اتصل بنا
 

اختلال بكل الأشكال

نيسان ـ نشر في 2017-01-09 الساعة 01:08

نيسان ـ

إطلاق نار في مطار فلوريدا الأميركية يودي بحياة خمسة أشخاص، مهاجم يقتحم ملهى في إسطنبول ويقتل 39 شخصاً، بائع متجول يذبح قبطياً في مصر لأنه يبيع الكحول. ثلاث حوادث لا رابط بينها إلا في عنصر واحد، هو الاختلال العقلي بأشكاله المختلفة. لم يعترف أحد بأن الأمر على هذا النحو في الحادثتين الأخيرتين، غير أن التفسير كان جاهزاً في الاعتداء الذي شهدته فلوريدا، بعدما تم الكشف أن المنفذ يدعى استيبان سانتياغو (26 عاماً)، أميركي الجنسية، وهو جندي عائد من العراق، وبعد عودته أصبح يعاني من حالة نفسية.
بغض النظر عن غياب الصفة الإرهابية عن حادثة فلوريدا، على اعتبار أن المنفذ ليس مسلماً، وحلول المرض النفسي مكانها، وهو ما تم الاعتياد عليه في مثل هذه الحوادث، إلا أن صفة الاختلال العقلي لا بد أن تكون شاملةً في كل الحالات، حتى لو تباينت الخلفيات والأبعاد. فالحوادث الأخرى التي يقوم بها مسلمون تحت راية داعش، أو تأثراً بداعش، خلفياتها ليست بعيدة كثيرة عن الأمراض النفسية المتغلغلة في المجتمعات كافة، على الرغم من أن ظهورها أخيراً كان أكثر حدّة في الأوساط العربية والإسلامية.
ما الذي يدفع جندي أميركي سابق إلى الدخول إلى مطار في فلوريدا، لإطلاق النار على أناسٍ في طريقهم إلى عائلاتهم أو أعمالهم؟ لم يتم الإفصاح كثيراً عن السبب، إلا أن تسريباتٍ تحدثت عن أصواتٍ داخلية في رأس المنفذ دفعته إلى القيام بفعلته. لم تتضح أبعاد هذه الأصوات أو ارتباطها بأي خلفية أيديولوجية أو دينية إلى الآن. لكن، يمكن إسقاطها على الأحداث الأخرى التي وقعت في إسطنبول والإسكندرية، وحتى عملية الدهس التي شهدتها برلين، وطرح السؤال نفسه. ما الذي يدفع شاباً قيرغيزياً، أو بائعاً مصرياً، أو مهاجراً تونسياً، إلى ارتكاب مثل هذه الأعمال، سواء في الملهى الليلي أو أمام محل بيع كحول أو في سوق عيد الميلاد؟ الإجابات غير واضحة، غير أنها أيضاً مرتبطة بالأصوات. لكن هذه المرة ليست صادرةً من الداخل فقط، هي خليط بين الداخل والخارج. بين أفكار يتشربها المرء منذ الصغر، ولا تزال متداولةً في دول عربية عديدة، وبين تنظيرات دينية وأيديولوجية وتفسيرات متاحة بشكل كبير على الفضائيات والمواقع الإلكترونية التي ترمي الفتاوى من دون حسيب ولا رقيب، وتحت أنظار وزارات الأوقاف.
لا حاجة لأن يكون الشخص متبحراً في العلم، لكي يقتنع بأن ما يفعله هو الصواب، تكفيه بعض التفسيرات والمحاضرات السطحية لأن يكون 'مجنداً لتطبيق الشريعة'. لعل حالة المواطن المصري عادل عسلية خير دليل على ذلك. فالرجل لم يكن متعلماً ولا يفقه القراءة والكتابة، إلا بحدهما الأدنى، ومع ذلك وجد نفسه مخولاً 'تطبيق شرع الله' و'إقامة الحد' على المواطن يوسف لمعي لأنه كان يبيع الكحول في محمصته. وعند سؤاله عن الدافع لفعلته، بعد اعتقاله، كانت إجابته التي وثقتها كاميرات الفيديو 'الشيوخ يا باشا'. وهو ما دفع مشايخ إلى التبرؤ منها، وفي مقدمتهم ياسر برهامي، أبرز زعماء الدعوة السلفية وأهمّهم في الإسكندرية، الذي قال إن 'الدعوة' تدين الحادث، وأن القاتل ربما كان 'مريضاً نفسياً'.
تفسير برهامي صحيح جداً، فالرجل 'مريض نفسي'، لكن ذلك لا يبرئ مشايخ كثيرين ساهموا في تغذية بذرة 'مرض التطرّف' في النفوس، وجعلوها جاهزة للانفجار في أي لحظة، عبر الوعود بالثواب الكبير وحملات التكفير والإخراج من الملة والدين لكل من يعارض آراءهم في العيش. كم من 'مريض' يسير الآن بيننا ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الجنة التي يرى المختلفين عنه أحد أبوابها؟
مشاركة

نيسان ـ نشر في 2017-01-09 الساعة 01:08

الكلمات الأكثر بحثاً