اتصل بنا
 

التطبيع السعودي –الإسرائيلي بين العداء لعبد الناصر وإيران

كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

نيسان ـ نشر في 2017-11-23 الساعة 10:11

نيسان ـ

بدأ التطبيع السعودي الإسرائيلي مبكرا مذ كانت مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيونية الإرهابية النووية فكرة صهيونية على الورق بدايات القرن المنصرم ،وثقته وثيقة العار التي كتبها الملك عبد العزيز آل سعود وجاء فيها :'أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ،لا أمانع في منح فلسطين لليهود المساكين أو غيرهم حسب رغبة بريطانيا العظمى التي لا أحيد عنها حتى تصبح القيامة'إنتهى الإقتباس.

وبعد تأسيس مستدمرة إسرائيل منتصف العام 1948 تعمقت العلاقات الإسرائيلية –السعودية وإتخذت الصبغة السرية جدا ،ولا ننسى أن السعودية أرسلت جيشا ضمن ما يحلو للبعض تسميته جيش الإنقاذ العربي ،لمساعدة العصابات الصهيوينة على تثبيت أعمدتها في فلسطين وترحيل أبناء الشعب الفلسطيني بحجة انهم يعيقون عملية التحرير.
وبحسب قوة السعودية المالية وسطوتها على كافة الدول العربية والإسلامية ،لم يجرؤ أحد على فتح ملف التطبيع السعودي –الإسرائيلي ،فبقيت الأمور سرية للغاية لا أحد يعلم بها سوى أجهزة المخابرات المعنية ،لكن الأمور بدات تتكشف بعد إنطلاقة الثورة الفلسطينية بداية العام 1965،حيث سعت السعودية إلى دعمها ماليا لإيقاعها في شباكها ،وقد حصل ذلك وأصبحت القيادة الفلسطينية تحت ضغط السعودية .
بداية صيف العام 1982 إستدعت القيادة السعودية وعلى عجل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وأبلغوه أن عليه إسقاط منطقة فتح لاند وطولها 40 كم في جنوب لبنان من حساباته والإنسحب منها لصالح إسرائيل،وعندما إعترض عرفات أبلغوه أنهم يحملون هذه الرسالة من مستدمرة إسرائيل وأمريكا ،ولا يرغبون بمناقشتها .
إبان التصدي الفلسطيني –اللبناني للهجمة الوحشية التي قادها السفاح الإرهابي شارون على لبنان بداية حزيران 1982 ،إنهالت إتصالات القيادة السعودية تطلب من عرفات وقف إطلاق النار والإنسحاب من لبنان كليا ،لكن عرفات كان يماطل ،وأبلغ المقربين منه بأن يخبروا المتصل السعودي بأنهم فقدوا الإتصال مع عرفات ،وانه في الجبهة وغير ذلك.
وضمن لعبتهم القذرة دفع السعوديون بقادة السنة في لبنان لزيارة عرفات والطلب منه وقف النار والإنسحاب ،وهذا ما حصل ،إذ قال الوفد لعرفات انهم يريدون إبلاغه رسالة مفادها أن بيروت عاصمة لبنان وليست مدينة فلسطينية ،وعندها سأل عرفات عن المغزى ،كان الجواب صاعقا :إرحل عن لبنان .
نزلت الدمعة من عيني عرفات وطلب من أحد أركانه الإتصال بالقيادة السعودية لإبلاغها بجاهزية القيادة الفلسطينية للرحيل ،وطلب منهم بإسم عرفات إبلاغ الأمريكيين بذلك، لتجهيز السفن التي ستقل الفلسطينيين من لبنان إلى الشتات ضمن وعود كاذبة انهم سيحصلون على دولة مستقلة.
أسرار التطبيع السعودي- الإسرائيلي بدأت تتكشف في ذلك العام ،إذ طرح الملك فهد مبادرة فاس للسلام وتبنتها قمة فاس في ذلك العام،لكن الإسرائيليين ليسوا معنيين بالسلام لأنهم يريدون الإستسلام.
