مجد حداد تكتب عن حلم الناشئة بالعودة
نيسان ـ نشر في 2015-04-05

لم يستطع سمير النوم تلك الليلة، فخرج إلى الشرفة وأخذ يراقب بزوغ الفجر، ففجّر هذا المنظر بداخله مشاعر مختلفة. وأخذ يتساءل عمّا يشعر به، وإن كان ما يشعر به حنينًا، فإلى ماذا يحنّ؟
هل يحنّ إلى الماضي؟ هل يحنّ إلى وطنه؟ فقال سمير لنفسه: "لا! لا! ما هذا؟ ما الّذي يحصل؟ لماذا أشتاق إلى وطني، لماذا؟ عشت سنوات وسنوات وأنا حزين بسبب وطني." فسمع صوتًا من داخله يقول: "لا، ليس صحيحًا. أنت حزين من الحرب وليس من وطنك، هذه الحرب الّتي دمّرت بلادًا كثيرة وقتلت أُناسًا أبرياء لا ذنب لهم. لا تلُم وطنك الغالي يا سمير. لا تلُمه." فقال سمير: "لا! توقّف، توقّف!!! يا إلهي ما الذي يحصل؟ أشعر بشعور غريب. أأنا نادم على تركي لوطني فلسطين؟" فبدأ يفكّر قليلًا، وبعد فترة قصيرة قال لنفسه: "لا. أنا لم أخطئ. هيّا قل لي، أأخطأت عندما تركتُها وحيدة كما تركتني؟ لقد تركتني. تركتني فلسطين وأنا في السابعة من عمري." فتساءل ذلك الصوت: "تركتك فلسطين؟! هيّا اشرح لي كيف تركتك؟" فردّ عليه سمير قائلًا: "حسنًا. تركتني عندما جعلتني يتيمًا. لم أستطع أن أستمتع بحياتي. لقد كانت كلّها جحيمًا. أتعرف شعور الإنسان الّذي حُرم من طفولته، والأهمّ من ذلك هو مَن حُرم مِن الحنان، حُرم من حنان والديه؟ وليس ذلك فحسب، بل إنّه حُرم منهما. في الحقيقة، لقد فهمتُ شعور الأطفال الآخرين الذين تيتّموا، وأشعر بالحزن عليهم، ولا ضير من أنّهم لربّما يعانون أكثر منّي. ها؟! ما هذا الذي أقوله؟ حسنًا، لنتوقّف عن التكلّم عن الماضي."
وبعد محاولته إيقاف صراعه، قرّر أنْ يشاهد التلفاز ليهرب من أفكاره، ومن ذلك الصوت الداخليّ (الضمير)، ولكن لم يكن هذا في حسبانه، فمعظم القنوات تعرض الحصار الإسرائيليّ الّذي تتعرّض له غزّة، وأهلها يعانون قلّة الطعام والدواء وانعدام الماء والكهرباء، ولا سبيل لإيصال المواد التموينيّة والأدوية. وبينما هو يشاهد هذه المناظر بدأت الدموع تتساقط من عينيه رغما عنه، فقرّر إغلاق التلفاز.
خرج مرّة أخرى إلى الشرفة ليستنشق هواءً نقيًّا ويراقب المارّة في الشّارع محاولاً الهروب من أفكاره للمرّة الثانية. وإذ بصوت يصل إلى مسامعه من مذياع على عربة بائع الكعك. كان ذلك الصّوت صوت الاحتجاجات المنبعث من آلاف بل من ملايين النّاس المعترضة والمحتجّة على عمل إسرائيل الإرهابيّ؛ فالجميع يريد لهذه الحرب أن تتوقّف، ولهذه الدماء أن تحقن، والحصار أن ينتهي وتنتهي معه آلام الشعب الفلسطينيّ...آلامه الجسديّة والنفسيّة... فالكثير الكثير من الأمهات يبكين بدموع الحرقة والحسرة على استشهاد أبنائهن, وكذلك الأطفال الذين خسروا أهلهم في هذه الحرب غير العادلة واللاإنسانيّة. وفجأة علا ذلك الصّوت مرة أخرى داخل سمير، وأخذ يكبر ويكبر في أعماقه، فانطلقت منه صرخة مدويّة. سأعود... سأعود إليك يا فلسطين، سأعود إليك لأنقذك، سأعود لأحرّرك، سأعود لأقف بجانبك؛ لأكون واحدًا من أبنائك الشجعان الّذين يدافعون عنك بشتّى الوسائل، ورغم إمكاناتهم المتواضعة فهم لا يتوانون أبدا في مواجهة العدو الإسرائيليّ والتصدّي له. أحبّك وطني، أحبّك وسأعود إليك لأنقذك، فقد كنت جبانا عندما تخلّيت عنك. أرجوك أن تسامحني. "فالتفت إليه جميع مَن في الشّارع، فاستغلّ هذه الفرصة وأعلن لهم وبملء فمه: لقد قطعتُ غلى نفسي عهدا أمامكم بأنْ أرجع لأحرّر فلسطين وطني الغالي، ولكن بطريقة مختلفة، أراد أن يغلب الإسرائيليّين بالتطوّر.. بالعلم.. بالتكنولوجيا، رغب بأنْ تُهزم إسرائيل بأقوى سلاح لديها، ألا وهو التطوّر في كلّ جانب من جوانب الحياة، وليس بالقذائف والصواريخ. "وهذا هو قراري ولن أتراجع عنه."
في اليوم التالي، أعدّ سمير حقيبته، وجهّز نفسه ليعود إلى فلسطين. لقد ظنّ أنّه بتركها وراءه وبهربه من الماضي الأليم ينساها. نسي لا بل تناسى أنّ لديه وطنا... تناسى أنّ لديه فلسطين. لقد أراد أنْ يبدأ حياته كلّها منذ الصّغر في بلد يوجد فيه الأمان، في بلد خالٍ من الحروب. لكنّه عرف الآن أنّ الأمان لا يكمن في عدم وجود الحرب، بل يكمن في الانتماء والاحتواء... في الحبّ والحنان... في التضحية والعطاء الّذي يتمتّع به الإنسان داخل وطنه فلسطين، وأنّ الغربة موحشة، وأنّها أقسى من الحرب الّتي جعلته يخسر والديه ويخسر نفسه. فقال سمير لنفسه: "والآن، بعد أن أدركتُ خطئي، حين اعتقدت أنّه أصبح لي وطن آخر غير فلسطين، وأنّي سأعيش بسعادة وأتمتّع بكافّة الحقوق فيه، فإنّ كلّ هذا وهْم كنتُ أهرب به من ذاتي، فالوطن لا يُستبدل." وعاد سمير إلى وطنه حاملًا العزم والإرادة في الدفاع عنه والصمود في وجه العدوان الإسرائيليّ.


