اتصل بنا
 

ممنوع من الكلام.. يوسف العيسوي مثلا!

نيسان ـ نشر في 2017-10-26 الساعة 09:39

ممنوع من الكلام.. يوسف العيسوي مثلا
نيسان ـ

تامر خرمه- المفارقة التي لا يمكن هضمها بأيّ حال من الأحوال تكمن في إصرار بعض العاملين في الحقل العام على اعتبار أنفسهم فوق النقد. بمعنى أنّهم يريدون التمتّع بمزايا العمل العام دون تحمّل أيّ عبء رقابيّ. هؤلاء يتناسون حقيقة أن المنصب هو محض وظيفة، وأن صاحب العمل هنا هو الشعب. على الأقلّ هكذا يفترض العقد الاجتماعي المبرم بين أيّ شعب ينتمي لدولة حديثة، ومن يتولّى إدارة شؤونه من مسؤولين.

عندما تكون عاملاً لدى الشعب الذي ينبغي عليك رعاية مصالحه، فإن هذا يجعلك على الدوام في دائرة الرقابة والمساءلة المستمرّة، فهذا طبيعيّ وأنت اخترت تحمّل مثل هذه المسؤوليّة. ولكن الغريب أن كثيراً من 'المسؤولين' يرغبون فقط بالاستمتاع بمزايا الإدارة، دون تحمّل تبعات تولّيهم لمناصبهم.
مع الأسف، كثيرة هي الأمثلة التي تعكس هذه الحقيقة المتأصّلة في الأردن، وآخرها هو ما مثّله أمين عام الديوان الملكي، يوسف العيسوي، عبر رفع دعوى قضائيّة ضدّ سبعة من الزملاء، إثر قيامهم بنشر معلومات حول أملاكه، على مواقع التواصل الاجتماعي.
صحيح أنّ القضيّة هنا لا تتصل مباشرة بمسألة حريّة الصحافة.. ولكنّ الأمر أخطر من ذلك، فهو يتعلّق بقضيّة أكثر عموميّة، هي حقّ حريّة الرأي والتعبير. الزملاء عبّروا عن آرائهم عبر 'الفيسبوك'، حول أملاك شخصيّة عامّة، فهل يستوجب ذلك مقاضاتهم؟
من حقّ أي أردنيّ أن يلجأ للقضاء، ولكن هنالك مسألتان ينبغي تسليط الضوء عليهما، أوّلا: ضيق صدر كثير من المسؤولين الذين تداهمهم غضبة مضريّة لا تبقي ولا تذر فور تعرّضهم للنقد. أمّا المسألة الثانية فتتعلّق بالمؤشّرات الخطيرة التي تنذر بتقويض حقّ الناس في التعبير عن آرائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الزملاء نشروا معلومات أو ربّما آراء، وهذا حقّ مشروع لأيّ مواطن في أيّة دولة، وفق منطق الفطرة السليمة. فهل يستوجب هذا حجز حريّتهم وتوقيفهم قبل صدور أيّ قرار قضائيّ؟!
ماذا لو قرّر القضاء العادل تبرئتهم، من سيعوّضهم عن الإهانة والمبيت في سجون الدولة، إرضاءً لرغبات مسؤول ما؟ وكيف يبرّر من قرّر سجنهم حقّه في حجز حريّة مواطنين قبل إدانتهم قضائيّاً؟!
التوقيف يفترض أن يكون نتيجة عدم ضمان الجهات المختصّة مثول من تحقّق معهم أمام القضاء، بيد أن عناوين الصحافيّين السبعة معروفة لدى الجميع، ولا مكان للاختفاء في دولة كالأردن، يعلم فيها صاحب أيّة بقّالة التفاصيل الكاملة للحياة اليوميّة لكافّة سكّان حيّه!
أخطر ما في الأمر أن هذه الحادثة تكشف توجّهات المركز الأمنيّ السياسيّ للمرحلة المقبلة. قانون الجرائم الالكترونيّة المرتقب لم تنضج 'طبخته' بعد، ولكنّ الدوائر الأمنيّة بدأت منذ الآن بالتصرّف على أنّه كان أمراً مفعولا.
وغدا، قد يفقد أيّ مواطن حريّته بسبب منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو ربّما حتّى 'لايك'. الدولة لن تستطيع حجب 'الفيسبوك' أو 'التويتر' حفاظاً على سمعة الأردن أمام العالم، ولكنّها لجأت -مع الأسف- إلى تقويض حقّ مواطنيها بالتعبير عن آرائهم على هذه المواقع.
ترى، ما الذي يتوقّعه صنّاع القرار بعد تكميم أفواه الناس ومنعهم من 'التنفيس' بعبارات لا تضرّ ولا تنفع؟ هل هنالك من يريد دفع الناس إلى دائرة الفعل، بعد إقناعهم بأنّ الكلام بات ممنوعاً، وأنّ عليهم البحث عن وسائل أخرى للتغيير؟!

نيسان ـ نشر في 2017-10-26 الساعة 09:39

الكلمات الأكثر بحثاً