وفي فترة لا حقة وبعد إجبار منظمة التحرير الفلسطينية على توقيع اوسلو سيئة السمعة والصيت ،خرج علينا الملك عبد الله بن عبد العزيز ليعلن مبادرة إستسلامية قال في حينها ان الصحفي البريطاني ديفيد هيرست هو الذي سرقها من مكتبه ونشرها ،والغريب أنه فرضوها على قمة بيروت العربية عام 2002 ونالت موافقة الجميع مع تحفظ الرئيس اللبناني المقاوم آنذاك السيد إميل لحود لأنها لا تحفظ حق العودة للاجئين الفلسطينيين ،والأغرب من ذلك أن شارون لم يقدر تلك الهدية السعودية التي تضمن هرولة دول منظمة التعاون الإسلامي وعددها 57 دولة للتطبيع مع مستدمرة إسرائيل ،وقام بركلها بقدمية وأعاد إحتلال عدة مدن فلسطينية وحاصر مقر عرفات في مقاطعة رام الله وتم دس السم له ليقضي في مستشفى عسكري في باريس.
كانت المفاجاة العظمى التي صدمت الجميع قد تفجرت كارثة على الشعب الفلسطيني بعد مجيء الرئيس الأمريكي ترامب وتحالفه مع القيادة السعودية لطرح وتبني حل يشطب القضية الفلسطينية، ويلغي حقوق الشعب الفلسطيني ويحرم الأردن من تبعات أي حل،وحملت المبادرة إسم 'صفقة القرن '،ومنذ ذلك الوقت تكشفت الفضائح السعودية حول التطبيع مع مستدمرة إسرائيل،وكان الضحية الجنرال المتقاعد انور عشقي ،وتبعه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي زار تل أبيب سرا في السابع شهر أيلول /سبتمبر 2017 ،وفضحه الإسرائيليون بكشفهم الزيارة وتأكيدها ،رغم النفي الرسمي السعودي.
زيارات الممسحة أنور عشقي جاءت لتعمية الرأي العام وتضليل الصحافة ،وحرفها عما يجري على أرض الواقع من خطوات ثقيلة في مجال التطبيع السعودي-الإسرائيلي،وهذا الرجل يكذب لأن زياراته لمستدمرة إسرائيل تأتي بدعم وتطليف من الديوان الملكي السعودي ،وما يضحك في الأمر أن المدعو عشقي غضب من قيام السلطات الأردنية المعنية من تأخيره أربع ساعات على الجسر قبل السماح له بدخول فلسطين المحتلة ، الأمر الذي جعله يطلب من قيادته عدم الإستعانة بالجهات الأردنية المعنية ،وأن يكون الإتصال السعودي-الإسرائيلي مباشرا وليس عن طريق الوسيط الأردني.
عند تقليب ملف التطبيع السعودي-الإسرائيلي يجد المتصفح أحداثا ترقى لمستوى الفضائح ،إذ أن الملك سلمان قدم تنازلات وتعهدات لمستدمرة إسرائيل كي تدعمه في امريكا لتجاوز الدور في الحكم وتفضيله على خصمه المير محمد بن نايف ،ومع ذلك إنتظر عشرين عاما حتى إستجابوا لطلبه ،وها هم يلعبون على إبنه ليصبح ملكا بعد أن يجبر أباه على التنازل.
وبحسب الإندبندنت البريطانية فإن الأثرياء السعوديين عندما يمرضون يطيرون بطائراتهم الخاصة لتلقي العلاج في مستشفيات مستدمرة إسرائيل.
في مرحلة تعود لما قبل تأسيس مجلس التعاون الخليجي وبعد الحرب العراقية –الأولى،جرى تأسيس قناة خلفية سعودية-إسرائيلية تولى مسؤوليتها رئيس جهاز المخابرات السعودية آنذاك الأمير تركي الفيصل،وهناك معلومات تفيد ان هذه القناة بدات ما بين 1965-1979،وأنيطت مسؤوليتها بالشيخ كمال ادهم الذي كان رئيسا لجهاز المخابرات العامة في ذلك الوقت.
