اتصل بنا
 

التحالف السعودي-الإسرائيلي خدمة للمشروع الصهيوني

كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

نيسان ـ نشر في 2017-12-30 الساعة 20:15

نيسان ـ

لا ننكر أن الحركة الصهيونية شبّكت جيدا مع العديد من الأنظمة الرسمية العربية المؤثرة على وجه الخصوص، وفي المقدمة نظام العميل الإنجليزي رئيس وزراء العراق الأسبق نوري السعيد، الذي كلف بالضغط على الفلسطينيين لإنهاء إضرابهم الشامل عام 1936 بقوله لهم ' أوقفوا إضرابكم لأن صديقتنا العظمى بريطانيا وعدت بحل المشكلة'،وها هي سبعون عاما تمر ولم نر حلا.
ونستطيع القول أن التشبيك الصهيوني –السعودي بدأ منذ عهد الملك عبد العزيز الذي وقع للمندوب البريطاني في الخليج السير بيرسي كوكس، على التنازل الكامل عن القدس وفلسطين لليهود المساكين عام 1915،وجاء بعده الملك فيصل ليؤكد ويبارك هذا التنازل خلال لقائه مع نائب رئيس الحركة الصهيونية د.حاييم وايزمان في لقائهما المعروف بإسم 'فيصل-وايزمن'عام 1919.
لهذا السبب كانت السعودية ركنا مهما في الموضوع الفلسطيني ،ولذلك تضمن جيش الإنقاذ العربي -الذي أنيطت به مهمة تسهيل إقامة الكيان الصهيوني والضغط على الفلسطينيين للرحيل بالتنسيق مع الصهاينة بطبيعة الحال-تضمن قوة سعودية ،لكن هذه القوة لم تقم بتحميل لاجئين فلسطينيين في شاحناتها إلى السعودية كما فعلت بقية القوات العربية الأخرى ،حيث قالوا للفلسطينيين أن وجودهم يعيق عمليات التحرير وأن عليهم أن يتحملوا أسبوعا أو أسبوعين ريثما تحرر الجيوش العربية فلسطين.
ظهرت السعودية على الخط الفلسطيني بعد إنطلاقة فتح عام 1965 وتوسطت لتقديم شيك مالي وحددت موعدا آخر لشيك ثاني،لكنها لم تتصل بالقيادة الفلسطينية لإستلام الشيك،كما ان القيادة الفلسطينية لم تتصل بالرياض هي الأخرى ،وبعد فترة حصلت القيادة الفلسطينية على الشيك ووقعت تحت الضغط السعودي ،وقامت القيادة السعودية بعد ذلك بالتدخل في الشأن الفلسطيني من خلال إيهام القيادة الفلسطينية بأنها قادرة على الضغط على واشنطن لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.
إنكشف الموقف السعودي على حقيقته التآمرية عام 1982 بإستدعاء الملك فهد للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وإبلاغه بضرورة إسقاط 'فتح لاند'في جنوب لبنان من حساباته وطولها 40 كيلومترا،لصالح الجيش الإسرائيلي ،وعندما أبدى عرفات إعتراضه ،أبلغه الملك فهد أن الأمريكيين والإسرائيليين طلبوا منه إيصال الرسالة وليس مناقشة مضمونها.
أدرك عرفات حقيقة الموقف وأراد تكبيد الجيش الصهيوني خسائر فادحة نظير ذلك ،وقام بزيارة العديد من العواصم العربية لطلب أسلحة إستراتيجية ووعده القذافي بذلك ،لكنه لم يف بوعده،عندما تم الإجتياح الشاروني للجنوب وحصاره لبيروت ،بدأت الضغوطات السعودية على عرفات بوقف إطلاق النار والإنسحاب من بيروت ،وأن الأمريكيين جاهزون لترحيل القوات الفلسطينية إلى الخارج.
