حتى لا نكون قفازاً يحمي إدارة ترامب من أشواك سوريا
نيسان ـ نشر في 2017-04-23 الساعة 10:24
محمد قبيلات..يجب ألّا تكون تصريحات بشار الأسد لوكالة 'سبوتنيك' الروسية دافعًا، أو ذريعةً تَستخدمها بعض المراكز في الدولة، للتّورط في الأزمة السورية، فبعد مرور سبع سنوات على حرب الوكالات الدائرة في سورية، صارت الأمور الآن أعقدَ بكثير ممّا كانت عليه في البداية، ولقد ترك العالم، وفي مَقدمِه الولايات المتحدة الأمريكية، الأزمة السورية تتفاقم من دون تدخّل فعلي، حتى ولو على بند مكافحة الإرهاب، وهو الجزء الذي- من المفترض- أنه يخصّها من المسألة.
الصراع الآن يجري بين أمريكا بإدارة الرئيس ترامب المتحمّسة وحلفائِها وروسيا وحلفائها، وهذه معادلة أكبر من حساباتنا المحلية والاقليمية، وليس للأردن أية مصلحة في الانخراط فيها، خصوصًا أن الدور الأساسي، سيكون في قابل الأيام لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب، الذي ينظر إلى المنطقة بعيون إسرائيلية، فلا بُدّ أن نحذَر مِن أن نكون القُفّازات التي يريد أن يرتديها حفاظًا على يديه من لسعات الأشواك المنتشرة في الصحراء السورية.
ليس لتصريحات الأسد أيُّ وزن، خصوصًا أنه قاب قوسين أو أدنى من السقوط من المعادلة السورية، حيث سيذهب فَرْقَ حسابٍ ضمن المساومات الجارية اليوم بين الأمريكان والروس على تقاسم الكعكة السورية.
طبعًا؛ لا أحد يستطيع، أو يمتلك الحق، أن يُنكر على الدولة الأردنية حقّها في حماية حدودها وتحصينها من موجات المعركة الارتدادية الدائرة، أو المقبلة، في سورية، فالقضية بالغةُ التّعقيد، وربما تتطلب التنسيق مع الأطراف كافة المتورطة في الأزمة السورية، وجعل الحدود الأردنية خطَّ نارٍ يحرق كل من يقترب منها.
لكن الأمر يتطلب أن نَحْذَر من نكش أعشاش الدبابير التي تسيطر على جنوب وشرق سورية، فالأولوية الأولى للأمريكان هي ضرب يد ايران في سورية، وربما توجيه ضربات موجعة لحزب الله، وليس من أولوياتها محاربة داعش، فكما ظلّ النظام السوري وروسيا يضربان الفصائل المعارضة للنظام ويتجنبان عمدًا ضرب داعش، يقول الأمريكان اليوم إنّهم يريدون طرد داعش من الرّقّة ودير الزور إلى الصحراء! فلا يَظنّنَّ أحدٌ اليوم أنّ هذه العملية ستقضي على داعش، فبقاء مقاتليه في غرب العراق وشرق سورية هو هدف أمريكي إسرائيلي، وفي الوقت نفسه لا يُزعجُ النظام السوري.
ظل الأمريكان والإسرائيليون يعتقدون أنّ بقاء داعش بين حلب والموصل سيقطع على إيران أيّ مخططات تستهدف مَدّ طريق توصِلُها إلى سورية وتنتهي في الجنوب اللبناني بحيث تصبح لها قاعدة على البحر الأبيض المتوسط، وكما إيران، فالأسد يُسْعدُه بقاء داعش في هذه المنطقة ليواصل تذرّعَه بمحاربة الأرهاب.
إن الدخول مترًا واحدًا في الحدود السورية يعني التورط والغرق في المستنقع، حتى وإن راهن بعضهم على تشكيلات مسلحة في درعا وعلى امتداد الحدود الأردنية السورية، فلا جيش عشائر ولا غيرها، فلقد أصبحت معظم هذه التشكيلات مأجورة وتوجّه طاعتها لآخر من يدفع لها، وصار دارجًا في سورية انتقال المقاتلين بين التشكيلات حسب مَن يدفع لهم أكثر، وهذا ليس بالأمر السِّرِّي، فالكل يعلم اليوم سُلّم رواتب التشكيلات كافة، سواء تلك التابعة للنظام أو المعارِضة له.
أمّا بالنسبة لما يُسمى داعش، فيجب ألّا تخدعنا الدعاية والتضخيم الإعلامي، فلا شك أن معظم قوات داعش مكونة أساسًا من أبناء العشائر السنّية في غرب العراق وشرق سورية، وأما بالنسبة للأسباب الكامنة وراء انضوائهم تحت الرايات السوداء، فهي كثيرة؛ بدأت مع ضرب الأمريكان والإنجليز المؤسسات العراقية، ولا مجال لحصرها في هذا الحيز.
الأخطر من ذلك كلّه الآن أن داعش يتحالف مع العشائر في تلك المناطق، وجعل من المكون القَبَلي السنّي حاضنًا له، وليس من الحكمة أن تتورط مراكز القرار الأردنية في دخول حروب مع هذه العشائر، بل إن الأجدر بمن تسبّبوا في انهيار الدولة العراقية وقبلها أفغانستان أن يعالجوا ما تسببوا به.
يبقى عندنا لواء شهداء اليرموك، وهو فصيل تَشكّلَ أمام مرأى الجميع، ولم يحرّك أحدٌ ساكنًا، فبدأ التنظيم بالتشكل من مئتي مقاتل من أفراد قبائل تسكن قرى جَملة والشجرة من محافظة درعا، لكنه تضخم في الثلاث سنوات الأخيرة، وصار يمتلك دبابات ومدرعات ومدافع، المهم الآن أنه يتحصن في بعض قرى درعا، فعناصره تربطهم صلة قُربى، وأي اشتباك معه ربما سيتسبب بابادة قرى كاملة، فأيّة مصلحة لنا في ذلك؟!
التأنّي والحكمة هما ملاذنا اليوم، فإذا رأيت القوم يجتمعون لمهاجمة أعشاش الدبابير؛ فما عليك إلّا أن تبقى في بيتك وتُحصّن نوافذك، ولا تخرج حتى تهدأ الأجواء، فعندما بدأت هذه المعارك، لم تكن أنت طرفًا فيها، فما يُجبرُك على تكبد أثمان أخطاء سياسات الآخرين؟!
فدعهم، يا رعاك الله، يُصفوّن حساباتهم بينهم، واكتف بإطفاء ما يتطاير إلى فنائك مِن شرر.