في مقال تحليلينشر على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، بعنوان :الروابط بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي بعد خمسة وعشرين عامًا من حرب الخليج الأولى، تمت الإشارة إلى أن العلاقات بين السعودية وإسرائيل تعود إلى زمن بعيد حتى قبل إنشاء مجلس التعاون الخليجي في الثمانينات، عندما جرى تأسيس قناة خلفية سعودية إسرائيلية تولى مسئوليتها رئيس المخابرات السعودية آنذاك، الأمير تركي الفيصل.
الباحث ألكساندر بلاي من معهد ترومان ذكرفي مقال كتبه في مجلة العلوم السياسية الفصلية، The Jerusalem Quarterly، تحت عنوان 'نحو تعايش إسرائيلي-سعودي سلمي': إن السعودية وإسرائيل قامتا ببناء علاقة حميمة، وكانتا على اتصال مستمر في أعقاب حدوث ثورة اليمن عام 1962، بهدف منع عدوهما المشترك جمال عبد الناصرمن تحقيق انتصار عسكري في الجزيرة العربية.
دوري غولد، المستشار السياسي لبنيامين نتنياهو، قال إن جذور العلاقة السعودية الإسرائيلية تمتد إلى ستينيات القرن الماضي، عندما وجد الطرفان نفسيهما في نفس الصف في مواجهة مصر الناصرية.
ونقل غولد عن بروس رايدلي، الذي كان من كبار المختصين في السي آي إيه، بشئون الشرق الأوسط، قوله إن مدير المخابرات السعودية كمال أدهم هو من أشرف على نقل السلاح الإسرائيلي لقوات الإمام أحمد في اليمن ، وأن طائرات نقل إسرائيلية نقلت كميات كبيرة من السلاح لقوات الإمام في الفترة بين عامي 1964 و1966.
الجنرال الأمريكي، جورج كيفان، رئيس مخابرات سلاح الجو الأمريكي السابق، كشف في مؤتمر عقد في واشنطن عام 1978 لدراسة التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط: أن ثلاث محاولات إغتيال للملك حدثت خلال الخمسة عشر عامًا المنصرمة وأن مستدمرة إسرائيل أحبطت إثنتين منها .
يمكن القول إن جذور العلاقات الإسرائيلية السعودية نمت على خلفية واقع إقليمي مختل في غير صالح السعودية، وذلك في حقبة مصر الناصرية، التي هددت مصالحها السياسية، وحازت على النصيب الأكبر من النفوذ الإقليمي.
كانت السعودية تاريخياً تستعين بإسرائيل في مواجهة أعدائها الإقليميين، مثلما فعلت مع عبد الناصر،وعند مجيء ثورة الخميني في إيران ،ودخول إيران النادي الدولي النووي ،ومع انطلاق موجات الربيع العربي وبروز افخوان المسلمين بعد افطاحة بالعديد من الأنظمة العربية وكذلك ظهور حماس وحزب الله ، بات هناك أكثر من طرف إقليمي يُهدد مصالح المملكة، وهي ذات الأطراف التي تؤرق الوجود الإسرائيلي.
توهجت نار التطبيع السعودي-الإسرائيلي مع تسلم الملك سشلمان الحكم ،إذ عقد السعوديون والإسرائيليون سلسلة من اللقاءات السرية غير الرسمية، لوضع إستراتيجيات لمواجهة إيران النووية نوكان احد تلك اللقاءات بحسب صحيفة 'هافنغتون بوست' في (لكناو – الهند)، نظمته مؤسسة فكرية بارزة في دلهي،وكان الوفد الإسرائيلي مكونًا من أعضاء مركز القدس للشئون العامة (JCPA)، بينما كان الوفد السعودي مكوناً من أعضاء مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية (MECSTS).
