ذوو القلوب النازفة..أهدأوا قليلاً
نيسان ـ نشر في 2017-03-17 الساعة 09:30
محمد قبيلات...يعيش المجتمع هذه الأيام حالة من حالات الجاهزية القصوى للاستقطاب، فسرعان ما ينقسم إلى كتلتين متخاصمتين حول أية حادثة تقع أو قضية تُنبَش أو تستجد وتعرض للنقاش.
هذا الأمر يبدو، للوهلة الأولى، جيدا وصحيا، كاختلاف وخلاف طبيعي غايته الوصول إلى الحقيقة، أو بناء موقف إزاء المستجدات، أو حتى على سبيل المراجعة لفرضيات طالما اعتبرناها ثوابت غير قابلة للنقاش.
لكن الأمور، على أرض الواقع، تنحى إلى مناحٍ أخرى، على الأغلب، فتذهب إلى الجوانب المتطرفة من المشهد أو الصورة، لتتكوم الآراء في خانتي القيم المتطرفة، وتكاد أن تصل إلى حد التلاشي في مناطق الوسط.
على سبيل المثال؛ يحتدم النقاش، اليوم، حول قضية أحمد الدقامسة، فينقسم المجتمع إلى النظر إليه من موقعي التطرف اللذين تحدثنا عنهما، من دون المراعاة أو الانتباه للظروف الموضوعية أو الملابسات التي أحاطت بالقضية وساهمت بشكل فعال في تشكيلها، وكذلك يجري التجاهل المتعمِد، لدى الفريقين، المدافعين والمهاجمين، على حد السواء، لخلفيات الحادثة، وسرعان ما يذهب كلا الفريقين لاستخلاصات نهائية تتجه بعناد إلى أبعد المديات منشقة بين التمجيد أو التجريم.
اللافت في القصة؛ هو تشكّل فريق يصلح لأن يطلق عليه وصف أو مسمى ' حزب ذوي القلوب النازفة' ويتكون هذا الفريق من السادة والسيدات الذين تقطر قلوبهم انسانية، فيذهبون إلى أقصى مدى من التعاطف مع الضحايا ( العدو) تحت بند حجج وذرائع الأنسنة، لكنهم يتمادون لاثبات وجهات نظرهم، ربما من باب تبرير موقفهم، إلى اجراء مقارنات خاطئة تخص العلاقة مع الكيان الغاصب؛ اسرائيل، فيظهرون بكامل هيئة المأسورين لـ 'عقدة ستوكهولم' حيث تسحرهم أية بوادر ايجابية من الخاطف ويأخذون بتكبيرها إلى حد نسيان حقيقة الخاطف المرّة.
الفريق الآخر، ليس أقل بأسا، فهو يذهب إلى العناوين الكبيرة، المجللة بالشعارات القومية، وهو نوع من انواع الارهاب الفكري الممارس تحت سطوة الوقوف في خندق المدافعين عن حقوق الأمة، وبرسم تهمة الخيانة لأي فريق مخالف بالرأي، بتجاهل متعمد إلى أن الفريق الآخر يناقش جزئية تتعلق بممارسة واحدة تجاوز فيها الشخص المعني حدود واجباته المهنية، طبعا، مع مراعاة الأسباب التي أدت إلى جاهزيته لهذا الرد العنيف.
حالة الاستقطاب الحادة بين الفريقين تمنع النظر بواقعية للقصة، والتأكد من عدم تحميلها أكثر مما تحتمل، فيحملانها خلافاتهما التاريخية باسقاط متعمد لأسلحتهم الأيدولوجية على المشهد، وبأبعد ما يكون عن المعالجة الموضوعية التي تستند إلى تحليل العقل البارد الذي ينظر إلى الأمور من زاوية الصح والخطأ لا بعطفها وتأويلها إلى ضفتي الصدع المجتمعي العميق.
نحن ما زلنا، ومنذ قرون، نتدرب على الاختلاف، وما زالت الطريق أمامنا طويلة لتصبح خلافاتنا منتجة.


