في حضرة الشهداء.. موائد رمضانية (تشكو) فقد الأحبة (تقرير)
نيسان ـ المركز الاعلامي الفلسطيني ـ نشر في 2015-06-21
شيء ما يدور بعيني الطفل محمد الأسطل (11 عاما) في كلامه وفي أنفاسه، وذات الشيء يختلج أخواته الأربع؛ مرارة اليتم، ولوعة الاشتياق، وموعد الذكرى، مشاعر مؤلمة يحاولون أن يخبئوها بداخلهم مع اقتراب ذكرى استشهاد والدتهم.
محمد، الطفل الأصغر للشهيدة منال الأسطل "أم علي" (44 عاما) كان أكثر أفراد العائلة تأثرًا، رفض الحديث عن والدته وكيفية استشهادها محاولا التحدث بكلام لا علاقة له بالموضوع كمحاولة منه ألا يعيد تذكر ذلك اليوم "البئيس" يوم أن فُقدت جوهرة البيت، ويوم أن أصيب هو بإصابة بالغة أدت لشلل بيده اليمنى التي لا يزال عليها جهاز طبي يذكره بيوم المأساة.
بدأ الحنين والألم عميقاً في عيني ابنة الشهيدة إخلاص (22 عاما)، وهي تقول "لم يكن رمضان هذا العام أحسن حالا من سابقه.. العام الماضي كانت الحرب مشتعلة وفقدنا أمي حبيبة القلب والروح.. وهذا العام أتى رمضان باهتا من كل ملامح الفرح والسرور؛ فعدم وجودها في البيت أشعل فراغا كبيرا وخلف بدلا منها الحزن والبؤس".
تحاول إخلاص أن تخبئ دموع عينيها، وتضيف "كانت أمي تخاف علينا كثيرًا، لا تريد لأحد من إخوتي أن يتأذى من الحرب، حتى إنها إذا أرادت أن توصل شيئا لبيت الجيران أوصلته بنفسها من شدة خوفها".
تتابع إخلاص بصوتها المحزون، "برغم صعوبة أيام الحرب إلا أننا كنا نشعر بالأمان والطمأنينة لوجودها وقربها منا إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تبدل فيه الحال، فلم يعد للسكينة والأمان مكان في بيتنا".
تسرد إخلاص حكايتهم بألم ظهر بوضوح على ملامحها، تقول: "في أحد صباحات رمضان (الماضي) والساعة تقترب من التاسعة، كانت ضربات القذائف تهز أرجاء البيت"، ظن والدي أن "بيت الدرج" قد يكون آمنا فتجمعت العائلة، والخوف والهلع يملؤها".
تضيف: "كانت دعوات أمي بأن يسلمنا الله هي ما تزرع فينا الطمأنينة، كان كل شيء في ذلك اليوم يبدو كالحلم".
لكن الضربات والقذائف لم تتوقف، حينها قرر والدي أن نخرج من البيت، فما إن فتح الباب إلا وباغتته قذيفة، أصابت أمي إصابة مباشرة، وارتمت على الأرض وبقيت تنزف على حالها".
وتضيف "أخبرنا أخي أن أمي قد استشهدت، حينها وقع الخبر علينا كالصاعقة، وشعرت وكأني فقدت نصف عمري، وحدثنا أخي أنه لا مجال للوقوف هنا فالدبابات كانت وكأنها تتبع سيرنا وتطلق قذائفها علينا، وقتها أصبنا أنا وأختي وفاء وإيمان إصابات طفيفة وأخي محمد إصابة بالغة بيده اليمنى".
تتابع إخلاص حاولنا أن نضمد جراح يد محمد لنوقف نزيفها، لكن الدم كان ينزل بغزارة، تحيّرنا وقتها ماذا نفعل، ما الذي حلّ بنا، أمي تركت أمام البيت وهي تنزف وصراخ محمد يدوّي في المنطقة لشدة الألم، أخيرًا أتى الإسعاف الذي تأخر قليلا لتوالي الغارات على عدة أماكن في المنطقة.
يثقل الحزن وحديث الشجن، فتختنق عبراتها بما تبقى من كلام ويخيّم الصمت، وكأنها تسترجع روح أمها وكيف كانت تشعل البيت فرحا وسرورا، وكيف كانت تفعل كل ما يوفّر راحتهم، تقول: "مائدتنا في رمضان فقيرة تشكو فقدان أمي، وتفتقر كلامها الحنون ولمساتها الطيبة في الأكل، فكل شيء من يديها له نكهة خاصة لا يمكن لأحد أن يتقنها سواها".
أحضرت إخلاص صورة أمها منال قائلة: "أخبئها كجوهرة نادرة، أخاف من ضياعها، فأهرع في لحظات عديدة لتفقدها".
وتبدأ أوقاتها الخاصة بالحديث مع والدتها وكأنها لم تنتبه لوجودي "كل عام وأنتِ بخير يا حبيبتي يا أمي، اشتقنا لكِ كثيرًا، واشتقنا لحضنك الدافئ، سامحينا يا أمي، لم نستطع إنقاذك، أمي.. حياتي.. تذكري أنك لم ترحلي عنا، قد تكونين رحلتِ جسدًا، ولكنك في القلب ما زلت حية أنتِ يا أمي في قلبي".


