الهاتف المتنقل؛ لأنه يريد الاتصال من 'إسرائيل'، فيفعل.
حينها كان العميل يدرك ان ضيف اسامة من العيار الثقيل انه يحيى عياش المطارد والذي لا احد يعرف له وجها. في الساعة التاسعة صباحًا اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل.
لنترك لـ 'أسامة حماد' صديق المهندس والشاهد الوحيد على عملية الاغتيال يروي الحكاية: يحيى التجأ إلي قبل خمسة أشهر من استشهاده؛ وسكن منزلي دون أن يعلم أحد، وكان العميل كمال حماد – وهو خال أسامة يعمل مقاول بناء- على صلة وثيقة بالمخابرات الإسرائيلية يلمِّح لي بإمكانية إعطائه جهاز 'بيلفون' لاستخدامه، وكان كمال يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده، وقد اعتاد والد المهندس الاتصال بيحيى عبر البيلفون، وقد طلب منه يحيى مرارًا الاتصال على الهاتف المنزلي، واتفق يحيى مع والده على الاتصال به صباح الجمعة على الهاتف المنزلي.
صبيحة ذاك اليوم لم يخطر للمهندس وهو ممسك بالهاتف النقال ليرد على والده ان الهاتف مفخخ. لم تكتمل الجملة التي قالها عياش لوالده: 'يا أبي لا تتصل على البيلفون…'، هنا دوى انفجار وسقط المهندس لينفجر الرأس الذي طالما خطَّط ودبَّر في كيفية الانتقام من الصهاينة.. وتتناثر أجزاء من هذا الدماغ الطاهر لتعلن عن نهاية أسطورة خلَّفت وراءها العشرات من المهندسين ممن أرقوا مضاجع الاحتلال.
زوجة تتذكر
تتذكر زوجة عياش العديد من المواقف الصعبة سردت منها: 'ذات مرة لاحظ أهل البيت الذي كنا نختبئ به وجود مراقبة حول البيت؛ فاضطررت أن أختفي أنا وولدي براء، وأحكم إغلاق الغرفة علينا لمدة أسبوع تقريبًا، لا أرى أحدًا من البشر غير زوجة المجاهد التي كانت تحضر لي الطعام، كانت لا تمكث معي أكثر من ربع ساعة'.
وتبتسم أم البراء حين تتذكر لحظات عصيبة أخرى: 'ذات مرة دُوهم البيت.. كانت ساعة عسيرة.. فاضطررت أن أختبئ وولدي داخل الخزانة، وأن أحكم إغلاقها علينا، والغريب أن براء -الذي لم يتجاوز الأربع سنوات- كان واعيًا لحجم الخطر الذي يهدد حياتنا وحياة والده، وبدلاً من أن أهدئ من روعه حتى لا يخرج صوتًا، وضع هو يده على فمي حتى لا أتفوه بكلمة واحدة.. وكم شعرت بالفخر بولدي، وأنه حقًّا يستحق أن يكون ابنًا لمجاهد، وبطلاً مثل المهندس يحيى عيَّاش.. شعرت أني لم أشاركه وحدي الكفاح؛ فقد كان صغيري البراء على مستوى المسئولية في أكثر من موقف، فعندما كان يخرج ليلعب مع أولاد صاحب المنزل الذي يستضيفنا كان يُعرّف نفسه باسم 'أحمد'، ولا يعلن عن هويته أبدًا.
رد عياش على نزف الدم الفلسطيني
حين نزف الدم الفلسطيني بغزارة على أرض الحرم الإبراهيمي في خليل الرحمن، في الخامس عشر من رمضان المبارك، غلت الدماء في قلوب المسلمين في كل مكان، لكن قلبًا واحدًا قرَّر أن يغلي بطريقة أخرى.
الولادة الحقيقية للمهندس وعملياته العبقرية كانت إثر رصاصات باروخ جولدشتاين وهي تتفجر في رؤوس الساجدين في الحرم الإبراهيمي في رمضان عام 1994م.
في ذكرى الأربعين للمجزرة كان الرد الأول؛ حيث فجَّر الاستشهادي 'رائد زكارنة' (عكاشة الاستشهاديين) حقيبة المهندس في مدينة العفولة؛ ليمزق معه ثمانية من الصهاينة ويصيب العشرات.
منذ نيسان 1993 ستعرف مخابرات العدو اسم عيَّاش كمهندس العبوات المتفجرة، والسيارات المفخخة التي أقضت مضاجع العدو، وتروي زوجته 'أسرار' ملاحقة جيش الاحتلال لأسرة المهندس.