في أربعينات القرن المنصرم نجحت المخابرات البريطانية بتشكيل خلية من ثلاثة طلاب فى صف واحد من مدرسة فيكتوريا بالإسكندرية منهماطالبان سعوديان،وبعد سنوات رحل الثلاثة من الإسكندرية واستكملوا تعليمهم فى جامعات غربيّة، وعادا إلى بلدهم وتقلّدا المناصب وتحولا إلى رؤوس كبيرة.
كان السعوديان هما كمال أدهم صهر الملك فيصل ورئيس المخابرات السعودية فيما بعد ،والآخر هو الملياردير عدنان خاشوقجى تاجر السلاح المعروف وصاحب الحُظْوة والوزن والصلات الوثيقة بملوك السعودية جميعا.. وبمرور الأيام نقلا ولاءهما إلى المخابرات المركزية الأمريكية ،وساهما بفعالية فى تموين حرب اليمن بالمرتزقة والسلاح وبإمداد الإسرائيليين بالأموال اللازمة للقيام بنقل المرتزقة وجنود المظلات، من جدة وجيبوتى إلى اليمن للمشاركة فى إسقاط النظام الجمهورى الوليد.
كان خاشوقجى صديقا وشريكا فى تجارة السلاح مع ديفيد كيمحى رئيس الموساد فى أوربا وآل شويمر المدير السابق لمصانع الطائرات الإسرائيلية وتاجر السلاح ومن خلالهما تعرّف على العديد من المسئولين الإسرائيليين أمثال بيجين، بيريز، شارون.. وآخرينبحسب صحيفة هازيه في 15/4/1987 ، وبموافقة الملك فهد وتحت إشراف بندر بن سلطان سفير السعودية فى واشنطن قام بعديد من اللقاءات مع العديد من الحكام والسياسيين العرب والإسرائيليين وتقديم التقارير للمخابرات الأمريكية، وعلى سبيل المثال تقرير كَتبه وسلمه لروبرت ماكفرلين مستشار الرئيس لشئون الأمن القومى فى 17/5/1983 من 47 صفحة يزعم فيه أن جميع الدول العربية تعترف ضمنا بأن القدس ستبقى فى أيدى إسرائيل عند إبرام تسوية، (صموئيل سينان- الصحفى الإسرائيلى فى كتابه عن العلاقات الإسرائيلية).
لم يكن سلوك فارسي فيكتوريا بعيدا عن سياسات دولتهم فى ارتباطها المباشر بالمصالح الغربية والمعادية فى نفس الوقت لمصالح الأمة، وكانت أبرز الأمثلة على ذلك ما تم بشأن الوحدة المصرية السورية وما حدث بعدها فى اليمن.
لعبت السعودية دورا مميزا فى كافة الحملات التى لم تنقطع يوما ضد أى تحرك شعبى يحمل شبهة العداء للاستعمار والقوى الغربية فى المنطقة،وكان حكام السعودية وملوكٌ آخرون أمريكيين أكثر من الأمريكان انفسهم.
عندما تنشر صحيفة الجارديان اللندنية فى15/3/93 أن إسرائيل ساعدت الملك الحسن الثانى ملك المغرب على هزيمة مقاتلى جبهة البوليساريو فى الصحراء المغربية الغنية بالفوسفات ،ببناء حاجز ترابى هائل يمنع هجمات مقاتلى الجبهة عن الجيش المغربى ، فإننا نتفهّم الأمر لأن دور إسرائيل فى المنطقة معروف.. لكن عندما يصرِّح السفير الأمريكى فى المغرب للتليفزيون البريطاني [ I.TV. ] بأن الحاجز المذكور تكلَّفَ مليار دولار دفعتها السعودية، لأيْقنّا أن دور السعودية فى مواجهة الشعوب وحركات التحرر قد أصبح دورا إقليميا ولم يقتصر على محيطها الجغرافى المباشر.
