اتصل بنا
 

وهم الهويّة الفلسطينيّة

نيسان ـ تامر خرمه-  ـ نشر في 2017-08-10 الساعة 10:37

وهم الهوية الفلسطينية
نيسان ـ

هل فعلا التمسّك بالهويّة الفلسطينيّة، بالمعنى القطري الجغرافي للمصطلح، هو في صالح القضيّة؟ أم أنّه تماماً عكس ذلك؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل هنالك جملة من الأسئلة التي تفرض ذاتها هنا: من هو الذي قرّر شكل حدود فلسطين، ومن أين جاء علمها الذي نلوّح به دوماً في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري، الذي يستهدف المنطقة برمّتها؟.

العلم الفلسطيني يا عزيزي -تماما كالعلم الأردني- اشتقّت خيارات ألوانه وتفاصيله من علم الثورة العربيّة الكبرى، وشرّعه الانتداب البريطاني الذي هيمن على الأردن وفلسطين نتيجة تقاسم تركة الإمبراطوريّة العثمانيّة. إذا هذا العلم الذي نتفاخر به لم يكن نتيجة تطوّر طبيعي لإرادة أهل المنطقة، هذا بالنسبة لـ 'رمز' الدولة الفلسطينيّة المنشودة، ولكن ماذا عن حدودها؟
حدود فلسطين التي نعرفها اليوم لم تكن هي ذاتها عبر مختلف المراحل التاريخيّة، ترى كيف تسنّى للبعض نسيان هذه الحقيقة؟ ألم تكن السلط ذات يوم عاصمة لإقليم فلسطين؟ وهل كانت فعلا خارطة فلسطين، هي ذاتها خلال غزوة 'جند فلسطين' فترة الحكم الراشديّ للمنطقة؟!
اليوم، يصرّ المناضلون في سبيل القضيّة على رفع ذات العلم والتمسّك بذات الحدود التي فرضتها تداعيات الحرب العالميّة الأولى، كما أن جهابذة العمل الوطني الأردنيّ يتمسّكون بشعار الهويّة الفلسطينيّة في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي يستهدف الأردنّ كما استهدف فلسطين.. ولكن..
هل يمكن اختزال القضيّة الفلسطينيّة بجدل من كان أوّلاً على هذه الأرض، أهم الكنعانيّون أم ما اتّفق على تسميتهم بالاسرائيليّين؟ وهل كانت الأراضي الفلسطينيّة تسمّى ببلاد كنعان؟ قد تصدمك حقيقة أن مفردة كنعان كانت تطلق على الأرض الجغرافيّة (بغير الحدود المعروفة حاليّاً لفلسطين) وأنّها ليست وصفاً لشعب يمكن تسميته بالكنعانيّين، بل حتّى أن مفردة فلسطين وردت إلى المنطقة جرّاء هجرة قبيلة من جزيرة كريت اليونانيّة، الغالبيّة تعرف هذه الحقيقة ولكن تتناساها مع الأسف.
طيّب، مادام العلم والحدود والتسمية لا تعبّر عن الحقيقة، فلماذا نتمسّك بالروايات التاريخيّة، التي يصعب إثباتها بالمناسبة، في سياق دفاعنا عن القضيّة الفلسطينيّة؟! المسألة في غاية البساطة: مهاجرون قدموا إلى الأرض من كلّ بقاع الدنيا، واستعبدوا شعبا لايزال يكافح من أجل حريّته.
عدالة القضيّة لا تحتاج إلى علم أو حدود دولة أو حتّى هويّة، فكلّ الشعوب مرّت (مجازيّاً) على أرض فلسطين، ولكنّ هذا لا يعني أن الأرض ملك لأيّ عرق كان. الأرض ملك لمن هجّروا منها في العام 1948، ولا نحتاج لسبر أغوار التاريخ من أجل إثبات ذلك. الدم لم يجفّ بعد حتّى نلجأ إلى 'أساطير الأوّلين'.
ولكن هل هي مشكلة من هجّروا خلال النكبة دون سواهم؟ وهل يقتصر الدفاع عن القضيّة على من نصفهم اليوم بالشعب الفلسطيني؟
