هل سيلحق البشر بالديناصورات ؟
عبدالحافظ الحوارات
كاتب أردني
نيسان ـ نشر في 2017-03-23 الساعة 09:23
في مقال لنيكولاس كريستوف في نيويورك تايمز بعنوان مستقبل الجنس البشري ،يُلقي الكاتب باللائمة على الكيماويات التي تلامس دوما طعامنا وشرابنا ، باعتبارها سببا لخلل في غددنا الصمّاء التي ينجم عنها تراجعا في عدد الحيوانات المنويّة ونوعيّتها ومرونتها في السباحة بكفاءة وفاعليّة . وقد يمتدّ أثرها السلبي وصولا للتداخل مع العملية البيولوجيّة الخاصّة بإنتاج الذكور ، وبالتالي ظهور أنواع من البشر ، كالأعراف ، لا هُم في الذكورة قابعون ، ولا هُم في الأنوثة قانعون .
قام علماء كنديون بتجربة على أسماك المنوه في بحيرة أونتاريو ،أضافوا للمياه موادّا كيميائيّة ، ثمّ راقبوا أجيالا من تلك الأسماك طيلة سبع سنين دأبا ، وكانت النتيجة فاجعة ، إذ تحوّل غالبية الذكور إلى ثنائيّي الجنس وغير قادرين على التكاثر.
ثنائيّو الجنس من البشر يتواجدون في مختلف البيئات والأمم ،وفي تاريخنا العربي قصّة جاهليّة تؤكّد ذلك الوجود ، فقد قَدِمَ على 'عامر بن الظرب'إخْوَة يتنازعون في ميراث أبيهم ، ولهم أخٌ ثنائيُّ الجنس بيولوجيّا ،يطلبون من عامرٍ حُكمَهُ وحكمته في الميراث ،أيعطون أخيهم نصيب ذكر أم أنثى ؟ ، أقلقتْ المسألة الغريبة عامرا أربعين يوما ، حتى فرّجتْ عنه راعية أغنامِهِ –وتُدعى سُخَيلة- بمقولتها المأثورة ، يا سيدي : 'أَتْبِعِ المالَ المَبال' .
رواج حالات المثليّين في المجتمعات ،واتساع نطاقها في السنوات الأخيرة ، يسهم بلا شكّ في الحد من التكاثر البشري أيضا ، ولكن المسألة الأخطر ، هي التراجع الدراماتيكي في خصوبة الرجال ،ففي عيّنة من إحدى مقاطعات الصين ، بلد نيّف ومليار من البشر ، تراجعت نسبة اللائقين بحيواناتهم المنويّة من 56% عام 2011 إلى 18% عام 2015 ، وهذا مؤشّر ربّما لا يعتبره البعض أمرا مقلقا في دولة ملياريّة كالصين ، لكننا هنا نُشير إلى الدلالة العلميّة العالميّة الموجعة لهذه النِّسَب المتراجعة .
تُشير الدراسات الغربيّة أنّ 90% من الحيوانات المنويّة لدى الشاب اليافع تخرج مُشوّهة ؛ برأسين أو بذيلين، وأنّ مشاهدات العلماء لتلك النُّطَف المجهريّة مُفزع للغاية ، تجد تلك الحيوانات التي كانت ماهرة في السباحة ، قد تاهت في مدارات دائريّة مجنونة ، تترنّح يمينا وشمالا فلا تُصيب الهدف ، ومن يصل منها، يكون مُنهكا تماما . يُذكّرني ذاك الوصف بأسماك 'البلبوط'في نهرنا الغوري حينما تجتاحه فيضانات الأودية في مواسم الشتاء المنهمر ، فيحمل السيل زَبَدا رابيا فيه أسماك قد فارقت موطنها إلى بِرَكٍ جانبية موحلة ومعزولة ،كالجُزر، بعيدا عن النهر ، نراقب بحسرة تلك الأسماك التي كانت بالأمس تنزلق بسرعة فائقة ومهارة تقهرنا ، ترهقنا وسنانيرنا انتظارا كي نحتال عليها ، وقد غدت اليوم تترنّح كالسكارى في وحل شديد اللزوجة ، تأنف النفس السويّة اصطيادها ، أو حتّى العبث بها .
في معركة المُزارع للبقاء حيّا في غورنا المعطاء ، سوف يكون من اللائق إجراء دراسة علميّة حول تأثير المواد البلاستيكيّة والكيماويّة على صحّته الإنجابيّة . ورغم أنّ الحد من تكاثر تلك الفئة الفقيرة قد يكون مُحرجا لها لكنّه مخرجا لها أيضا ،يقيها معاناة توفير العيش الكريم لأبنائها ، في ظلّ الخسائر الفادحة التي تهزّ قطاع الزراعة والمزارعين .
التقليل من البلاستيك والمواد الكيماويّة في حياتنا سيمنع تفكيرنا في إمكانيّة أن نغدو يوما ما كالديناصورات ،تُطالع عظامنا من وراء زجاج المتاحف عوالمٌ أخرى ، تتساءل باستغرابٍ : كيف كان أولئك البشر يعيشون قبل أن ينقرضوا ؟.