كما سعت أيضا عن طريق خاشوقجى،وبعد موافقة الملك فهد وولى عهده الأمير سلطان، على تمويل صفقة سلاح أمريكى وغذاء لإيران بمبلغ 2 مليار دولار عن طريق إسرائيل، وعندما اعترض رئيس وزراء إسرائيل بيريز آنذاك على صفقة السلاح فقط، خشية إغضاب أمريكا التى كانت قد أصدرت قرارا بوقف تصدير السلاح لإيرانإبّان حربها مع العراق ، تطوع خاشوقجى عام 1985 لإقناع مستشار الرئيس الأمريكى لشئون الأمن القومى بضرورة إبرام الصفقة لتشجيع المناوئين للخمينى على خلافته بعد وفاته بدلا من أنصاره المتشددين.
ذكر ضابط المخابرات الإسرائيلى فيكتور أوستروفسكى فى كتابه الشهير الذى نشره بكندا، وفشل إسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل آنذاك فى منع نشره عن طريق القضاء حرصا على إخفاء أسرار العلاقات الإسرائيلية السعودية بعيدا عن أسماع الشعوب العربية ،ان السعودية إشترت كميات هائلة من الأسلحة الإسرائيلية في ثمانينيات القرن المنصرم ، يقول أوستروفسكى: أن المملكة السعودية تشترى كميات كبيرة من الأسلحة المصنوعة فى إسرائيل وقد علمْتُ من القسم المسئول عن السعودية فى الموساد أن إسرائيل تبيع - عبر دولة وسيطة - خزانات وقود للطائرات السعودية المقاتلة (F15) لتمكينها من الحصول على مزيد من الوقود لإطالة الرحلة إذا ما دعت الحاجة لذلك وقد أكدت الخبر مجلة جينز العسكرية فى 21/7/1984.]
أما الصحفى الإسرائيلى ستيف رودان فى الجيروزاليم بوست فى 17/9/1994 فيعطي تفصيلا أدق للمسألة عندما يقول إن حرب الخليج عام 1991 قد شكلت منعطفا هاما بالنسبة لصناعات إسرائيل العسكرية ،لأنها مكّنتها من بيع الأسلحة الإسرائيلية على نطاق واسع للولايات المتحدة وحلفائها العرب، فمثلا اشترت السعودية منها منصات إطلاق صواريخ توماهوك، وقذائف مضادة للدروع، وطائرات استطلاع بدون طيار، وأجهزة ملاحة، فضلا عن 14 جسرا عسكريا صنّعتها شركة تاس الإسرائيلية وبلغ سعر الجسر الواحد مليون دولار.
ويضيف الخبيران الأمنيّان (ميلمان، رافيف) ، أن إسرائيل شحنت للسعودية مناظير للرؤية الليلية ومعدات لزرع الألغام وقد أمرالجنرال شوارتز كوف قائد قوات التحالف الغربى ضد العراق بإزالة جميع الكتابات العبرية المنقوشة على الأسلحة حتى لا يكتشف أحد منشأها.
يفيد منطق السياسة السعودية أن الريال عندها هو فرس الرهان فى كل خطوة تخطوها.. فهى تدفع لإسرائيل لبناء الحاجز الترابى فى صحراء المغرب، وتعلن استعداها لتمويل صفقات السلاح لإيران، وتساوم إسرائيل على رفع العلم السعودى على المسجد الأقصى مقابل عدة ملايين من الريالات، وتقترح منح الكيان الصهيونى عدة مليارات مقابل حل النزاع مع العرب.. وهكذا.
ثم يأتى الخبير العسكرى سليج هاريسون ليبرز فى كتابه 'الحرب ذات الكثافة المحدودة' أبعاد عمليات التمويل وطرقها ،قائلا إن مصدرا رفيعا فى المخابرات الأمريكية أبلغه على سبيل المثال أن المخابرات الأمريكية دفعت 35 مليون دولارعام 1986 لإسرائيل من الأموال السعودية لشراء بعض الأسلحة التى غنِمتْها إسرائيل من الفلسطينيين أثناء غزوها لبنان عام 1982 ،ثم قامت بشحنها جوا إلى باكستان لتوزيعها على المجاهدين فى أفغانستان ،' مداولات مجلس الشيوخ الأمريكى عام1987 ص 203 '.
