مجاهدون دمويون ومقنّعون وعاريات
نيسان ـ نشر في 2015-04-04
تعيش بعض عواصم المجتمعات الأوروبية ومدنها، مع تزايد الحوادث الإرهابية فيها، حالاً من القلق والخوف من جالياتها الاسلامية والعربية المهاجرة اليها والمقيمة فيها. يزيد من وقع هذه الحوادث، البثُّ الآني المباشر والسريع لصورها، وامتزاج هذه الصور بغيرها من وقائع الاحتجاجات الأوروبية الجديدة وتعبيراتها المشهدية في الحيّز اليومي العام. في هذا الإطار هل من علاقة بين البثّ المشهدي المباشر لوقائع الاحتجاج ضدّ العنف الإرهابي، والاحتجاجات النسوية لعاريات الصدور ضد العنف الممارَس على النساء؟
نادراً ما ينجح الإعلام التلفزيوني في إنتاج مشهد جدير بمطلع فيلم سينمائي. لكن حادثة اطلاق الرصاص على المركز الثقافي في كوبنهاغن في 14 شباط الماضي تتيح ذلك. على شاشات التلفزة نسمع طلقات رصاص متتالية على خلفية صوت امرأة تلقي محاضرة ومشهد واجهة زجاجية مليئة بثقوب من الرصاص في شارع يبدو خالياً في تلك اللحظات. ينتهي المشهد باختفاء الأصوات، كأنها تلاشت تدريجاً، فيما تتوجه الكاميرا الى شاب يغادر المكان بخطى بطيئة، مغطياً رأسه ووجهه بقبعة معطف. إنه مطلق الرصاص الذي يغادر المكان ويقطع المشهد.
إنه مشهد مركّب لما حصل في اليوم السابق للبث، لكنه مقدّم للجمهور كأنه وليد لحظة الحدث، وقد توسل معدّوه بالتسجيل الصوتي الخاص بالمحاضرة وبصور لمكان الحدث، بما في ذلك أفلام كاميرات المراقبة في الشارع التي وضعتها السلطات الأمنية في خدمة الإعلام التلفزيوني والأنترنت. قبل ذلك حصل الإنتاج المشهدي نفسه لحادثة المقتلة التي تعرض لها رسّامو الكاريكاتور في "شارلي إيبدو" في باريس. لكن حادثة إطلاق الرصاص في كوبنهاغن تنطوي أيضاً على مواجهة مبطّنة وغير معلنة من السلطات السياسية والإعلام.
المرأة المحاضرة في لحظة إطلاق الرصاص، هي عضوة في منظمة "فيمين". وهي التي تطلق حملات تظهر فيها فتيات عاريات الصدور، مكتوبة على أجسادهن شعارات بالحرف العريض دفاعاً عن قضية أو أخرى تتعلق بالنساء، وعن مطالب تخص المرأة في مواجهة الاغتصاب أو الدعارة أو الجرائم المختلفة. في البيان التأسيسي القصير لمنظمة "فيمين"، ذكر لدور الأديان في اضطهاد المرأة، وذكر للإسلام تحديداً في هذا السياق.
جميع وسائل الأعلام رأت أن المقصود بإطلاق الرصاص هو رسام الكاريكاتور الدانماركي المشارك في اللقاء، الذي كان أول من نشر رسوماً كاريكاتورية لنبي الإسلام. ولماذا لا تكون سيدة "فيمين" هي المستهدفة أيضاً، لما تمثله من نموذج بين الأشد استفزازاً لأذهان المتطرفين الإسلاميين حيال زيّ المرأة وسلوكها في المجال العام، ولما تكنّه السيدة نفسها من عداء صريح للإسلام، انتُقِدَتْ عليه "فيمين" من بعض النسويات اللواتي اعتبرن نوعاً من التمييز المجحف في حق المسلمين والمسلمات المناضلين من أجل حقوق الإنسان والمرأة.


