اتصل بنا
 

هل يثير تحييد الدوحة شهيّة عمّان ؟

نيسان ـ نشر في 2017-07-04 الساعة 20:52

هل يثير تحييد الدوحة شهية عمان
نيسان ـ

تامر خرمه- تقديرات الموقف الأردني الرسمي من الأزمة الخليجيّة مازالت تتراوح في غالبيّتها بين تأييد عاجل لا يخلو من الشماتة، ومعارضة تعتبر المسألة محض استجابة لضغوط خارجيّة، أو لنقل تلبية لرغبة 'الشقيقة الكبرى' السعوديّة. عمّان التي تخلّت عن سياسة إمساك العصا من المنتصف، وقرّرت تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الدوحة وإغلاق مكتب الجزيرة، تلوذ اليوم بمراقبة تطوّرات الأحداث، في الوقت الذي يستعر فيه تصعيد 'التحالف' على نحو يفتح الباب على أصعب الاحتمالات.
ردود الأفعال التي لم تخرج عن سياق الاستقطاب الناجم عن الموقف من الأزمة السوريّة قد تكون مفهومة وفقاً لمنطق الحسابات العاجلة. فقد كان متوقّعاً أن يعبّر أنصار نظام بشّار الأسد عن غبطتهم، كما كان من البديهيّ أن يسارع الأخوان المسلمون وحلفاؤهم إلى خطوات يائسة، لفرملة التحاق الأردن بركب حصار الدوحة، الذي يعدّ صفعة لأنقرة.
الأخوان الذين يواجهون تجريدهم من أيّة مظلّة إقليميّة تتيح لهم اجترار طموحهم السياسيّ، ناشدوا الملك منذ بدايات الأزمة، عبر ممثّليهم في مجلس النوّاب، التدخّل لحلّ الخلاف الخليجي. وبعد إعلان الموقف الرسمي، هاجمت كتلة الإصلاح النيابيّة -التي أسّستها الجماعة- حكومة د. هاني الملقي، مطالبة بحلّها.
وهناك من حاول أيضاً تسليط الضوء على الثمن المكلف الذي سيكون على الأردن تسديده مقابل هذا الموقف، خاصة فيما يتعلّق بمصير العائلات الأردنيّة التي وجدت رزقها في الدوحة. الأردن قرّر دفع هذا الثمن، ولكن هل سيكون هذا دون مقابل؟ وهل فعلاً تنبغي قراءة موقف عمّان في سياق التبعيّة السياسيّة أو الرضوخ لأوامر خارجيّة فقط، دون أخذ العوامل الأخرى بعين الاعتبار؟
بداية، لا بدّ من الالتفات إلى أن القمّة العربيّة- الإسلاميّة- الأميركيّة، والتي عصفت بأزمة الخليج، جاءت تجسيداً للاستدارة التي انعطف بها الرئيس دونلاد ترامب تجاه الأحداث الجارية على مستوى الإقليم. دعم تنظيمات الإسلام السياسيّ مسألة لم تعدّ واردة على الأجندة الأميركيّة، على الأقلّ في هذه المرحلة.
وهنا تقاطعت استدارة واشنطن مع مصالح الدول الخليجيّة الثلاث، التي تواجه داخليّاً نتائج دعم هذه التنظيمات، ناهيك بمصلحة النظام المصري فيما يتّصل بهذه المسألة. فكان لا بدّ -بالنسبة للجميع- من خلق 'معسكر' آخر، في مواجهة كلّ من تحالف أنقرة- الدوحة، قبل التفرّغ لتحالف موسكو- طهران.
كما يجدر التنويه إلى أن العلاقات الأردنيّة القطريّة شهدت توتّراً ملحوظاً حتّى قبل زيارة الرئيس الأميركي إلى المنطقة، وذلك نتيجة الموقف من تنظيمات الإسلام السياسي، ما أدّى إلى اعتزام الدوحة الامتناع عن تقديم حصّتها السنويّة من المنحة الخليجيّة المقرّرة للأردن، فلا يمكن أن تتوقّع من قطر التخلّي عن دعم هذه التنظيمات، التي تعدّ وسيلتها المختصرة، لتحقيق طموحها السياسيّ الجامح، خارج العباءة الخليجيّة.
وفي الجهة المقابلة فإن هذه الوسيلة التي اختارتها الدوحة لتحقيق طموحها، متلاقية بذلك مع المصالح التركيّة في المنطقة، واجهها الأردن الرسمي بطرح 'البديل المعتدل' للتطرّف، بهدف لعب دور إقليميّ أكثر تأثيراً، يمكّنه من تحقيق بعض المكاسب، التي يمكن إغداقها عليه تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
