اتصل بنا
 

باسل الرفايعة وزليخة أبو ريشة في مواجهة القتل بأدواتهما التنويرية

نيسان ـ تامر خرمه ـ نشر في 2017-09-05 الساعة 08:49

باسل الرفايعة وزليخة أبو ريشة في
نيسان ـ

مزاجيّة غريبة يبدو أنها هي ما يضبط إيقاع عمليّة صنع القرار في كثير من المفاصل. في ظلّ تراجع الحريّات الأساسيّة، وفي مقدّمتها حقّ حريّة الرأي والتعبير، تجد من يسمح بخطاب الكراهية وإثارة الفتن والنعرات العنصريّة والطائفيّة. ولا يقف الأمر عند حدود هذه المعادلة المتناقضة بمصادرة حريّة إبداء الرأي -والأمثلة لا تحصى على ذلك- مقابل السماح بخطاب الكراهية، بل يتجاوزه إلى انصياع السلطة التنفيذيّة لرغبات ونزوات مروّجي مثل هذا الخطاب، هذا على افتراض أن هؤلاء المروّجين ليسوا أدوات يتم الدفع بها لأداء 'مهمّات' محدّدة.

'تغريدة' غير منطقيّة وغير مفهومة ظهرت على موقع التواصل الاجتماعي 'التويتر' كانت سببا في اتّخاذ محافظ العاصمة، سعد شهاب، قرارا بمنع حزب الوحيدة الشعبيّة الديمقراطي الأردني من إقامة فعاليّة تأبين للشهيد أبو علي مصطفى، الأمين العام السابق للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، في ذكرى استشهاده السادسة عشرة.
غريب كيف دفعت هذه 'التغريدة السحريّة' محافظ العاصمة إلى تجاوز القانون، حيث يتيح قانون الاجتماعات العامّة لأيّ حزب سياسيّ إقامة الفعاليّات بمجرّد 'إشعار' الجهات المعنيّة، ناهيك بأن الحزب كان يعتزم إقامة فعاليّته داخل مقرّه، ما يعفيه قانونيّا حتّى من 'إشعار' المحافظ.
ولكن الأغرب من هذا أن استجابة المحافظة لرغبات 'نشطاء افتراضيين' بمصادرة حقّ الحزب بتأبين الشهيد، جاءت بعد أن أطلق هؤلاء 'النشطاء' جملة من العبارات التي تستهدف اجترار أحداث أيلول المؤسفة، ضمن سياق يهدّد الوحدة الوطنيّة والسلم الاجتماعي. ومع الأسف، استمرّت موجة التحريض الإقليميّ بشكل سافر، وبكل ما تضمّنته من مفردات كراهية وتخوين، وعوضا عن المحاسبة القانونيّة لمروّجي خطاب الكراهية ومثيري الفتن، تقرّر إلغاء الفعاليّة، رغم ما يمثّله هذا القرار من اعتداء على القانون، وتغوّل غير مبرّر في ممارسة الصلاحيّات.
ترى، هل تدار الدولة بـ 'تغريدة' على موقع 'التويتر' أو 'بوست' على شبكة 'الفيسبوك'، دون أخذ ضرورة احترام التشريعات والقوانين بعين الاعتبار؟
ليست تلك هي المرّة الأولى التي يستسلم فيها أحدهم لرغبات محرّض ما، أو طائفيّ أو إقليميّ يجد في إثارة الفتن ما يلبّي حاجته المرضيّة. قبل سنة سمحت السلطة التنفيذيّة بفتح باب خطاب الكراهية على مصراعيه، خلال التحريض على الشهيد ناهض حتّر، والدعوة لقتله علانيّة، بل قامت باعتقال الشهيد وجلبه إلى المحكمة دون أيّة حراسة، رغم ما وصل عائلته من تهديدات.
حتى أنّه قبل أيّام من اغتياله قام عدد من الصحافيين والنشطاء بالتوقيع على بيان يحمّل الحكومة المسؤوليّة الكاملة عن حياته، فالأمر كان أكثر وضوحاً من إمكانيّة تغطيته بغربال. وماذا كانت نتيجة السماح بخطاب الكراهية والانصياع لرغبات الطائفيّين؟ اغتيال الشهيد أمام المحكمة وعلى مرأى عناصر الأمن العام!
واليوم هناك حملة تحريض أخرى ضدّ الزميل باسل الرفايعة والكاتبة زليخة أبو ريشة، بل وتهديدات صريحة بأنّهما سيواجهان ذات المصير الذي واجهه حتّر. تحريض واضح ودعوات صريحة للقتل، في إطار خطاب الكراهية ذاته، الذي يأبى إلا إقصاء كلّ من يختلف مع أصحاب مثل هذا الخطاب.
لا نتحدّث هنا عن إقصاء سياسي أو فرض عزلة اجتماعيّة، بل عن تصفية جسديّة بالمعنى الحرفيّ للمصطلح، ودم ناهض لم يجفّ بعد، حتّى يتناسى صنّاع القرار مغبّة السماح بمثل هذه الدعوات التحريضيّة، بل ومحاولات إرضاء مروّجيها.
محزن هذا الحال الذي وصل إليه الأردن، رغم تشدّق ساسته في كلّ محطّة بنعمة الأمن والأمان. محافظة العاصمة تستجيب لرغبات من يحاولون اجترار أيلول الأسود، ودعوات صريحة للقتل لأسباب أقلّ ما يقال عنها أنّها تافهة. ترى إلى أين تريدون الوصول بالمملكة؟ تخشون من حريّة الرأي ولا تكترثون لإثارة الفتن والتحريض على القتل؟! أيّ منطق تدار به الدولة اليوم؟!

نيسان ـ تامر خرمه ـ نشر في 2017-09-05 الساعة 08:49

الكلمات الأكثر بحثاً