مكفوفون يرسمون ببصيرتهم ويلونون لوحاتهم بحاسة الشم
نيسان ـ الاناضول - حمزة العكايلة ـ نشر في 2015-06-05 الساعة 14:01
"زرتُ الكعبة وشعرت بهيبة المكان وقدسيته، طفت حولها مع والدي وجدتي، لكني لم أرها، وحين عدت لعمان رسمتها بلونها الأسود وبمنتصفها الخطوط الذهبية، والناس بلباس أبيض يطوفون حولها، هكذا وصفوها لي" بهذه الكلمات يبدأ الطالب الكفيف في أكاديمية المكفوفين الأردنيين طارق خميس (11عاماً) حكايته مع الرسم التشكيلي.
هو واحد من بين 21 طالباً نظم لهم الفنان التشكيلي الأردني سهيل بقاعين بالتعاون مع أكاديمية المكفوفين "حكومية" ، معرضاً تشكيلياً في عمّان بعنوان "قارئ اللون"، جميعهم يعانون من مشاكل في البصر، بعضهم كفيف بشكل كلي، أو جزئي، وآخر يعاني من ضغط على العين "علمياً تسمى جلوكوما"، لكن طارق فقد بصره في الثالثة من عمره، حيث ولد يعاني من وجود ماء على العينيّن، ليفقد بصره بعد أن أجريت له عدة عمليات، كما تقول والدته لـ الأناضول.
من جهته يقول طارق لمراسلنا إنه يلون لوحاته عن طريق حاسة الشم، ولكل لون دلالة لديه، إذ يستخدم ألواناً خاصة للرسم، فالأحمر يتذكر أنه يشير لرائحة الطماطم ويرسم به الورود، والأخضر للنعناع ويرسم به الأعشاب، والأصفر لليمون ويرسم به شعاع الشمس، والبني تشير رائحته لنبتة القرفة البرية ويرسم بها وجوه الناس وسيقان الأشجار.
قصة أخرى ترويها الطالبة أسيل بشار ( 10 أعوام) وهي مصابة بضغط بالعين يحجب عنها الرؤية بشكل جزئي "جلوكوما"، قائلة إنها تحب أن ترسم لوحات "الأميرة فخر النساء" وهي والدة الأمير رعد بن زيد "ابن عم الملك طلال والد ملك الأردن الراحل حسين بن طلال".
وفخر النساء من أصول تركية عرفت في الأردن باهتمامها بالرسم والفن التشكيلي، ودرست الرسم بدار الفنون باسطنبول ثم في باريس عام 1927، ولدت عام 1901، وتوفيت 1991.
تقول أسيل إنها ترسم بانتظام من لوحات فخر النساء وتشعر أنها تتقنها، وبالفعل كانت رسوم أسيل مطابقة إلى حد كبير مع تلك التي وجدت في كتاب لفخر النساء وقام بتأمينه لها الفنان الأردني سهيل بقاعين.
يقول سهيل بقاعين، الذي أمّن كتاب الأميرة لأسيل، إنه يشعر بالفخر في هذا المعرض الذي أقامه لأطفال أرادوا أن يبرقوا للعالم برسائل أنهم قادرين على إيصال أفكارهم المليئة بالمحبة والحياة والشوق للطبيعة وتلمسها.
ويتابع: إنهم يرسمون بشكل جميل ولا أقول ذلك لأرفع من عزيمتهم، إنهم فعلاً مبدعون، فقدوا بصرهم وآخر منهم يرى بشكل جزئي، لكنهم يرسمون ببصيرتهم ما يعجز عنه المبصرون.
ويقول مسؤول العلاقات العامة في أكاديمية الطلبة المكفوفين، أحمد قوقزة ولديه طفلين يدرسان فيها: إن المعرض مكّن الطلبة من معرفة جديدة استطاعوا من خلالها التعرف على الألوان، بعدما كانوا يظنون أن الألوان جميعها سوداء أو بيضاء، وهم اليوم أكثر قدرة على رسم الأفكار، بحيث كانت رسومهم في السابق لا تحتوي على أفكار، بقدر ما تكون فقط خربشات، لكن اليوم نرى رسائل وأشواق وحنين للطبيعة والصداقة في رسوماتهم.
ويعتبر معرض الطلبة المكفوفين الذي يعود ريع رسوماته للطلبة أنفسهم، بحسب الفنان بقاعين، الأول من نوعه في الأردن، ويضم 79 عملا فنيا أنتجها 21 طالبا وطالبة، وبأعمار مختلفة من 9 إلى 15 عاماً، أظهرت الجهد المبذول منهم وكشفت عن إبداعاتهم للجمهور حتى نهايته في 17 حزيران/يونيو الجاري.