الشعب الفلسطيني لم يكن له أيّ وجود مستقلّ على مرّ التاريخ، لا تنسى ذلك، بل هو جزء من شعوب المنطقة التي يمكنك تسميتها بالشعوب السوريانية أو العربية، أو أيّ مصطلح تفرضه الأيديولوجيّات المستوردة، ولكن ينبغي إدراك أن هذا الشعب هو جزء من كلّ، وليس كيانا قائما لوحده.
إذا متى بدأ 'مفهوم الهويّة الفلسطينيّة' بفرض نفسه رغم مجافاة الواقع؟
بدأت الحكاية مع انطلاقة 'الرصاصة الأولى' لحركة فتح، التي سبقتها نضالات حركة القوميّين العرب وحتّى الإخوان المسلمين في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري، ولكن قدّر لهذه الحركة أن تلقّب بصاحبة 'الطلقة الأولى' لأنّها ارتكزت على التمثيل الجغرافي والهويّة القطريّة.
وهكذا بدأت 'فتح' التي تزعّمت منظّمة التحرير بعد خلع أحمد الشقيري، وغيرها من فصائل المقاومة الفلسطينيّة، بالتصرّف على أنّها دولة، حتّى وهي داخل الدول التي استضافتها، تعبيرا عن هذه الصيغة 'الهويّاتيّة' القطريّة.
وماذا كانت النتيجة؟ تحوّلت المنظّمة من حركة ثوريّة تهدف إلى التحرير إلى سلطة تكرّس مصالح الاحتلال! هذه نتيجة التمسّك بالهويّة المفتعلة واستبدال حلم التحرير بوهم 'الدولة'.
القضيّة لا تقتصر على حركات المقاومة الفلسطينيّة، فمن أوائل الشهداء على تلك الأرض كان المرحوم كايد مفلح العبيدات، والقضيّة هي قضيّة مصير كلّ من قدّر له أن يعيش في هذه المنطقة، المنكوبة بأطماع أصحاب الرقاب الحمراء، وفي فلسطين حقّ لابن حلب ودمشق والسلط والكرك، وكلّ المدن التي مازالت ترزح تحت نير التقسيم الأوروبيّ لتركة المحتلّ العثمانيّ.
أمّا بالنسبة لتسطيح الصراع ووصفه على أنّه صراع فلسطينيّ- 'اسرائيليّ' فهنالك أسئلة تفرض ذاتها بعصبيّة: ما هو الفرق بين ما تمارسه سلطة محمود عبّاس وجلاوزة الاحتلال.. هذا من جانب.
ومن جانب آخر، هل يمكن فعلا وضع الصراع في هذه الخانة: 'شعب فلسطيني' في مواجهة يهود احتلّوا الأرض؟! أوليس هنالك من 'الاسرائيليّين' وكذلك أتباع الديانة اليهوديّة، من هم معادون لمشروع 'دولة اسرائيل'؟! في ذات الوقت الذي ترتبط فيه مصالح البرجوازيّة الفلسطينيّة بمشروع الاحتلال؟!
بصراحة، مازلنا بحاجة إلى إعادة تصوّر حقيقة 'معسكر الأعداء' و'معسكر الأصدقاء'، فمن غير المنطقي اعتبار من وجد نفسه ذات صدفة جينيّة 'اسرائيليّاً' يعيش على أرض فلسطين المحتلّة عدوّاً، في ذات الوقت الذي نعتبر فيه قادة منظّمة التحرير أصدقاء، رغم المكتسبات الشخصيّة التي يتمتّعون بها نتيجة وجود وبقاء الاحتلال!
هنالك من 'الاسرائيليين' من أدرك أن مصالحه تتناقض مع وجود دولة الاحتلال والفكر الصهيوني العنصريّ، وفي المقابل هنالك من الفلسطينيّين من يرى في بقاء الاحتلال ضمانة لمصالحه، فهل الصراع حقّاً بين عرقين مختلفين على من جاء أوّلاً إلى هذه الأرض، أم هو صراع مصالح طبقيّة فرضها النظام العالمي؟!!

نيسان ـ تامر خرمه-  ـ نشر في 2017-08-10 الساعة 10:37

الكلمات الأكثر بحثاً