وبعد أسبوع تقريبًا فجَّر 'عمار العمارنة' نفسه؛ لتسقط خمس جثث أخرى من القتلة.
وبعد أقل من شهر عجَّل جيش الاحتلال الانسحاب من غزة، ولكن في 19-10-94 انطلق الشهيد 'صالح نزال' إلى شارع ديزنغوف في وسط تل أبيب ليحمل حقيبة المهندس ويفجرها ويقتل معه اثنين وعشرين صهيونيًّا.
وتتوالى صفوف الاستشهاديين لتبلغ خسائر العدو في عمليات المهندس عياش في تلك الفترة 76 صهيونيًّا، و400 جريح.
كان قلب المهندس 'يحيى عيَّاش' الذي أسَّس مدرسة ما زال طلابها يتخرجون فيها بتفوق على الرغم من غياب ناظرها.
ولد البطل نهايات شهر 3 عام 1966، ونشأ في قرية 'رافات' بين نابلس وقلقيلية لعائلة متدينة تصفه بأنه حاد الذكاء، دقيق الحفظ، كثير الصمت، خجول هادئ.
وبدأ يحفظ القرآن الكريم في السادسة من عمره، وحصل في التوجيهي على معدل 92.8% -القسم العلمي، ليلتحق بجامعة بيرزيت- قسم الإلكترونيات، وظلَّ على حبه الأول للكيمياء التي أصبحت هوايته.
أصبح أحد نشطاء الكتلة الإسلامية، وبعد تخرجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا، ورفضت سلطات الاحتلال طلبه، وعلق على ذلك 'يعكوف بيرس' رئيس المخابرات قائلاً: 'لو كنا نعلم أن المهندس سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحًا بالإضافة إلى مليون دولار'.
تزوَّج عيَّاش بعد تخرجه من ابنة عمته، ورزقه الله ولده البكر 'البراء'،ثم 'يحيى' قبل استشهاده بأسبوع.
ظهرت عبقريته العسكرية تتجلى مع انطلاق شرارة الانتفاضة الأولى 1987م.
عياش سيكتب رسالة إلى كتائب الشهيد عزّ الدِّين القسَّام يوضح لهم فيها خطته لمجاهدة اليهود عبر العمليات الاستشهادية، وأُعطي الضوء الأخضر، وأصبحت مهمة يحيى عيَّاش اعداد السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار.
وفق زوجته: 'مكثت في بيت عمي في بداية فترة مطاردة يحيى متخفية عن أنظار الجيران حتى إذا ذهبت لزيارته لا يشك بذلك أحد، وقبل ذهابي إلى غزة أرسل إليَّ يحيى رسالة مكتوبة بخط يده الذي أميزه بين آلاف الخطوط يستشيرني في إمكانية مغادرتي الضفة الغربية، وتشاورت في الأمر مع والد زوجي، وقررت الذهاب إلى زوجي، ثم اصطحبني أحد الإخوة المجاهدين عن طريق كلمة سر قالها لي لا يعرفها أحد سواي أنا ويحيى، فاصطحبني الشاب ووالدة يحيي وابني البراء، وكان الشاب يحمل معه العديد من البطاقات الشخصية المزيفة ليسهّل علينا دخول الحواجز'.
لقد كانوا يجتازون كل حاجز إسرائيلي باسم مستعار مختلف وبسيارة أخرى غير السيارة الأولى، حتى يتخفوا على جنود الاحتلال، كما أن الشاب كان يمتلك قدرة فائقة على التنكر حسب شكل الصورة التي كانت تحملها البطاقة الشخصية المزيفة.
أما بالنسبة لأم البراء ووالدة المهندس فقد كان الأمر سهلا؛ لأن قوات الاحتلال لم تكن آنذاك تدقق كثيرًا في صور النساء.
وحول أهم المغامرات التي عاشتها في تلك الأيام تقول زوجته: 'قضيت معظم أيام مكثي في غزة مطاردة أتنقل من بيت لآخر، ولا أمكث في أحدها أكثر من أسبوع لا أشاهد أحدًا حتى لا يشك في وجودي، وأنام والقنابل اليدوية فوق رأسي، وسلاحي بجواري، وخاصة أنني كنت أتقن استخدامه وأتقن كيفية تحديد الهدف؛ فحياتنا معرضة للخطر في كل لحظة، والمنزل معرَّض للمداهمات من قبل جيش الاحتلال حتى يستخدمني الصهاينة وسيلة للضغط على زوجي'.
وضمانًا للسرية كان الاعتماد الأساسي على الرسائل الخطية بينها وبين زوجها؛ لقدرة كل منهما على تمييز خط الآخر، وما زالت تحتفظ برسائله حتى يومنا هذا'.