كان عرفات يراوغ ويطلب من فريقه الرد على المكالمات السعودية وإبلاغهم بأن الإتصال معه مفقود ،إلى أن زاره وفد يمثل سنّة بيروت وأبلغوه رسالة مفادها ان بيروت ليست مدينة فلسطينية بل عاصمة لبنان وان عليه الرحيل عنها ،وعند ذلك دمعت عينا عرفات ،وطلب من فريقه طلب الملك فهد ،وقال له أنه جاهز للرحيل وان عليه إبلاغ الأمريكيين بذلك ،وتم الرحيل بناء على وعود سعودية بدولة فلسطينية ،ولذلك قال عرفات لأحد الصحفيين في ميناء بيروت عندما سأله عن وجهته أنه ذاهب إلى فلسطين.
عند ذلك ظهرت السعودية عارية حتى من ورقة التوت ،وأعلن الملك فهد مبادرته 'السلمية 'وفرضها على قمة فاس العربية ، وكرست السعودية مؤامرتها على القضية الفلسطينية بإجبار مؤتمر داكار الإسلامي منتصف ثمانينيات القرن المنصرم على إلغاء فريضة الجهاد،ولم تجد من يعارضها فعليا لأنها كانت تفرض مؤامراتها بالرشا،وكانت السعودية في تلك الأثناء قد ورطت العراق في حرب مع إيران لإشغال الرأي العام العربي عن تحركاتها المريبة ،وقامت أيضا بتوريط الكويت مع العراق وجرى ما جرى ،وتخلصت من الرهبة العراقية ،وضغطت على الكويت التي كانت تحقد عليها لتطورها ،وتكرر الحال مع قطر الناهضة أيضا.
عند تولي الملك عبدالله مقاليد الأمور في السعودية أعلن مبادرته الخاصة به أيضا وأسموها 'مبادرة السلام العربية' ،وتقضي بجلب دول منظمة التعاون الإسلامي وعددها 57 دولة للتطبيه الشامل مع الكيان الصهيوني ،وفرضها على قمة بيروت العربية عام 2002 ،لكن الرئيس اللبناني المقاوم آنذاك السيد إميل لحود تحفظ عليها لأنها تشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
بعذ ذلك فاحت الرائحة النتنة وخرج علينا عميل من النوع الثقيل الذي لا يستطيع أحد الوقوف بوجهها نظرا لحاجة الجميع إليه ماديا ،وإن كانت المساعدات السعودية للعرب والمسلمين لا تساوي شيئا مقابل ما لهفه منهم الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا ،إذ منحوه نحو نصف تريليون دولا عدا ونقدا ،علاوة على 100 مليون دولار لزوجته ميلانيا كي تمول صندوقها الخيري ،وما حصلت عليه إبنته الفاتنة إيفانكا وزوجها اليهودي كوشنير،وما تبعه من هدايا حملتها بواخر لكبر حجمها.
بدأنا ندقق رغم أنوفنا المزكومة وعجزنا عن الكلام التسريبات الفاضحة لصناع القرار السعوديين، وكان بطلها الرئيس مدير المخابرات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل ،وتبعه القطروز أنور عشقي الذي كان يزور مستدمرة إسرائيل بإستمرار ،والغريب في ذلك أنه كان يصرح أن ما يقوم به بعيدا عن تكليفات من القيادة السعودية بل بمبادرة شخصية منه !
قطعت القيادة السعودية شرش الحياء عند مجيء الرئيس الماسوني الإنجيلي ترامب الذي كان يتبجح بالإستهزاء بهم ،أنهم كانوا يشترون الشقة منه بخمسين مليون دولار ،وقد وعد الشعب الأمريكي بأنه سيلهف المال السعودي ويحضره لأمريكا وقد فعل عن زيارته الأخيرة للرياض في الصيف الماضي.
ناقش ترامب في زيارته المشؤومة تلك مع قادة السعودية والخليج والعرب والمسلمين بإستثناء الرئيسين الإيراني والتركي ،ما يطلقون عليه 'صفقة القرن'التي تعد نسخة مظورة للأسوأ لمبارة الملك عبد الله ،ومنذ ذلك الوقت ونحن نرى القيادة السعودية تحرق سفنها العربية بسرعة فائقة وبطريقة معيبة ،أولها حصار دولة قطر التي رفضت التناغم معها حول شطب القضية الفلسطينية ،والتنازل عن القدس وشن حرب على غزة إضافة على رفض القيادة القطرية التآمر على الأردن ،عندما رفضت الكونفدرالية وأصرت على إقامة دولة فلسطينية مستقلة تقرر لاحقا مع من تتحالف.