الملك نفسه تبنّى منذ بداية الأزمة في سوريّة خطاب 'الإسلام المعتدل'، ولا تكاد تمرّ مناسبة إلاّ ويتم التشديد فيها على مصطلحات هذا الخطاب، عبر وصف الإرهابيّين بالخوارج. وكان من الطبيعيّ -في إطار هذا التصوّر- أن يبدأ الملك خطابه في القمّة العربيّة الإسلاميّة الأميركيّة بمفردات 'الإسلام المعتدل' بعد الصلاة على النبيّ 'الهاشميّ'، ما أثار حفيظة 'الشقيقة الكبرى'.
وفي حال الإصرار على سيناريو 'الاملاءات الخارجيّة' يمكن القول إن الأردن تجاوز الرياض ليشرب من رأس النبع، حتّى يحصل على تسهيلات 'اليانكيز' من أجل تحقيق طموحه بلعب دور أكثر أهمّيّة تحت شعار 'طرح البديل'، وبما يمكّن من خلق مساحة أوسع للمناورة -حتّى مع الرياض- التي لا يمكن لخطابها الدينيّ منحها دور الشريك الاستراتيجي لواشنطن إلى الأبد، وذلك رغم التغييرات التي أجراها الملك سلمان على سياسة بلاده الخارجيّة.
وفي هذا السياق تمكن قراءة إشارة صانع القرار في خطابه بتلك القمّة للولاية الهاشميّة على الأماكن المقدّسة في عاصمة فلسطين المحتلّة، كما تمكن قراءة إصرار القيادة الأردنيّة على رفع الراية الهاشميّة وإبرازها في كلّ مناسبة تسمح بذلك. للأردن طموح قد تعيقه السعوديّة بعض الشيء -باعتبارها لذاتها قائدة الإسلام السنّي- ولكن تحييد قطر قد يحقّق للأردن مصلحة في ضرب مشروع تشكيل 'البديل' غير الرسميّ، تحت مظلّة إقليميّة قد تصعب مواجهتها.
ولا نتنسى أيضاً أن العلاقات الأردنيّة -التركيّة شابها توتّر ملحوظ في أكثر من محطّة، وذلك بالتوازي مع التقارب الأردني- الروسي، الذي جاء انسجاماً مع نجاح بوتين في وضع بصماته على البيت الأبيض، والاستدارة التي تشهدها السياسة الأميركيّة تجاه الأزمة في سوريّة. أمّا بالنسبة لأنقرة فإن حصار قطر تعدّ لدغة خطيرة، خاصّة في ظلّ التوتّرات المتصاعدة التي أثارتها سياسة أردوغان مع كافّة اللاعبين. في ظلّ هذا الوضع تقرّر نقل القاعدة العسكريّة الألمانيّة من تركيّا إلى الأردن.
على أيّة حال، لكيّ ينجح الأردن في جني ما يمكنه من مكاسب قد يحقّقها من الالتقاء الروسي الأميركي -العابر- على أولويّة محاربة الإرهاب، لا بدّ له أيضاً من العزف قليلاً على وتر المحور الروسي- الإيراني، لذا كان من البديهيّ أن يبادر الملك إلى إدانة الهجوم الذي تعرّضت له طهران مؤخّراً، رغم اتّهام الأخيرة للرياض بالوقوف وراء هذا الهجوم.
ولكن، هل حقّاً يمكن للأردن الرسمي أن 'يشرب من رأس نبع ترامب- بوتين' خارج الظلّ الذي تحاول السعوديّة فرضه على المنطقة، خاصّة وأن رسائل الرياض جاءت واضحة وحاسمة ضدّ كلّ من يتحدّى وصايتها؟ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ألا يمكن اعتبار الرّهان على ضرب المحور التركي- القطري مغامرة يصعب التنبّؤ بنتائجها، خاصّة وأن استدارة الموقف الأميركي نحو موسكو مجرّد محطّة عابرة؟ أمّا التساؤل الأكثر إلحاحاً: هل يمكن للأردن تحقيق طموحه بقيادة 'الإسلام المعتدل' في 'الحرب على الإرهاب' دون التورّط عسكريّاً في سوريّة؟!

نيسان ـ نشر في 2017-07-04 الساعة 20:52

الكلمات الأكثر بحثاً