اتصل بنا
 

الإستثمار ..الإستحمار وكارثة البحر الميت

كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

نيسان ـ نشر في 2018-10-27 الساعة 16:11

نيسان ـ منذ أن أجبرنا مكرهين على الدخول في مستنقع الخصخصة التي خالفت كل النظريات العالمية في مجال الإقتصاد،والتي تدعو للتخلص من المؤسسات الخاسرة وبيعها أو على الأقل التشارك فيها مع مستثمر أجنبي، يضخ فيها رأسمالا كبيرا يضمن إعادة الحياة فيها ،شرط ألا يخالف القوانين الوطنية المعمول بها في البلاد ،كأن ينهي خدمات العمال على سبيل المثال...منذ ذلك الوقت ونحن ندفع أثمانا مضاعفة مادية ومعنوية كان آخرها إستشهاد 21 طفلا، من فلذات أكبادنا أخذتهم مدرستهم في رحلة إلى البحر الميت فجرفتهم السيول ،وأدخلتنا هذه المدرسة "الإستثمارية"في أتون القهر والكمد ..فمن أغلى من فلذات الأكباد؟
خالفنا كل نواميس الطبيعة وأخضعنا كل شيء لقوانين الإستثمار الذي هو إستحمار بالأساس،وإرتكبت الدولة خطيئة كبرى بإنسحابها من السوق ومن تقديم الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء التعليم والصحة بصورة كبيرة ،وفتحت الباب على مصراعيه لتخصيص كل شيء ،وباعت المؤسسات الناجحة التي تدر الأموال الوفيرة ،كل ذلك لإرضاء المتنفذين ،ولا نعرف أين ذهبت اموال الخصخصة ،ووالذي نفسي بيده أنني اخاف ان نصحوا ذات صباح، ونجد انفسنا فوق أرض إما مباعة أو مؤجرة من خلال الإستثمار- الإستحمار الذي غرقنا في اتونه دون ان نعرف التبعات وما أسوأها،وهناك حديث عن قيان غير أردنيين بشراء أراض في العقبة ،ونخشى من إعادة بيعها ليهود كما يحصل حاليا من نفس المستمرين في القدس ،حيث يشترون عقارات مقدسية ومن ثم يبيعونها لمؤسسات صهيونية أضعافا مضاعفة.
لا يجوز للدولة التخلي عن التعليم والصحة ،ومنح هذا الحق للمستثمرين ومنهم الأجانب ،وهذا سبب لنا كوطن خسائر فادحة ،وكان يتوجب دعم التعليم العام من خلال بناء المدارس وتوفير الكادر التعليمي المؤهل،وليس تسليم هذا القطاع لفئة جشعة من المتنفذين والمستثمرين ،الذين لا يشبعون وربما منحوا ضمائهم إجازة في مكان مجهول أو يصعب العثور عليه أو الوصول إليه ،رغم وسائل الإتصال الحديثة مثل الجي بي إس ،وما ينطبق على التعليم ينطبق أيضا على الصحة،فالمواطن بات مضطرا لمراكمة الديون عليه من أجل توفير بيئة تعليمية أفضل لأبنائه ،كما أن هناك العديد من الوفيات قضت بسبب عدم القدرة على توفير العلاج في المستشفيات الخاصة الإستثمارية أو الإستحمارية لا فرق.
يمر الأردن هذه الأيام بفاجعة راح فيها 21 طالبا من إحدى المدارس الخاصة بطبيعة الحال وإصابة نحو 40 آخرين بجروح،ولا يمكن لنا تقدير حجم المعاناة والألم الذي تسببت فيه هذه المجزرة لذوي الضحايا،فهناك من فقد فلذات كبده الأربعة ،وآخر فقد وحيده بعد أن فقد زوجته قبل شهر، ووجد نفسه وحيدا يطحنه الألم والفراق واللوعة.
القصة هنا لا تندرج ضمن خطأ بشري فقط ،بل هو خطيئة إستثمارية –إستحمارية لأن مثل هذه النشاطات لا ينظر إليها المستثمرون من باب إستزادة المعرفة لدى طلابهم بل زيادة في الدخل المادي ،حيث تكاليف الرحلة وما يقدم فيها،كما يجب علينا تذكير المعنيين بأن منظمي رحلات المدارس كافة يرتكبون خطايا قانونية ،فهم يطلبون من ولاة الأمور التوقيع على تعهد يبريء المدرسة سلفا من أي تبعات قانونية تترتب على المدرسة في حال وقوع كارثة كهذه .
رب ضارة نافعة ،ولا نملك إلا أن نسأل الله العلي القدير أن يرأف بأحوال ذوي الشهداء ويشفي المصابين ،ولكننا ندعوا أصحاب الضمائر الحية من المسؤولين، إيقاع أشد العقوبات على المسؤول الأول في المدرسة أو المؤسسة التعليمية ،التي خالفت قرار وزارة التربية وقامت بتغيير المسار من الأزرق شرقا إلى الأغوار غربا ..ونستغرب من بقاء وزير التربية في منصبه.

نيسان ـ نشر في 2018-10-27 الساعة 16:11


رأي: أسعد العزوني كاتب وصحافي وخبير في الشؤون الفلسطينية

الكلمات الأكثر بحثاً