في هذه الأثناء صدمتنا القيادة السعودية بهرولتها للتطبيع العلني مع الكيان الصهيوني ،وتعدت المألوف بقيام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بزيارة سرية لتل أبيب في السابع من ايلول المنصرم ،فضحها كبار المسؤولين الإسرائيليين رغم تكتم الرياض عليها ،وقالوا انهم وافقوا للدب الداشر على مشروع 'نيوم'السعودي الذي يتضمن مناطق سعودية والعقبة الأردنية وسيناء ،وقال الإسرائيليون أن موافقتهم جاءت بعد تعهده على نزع السيادة الأمنية والعسكرية والسياسية والإجتماعية لكل من الأردن ومصر عن العقبة وسيناء،وقيل أيضا أن بن سلمان المتلهف على تعيينه خلفا لأبيه ملكا علمانيا على بلاد الحرمين ،طلب من نتنياهو قبول أي حل وهمي مع الفلسطينيين لتسريع التطبيع السعودي-الإسرائيلي،لكن نتنياهو رفض طلبه.
تطورت الأمور الفاضحة اكثر وتنازلت السعودية عن القدس للصهاينة ،وإستدعت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الرياض وضغطت عليه كي يتنازل عن القدس للصهاينة ويوافق على صفقة القرن ،ويقبل بضاحية أبو ديس عاصمة له وأن تكون هناك إمارة إسلامية فلسطينية لحماس في سيناء.
ما تقوم به السعودية ليس نزوة قصيرة وليدة اللحظة ،بل هو مخطط قديم مدروس جيدا ،بدليل أنها تهدف لخلق تحالف إستراتيجي بينها وبين الكيان الصهيوني تقبل فيها مستدمرة إسرائيل بتنصيب السعودية زعيمة للمسلمين في وجه إيران ،وهذا يتطلب بطبيعة الحال إزاحة شرعية متجذرة في التاريخ وهي القيادة الهاشمية التي تنتمي للنبي العربي الهاشمي محمد بن عبد الله صلى اللله عليه وسلم.
وأولى خطوات العداء تجاه جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين فرض حصار مالي على الأردن رغم معرفتهم بالوضع الإقتصادي الأردني ،عقابا له على رفضه فتح الآفاق الأردنية للتحالف الدولي مؤخرا لغزو وإحتلال سوريا ،وكذلك رفضه للمشاركة في حصار قطر وقطع العلاقات معها ،وإكتفى مجاملة بتخفيض التمثيل الدبلوماسي.
وبحسب التسريبات فإن القيادة السعودية تضغط على القيادة الهاشمية في الأردن للتنازل عن الوصاية الهاشمية للمقدسات في القدس المحتلة لتؤول إليها ،وتصبح فعلا صاحبة شرعية دينية مكتملة ،وها هي تتساوق مع واشنطن وتل أبيب للضغط على الأردن كي يستجيب للضغوط السعودية ،تشاركها في ذلك قيادة الإمارات التي يقال أنها رتبت لإنقلاب فاشل بحمد الله ضد جلالة الملك عبد الله الثاني رغم انه صهرهم.
مجمل القوم أن التحالف السعودي –الإسرائيلي ،والتطبيع السعودي مع مستدمرة إسرائيل وتسليم الأمور لترامب ،وحصار قطر والتآمر عليها ،وحصار الأردن المالي والتأليب عليه والقضاء على عراق صدام حسين ،وتعطيل نهضة الكويت وتدمير سوريا ،ما هو إلا إسهام قوي وفعال في المشروع الصهيوني المتعثر أصلا ،والذي إستمد قوته الحالية من التحالف العلني السعودي- الإسرائيلي.

نيسان ـ نشر في 2017-12-30 الساعة 20:15


رأي: أسعد العزوني كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

الكلمات الأكثر بحثاً