اتصل بنا
 

عمّان وإدارة 'المعركة الصامتة'

وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

نيسان ـ نشر في 2026-01-05 الساعة 08:46

نيسان ـ تتمثّل إحدى الميزات الرئيسية لحكومة الدكتور جعفر حسّان في أنّ لديها تصوراً واضحاً للمهمّات والأولويات والقضايا التي تريد العمل عليها وإنجازها، بخاصةً فيما يتعلّق بالمشروعات الوطنية الكبرى. ولعلّ تصريح الرئيس قبل شهور يُعدّ مهماً جداً لفهم الكيفية التي تفكّر بها الحكومة، حين قال إنّها ستستمر بالعمل وإنجاز المطلوب من دون أن تتعطّل بفعل ما يحدث في المنطقة من حولنا. وهو توجّه مهم، بخلاف العديد من الحكومات التي جمّدت أعمالها ومخطّطاتها بذريعة الظروف المحيطة وصعوبة الوضع الإقليمي.
هذا التوجّه بالغ الأهمية اليوم بالنسبة إلى الأردن، لأنّ تعليق برنامج الأعمال الوطني (الأجندة) على ما يحدث في المنطقة، وربطه المباشر به، سيجعل الدولة في حالة دائمة ومستمرة من الارتهان لهذه المتغيّرات. والأسوأ من ذلك أنّه من الواضح أنّ المنطقة، في الحدّ الأدنى على المدى القريب، أبعد ما تكون عن الاستقرار والازدهار. لذلك، يصبح من الضروري بناء مساحات وطنية للعمل الداخلي ضمن هذه الحالة الإقليمية المضطربة، وهو ما تدركه الحكومة الحالية، بل وتجعله الإطار العام لعملها، بخاصة في القضايا الاقتصادية والتنموية والخدماتية.
تتجسّد المنعة الوطنية والقوة السياسية للدولة في الإنجازات الحقيقية على أرض الواقع، وفي وجود اقتصاد وطني أكثر استقلالية وقدرة على التكيّف مع المتغيّرات والتحوّلات الإقليمية. صحيح أنّنا لا نستطيع، ولا يمكن، أن نعزل أنفسنا كدولة صغيرة وسط هذه المنطقة الزلزالية، ولا بحال من الأحوال، إذ إنّ ما يحدث في العراق وسورية ولبنان وغزة، والأخطر – القادم – في الضفة الغربية، يؤثّر بدرجة كبيرة في السياسات الوطنية. لكن، في المقابل، من الضروري أن يكون هناك تصوّر وطني أردني واضح للأولويات والتحدّيات، ولطريقة التعامل مع المسائل الداخلية بأكبر قدر ممكن من العزل النسبي عن الأزمات الخارجية، مع بناء سيناريوهات مدروسة لتأثير هذه التطوّرات على مختلف جوانب الاقتصاد والأمن والسياسة والبيئة في الأردن.
في هذا العام، سيُصار إلى البدء بعدد من المشروعات الوطنية الكبيرة والمهمّة، التي تمسّ المصالح الاستراتيجية والأمن الوطني بصورة أو بأخرى. إذ سينطلق العمل في بعض منشآت مدينة عمّان الجديدة، مثل المدينة الرياضية وأرض المعارض، وربما المدينة الترفيهية، على أن يتم لاحقاً ربطها بسكة حديد مع الزرقاء، وبمشروع الباص سريع التردّد، وتطويرها بصورة متدرجة عبر مراحل متعددة.
كما سيتم البدء بإنشاءات مشروع الناقل الوطني (تحلية مياه البحر الأحمر)، وهو مشروع محوري في الأمن المائي، بل في الأمن القومي الأردني، ومن المفترض أن يتم الانتهاء منه في العام 2030. هذا إلى جانب العديد من المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية، والطرق، والحدائق، ومشروع التلفريك الرابط بين جبل القلعة والمدرّج الروماني، وغيرها من المشروعات المهمّة التي تعزّز المرافق العامة والثقافة السياحية في البلاد.
ومن المخطّط أن تسهم هذه المشروعات والإنشاءات في تحريك السوق المحلية وتشغيل أعداد من الشباب الأردني، وهو أمر إيجابي ومهم، لكنه ليس كافياً. فما نأمله فعلاً هو أن تكون هناك دراسات وتصورات معمّقة ودقيقة للمشروعات القادرة على الإسهام الحقيقي في حلّ معضلة البطالة الخطيرة، التي باتت تمثّل شبحاً يطارد النسبة الكبرى من الشباب الأردني. ومن المعروف أنّ مثل هذه الاستراتيجية الوطنية يجب أن تكون مرتبطة بصورة وثيقة بمخرجات التعليم، وبهيكلة سوق العمل وسياساته، وبالمهارات التي يمتلكها الطلبة الخريجون.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري المضي قدماً، بل وتعزيز برنامج التعليم المهني والتقني (BTEC) ، الذي يمكن أن يشكّل أحد الروافد والحلول الاستراتيجية لسياسات سوق العمل، وتنمية المهارات، وتحسين مخرجات التعليم، ومواجهة البطالة، إلى جانب مراجعة وتطوير برامج التنمية المستدامة في المحافظات.
وفي السياق ذاته، فإنّ الحكومة بصدد وضع اللمسات الأخيرة على قانون الإدارة المحلية. ومن الضروري أن يستند هذا القانون إلى فلسفة وأهداف واضحة، سواء على صعيد الدور التنموي للبلديات، أو في كونه مكمّلاً ومتكاملاً مع مشروع التحديث السياسي، وتعزيز الحياة الحزبية، ودمج الشباب في العمل العام، لا أن يشكّل خطوة إلى الوراء. كما أنّ المطلوب هو الدفع بمفهوم اللامركزية خطوة جديدة إلى الأمام، ليكون جزءاً أصيلاً من التصوّر الاستراتيجي الوطني للمرحلة المقبلة.

نيسان ـ نشر في 2026-01-05 الساعة 08:46


رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".

الكلمات الأكثر بحثاً