النيويورك تايمز فى 6/3/1987 توضح أن آل سعود يستخدمون البنك الأهلى التجاري بجدة الذى لا يخضع لرقابة مؤسسة النقد السعودية لتمويل ديبلوماسيتهم الصامتة فى العالم العربى والإسلامى ولخدمة المصالح الأمريكية، ويقوم البنك بالتالى بإرسال الأموال إلى ميامي فى أمريكا من خلال بنك آخر هو A.B.C فى جزر الكيمان.
أما عن عمليات التبادل التجارى فحدِّث ولا حرج.. وكتب ألكسندر بلاى فى 'جيروزاليم كوارتلي' إن النفط يغادر الموانى السعودية وما أن يصل إلى عرض البحر ،حتى يتم تغيير مسار القافلة وتفريغ حمولتها فى عرض البحر وتزييف أوراقها وتحويل الحمولة إلى الموانى الإسرائيلية.
تتحدث مجلة الإيكونوميست البريطانية عن حماية مستدمرة إسرائيل للنفط السعودي الذى يضخ من ميناء ينبع على البحر الأحمر، وعملا باتفاق سري إسرائيلي- سعودي- مصري، فإن إسرائيل تقوم بموجبه بحماية القطاع الشمالي من البحرالأحمر بينما تقوم مصر بحماية القطاعين الجنوبي والغربي مقابل حصولهم على مساعدات مالية سعودية.
لا يقتصر الأمر على علاقات سرية بهذا الاتساع والعمق فى تجارة السلاح والنفط، بل تجاوزها إلى مجالات أخرى متعددة منها قيام الشركات والحكومة السعودية باستيراد أجهزة كمبيوتر إسرائيلية ماركة 'ياردين' لرىّ حدائق الأمراء والحدائق العامة كما ذكرت يديعوت أحرونوت في 16/12/93 ، ومنها عقد اتفاقيات رسمية لتصدير الحمضيات الإسرائيليةمثل البرتقال والليمون عبر الأردن كما ذكرت معاريف 4/1/95 ، بينما تذكر صحيفة معاريف فى 29/10/93 أن شركة سعودية اتصلت بمكتب المجلس المحلى لمستدمرة كرنيه شمرون ، وأبدت استعدادها لشراء شقق سكنية بالمستدمرة وأبدى رجال الأعمال السعوديين الذين كانوا فى زيارة لإسرائيل اهتماما على مايبدو ليس فقط بعقد صفقات نفط بل أيضا ببيع الغاز الطبيعى بحسب صحيفة دافار في 1/2/94 .
لكن الدهشة من كل ما سبق تتراجع إزاء ماذكره (مليمان، رافيف) فى كتاب لهما بعنوان ( كل جاسوس أمير) يقولان فيه : إن جهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد قد فوجيء بتحركات مستقلة للثلاثي خاشوقجى، نيمرودى، وآل شويمر مع العديد من المسئولين الإسرائيليين.. وكانت تلك التحركات عن طريق شارون الذى أصبح وزيرا للدفاع وعلمع نجمُه وأعلن فى خطاب فى ديسمبر 1981 عن امتداد مصالح إسرائيل الأمنية والإستراتيجية من أواسط إفريقيا وشمالها.. وحتى باكستان، وقد حصل الثلاثى على وثيقة سرية كتبها ولى عهد السعودية آنذاك الأمير فهد اسمها خطة فهد للسلام ، لتسليمها للسلطات الإسرائيلية وهى بالطبع تختلف عن مبادرة الأمير عبد الله الأخيرة التى عرضها فى بيروت عام 2002.
يعترف خاشوقجى فى عيد ميلاده الـ55 والذى احتفل به فى مدينة السينما 'كان' لمراسلة صحيفة يديعوت أحرونوت بالقاهرة سامدار بيرى ، أن عملية موسى لتهجير يهود الفلاشا الأثيوبيين إلى إسرائيل والتى نفّذتها الولايات المتحدة وإسرائيل والسودان عبر الأراضى السودانية، قد تمت فى منزله خلال اجتماع سري عُقد فى مزرعته الخاصة بكينيا عام 1982 ،وحضره كل من جعفر نميرى و شارون وزوجته و نيمرودى وزوجته وآل شويمر، ورئيس المخابرات الإسرائيلية ناحوم إمدوني،كما ذكرت مجلة الدستور20/8/1990 ، وتواصل سامدار بيرى حديثها عن التعاون الأمنى بين خاشوقجي والإسرائيليين قائلة إن خاشوقجى نصح الإسرائيليين بقوله: أَقْترِح أن تُسلّموا السلطة إلى صديقىإريك 'يقصد أرئيل شارون ' وعندئذ سيكون كل شئ على مايرام.. وهكذا بعد 20سنة من هذا الحديث تولى شارون السلطة.. وأصبح كل شئ فى منطقتنا على مايرام!!!
أما القضية الفلسطينية التى اتبعت المملكة السعودية إزاءها سياستان كعادتها إحداها فى العلن للإستهلاك العربى والأخرى فى الخفاء.. بناء على نصيحة الرئيس الأمريكى ترومان للملك عبد العزيز آل سعود عام 1939 فلَمْ تخرج عن الآتى:
1-الضغط على الفلسطينيين حيث ذكرت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية عام 1987 ، أن السفير السعودى فى واشنطن بندر بن سلطان قد ذكر أن السعودية تضغط على منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة على زعيمها ياسر عرفات لإصدار بيان تعترف فيه بإسرائيل ، وهو ما أكده خاشوقجي عن محاولته عقد لقاء بين عرفات وشيمون بيريز فى مؤتمر فاس بالمغرب.
2-ليس هذا وفقط فقد أذاع راديو إسرائيل فى 19/11/1991 ، أن بندر بن سلطان قد أعلن أن السعودية لاتعتبر نفسها طرفا فى النزاع الشرق أوسطى وهى تقوم حاليا بدور كبير لدى الأطراف العربية لحل النزاع سلميا. بينما كان بندر بن سلطان صاحب هذا التصريح يعدّ العدّة لاستقبال وفد أمريكي إسرائيلي فى الرياض بسرية تامة ،حيث طلب من الإسرائيليين استخدام جوازات سفر غربية، ويعتبر الوفد من أنشط عناصر الحركة الصهيونية على الساحة الأمريكية، وقد طالب الوفد المسئولين السعوديين بالضغط على الدول العربية لإلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل، ووقْف دعم حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، وقطع المساعدات عن الإنتفاضة، ووقف العمليات العسكرية فى لبنان والإفراج عن الطيار الإسرائيلى الأسير رون أراد فى لبنان كما جاء في صحيفة الشعب المقدسية في 2/11/1992 .
3- أما القنبلة التى فجّرها بندر بن سلطان فى إجتماعه مع الجالية اليهودية فى نيويورك بمنزل الملياردير اليهودى تسفي شلوم، فكانت حسبما ذكرت صحيفة معاريف،تأكيد بندر بأن الرياض ليست لديها تحفظات على سياسة إسرائيل فى مواجهة العنف فى المناطق المحتلة ، أى أن السعودية توافق على مذابح إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
4-لكن الأكثر دويّا من التصريح السابق كان تصريحا لاحقا لبندر أيضا خلال لقائه بعدد من الزعماء اليهود نقلته صحيفه هاآرتس الإسرائيلية يقول فيه: إن السعودية غير مستعدة للقبول بالحل المبني على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وأنها ستؤيد فقط إقامة إتحاد بين الفلسطينيين وبين الأردن ' اتحاد كونفيدرالى '.

نيسان ـ نشر في 2017-11-23 الساعة 10:11


رأي: أسعد العزوني كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

الكلمات الأكثر بحثاً