الطوفان المفقود.. أسرار كارثة أعادت الحياة للبحر المتوسط
نيسان ـ نشر في 2026-02-20 الساعة 13:43
نيسان ـ قبل نحو ستة ملايين سنة، شهد البحر الأبيض المتوسط واحدة من أعظم التحولات في تاريخ الأرض، حيث تحول حوضه الشاسع من بحر ممتلئ بالمياه إلى صحراء ملحية عميقة، ثم عاد ليمتلئ تدريجيا بالمياه مرة أخرى. هذه الأزمة، المعروفة باسم أزمة ملوحة العصر الميسيني، لم تكن مجرد جفاف عادي، بل كارثة جيولوجية هائلة شكلت طبقات سميكة من الملح والجبس على قاع البحر، وأدت إلى انقراض نحو 89% من الأنواع البحرية التي كانت تعيش حصريا في المنطقة.
طوال عقود، ارتبطت هذه الأحداث بأسطورة الطوفان العظيم، حيث تخيل العلماء في الماضي فيضانا مفاجئا عبر مضيق جبل طارق أعاد البحر إلى الحياة، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الأمر ربما لم يكن كارثة مفاجئة، بل سلسلة من التغيرات البطيئة والتدريجية في مستويات المياه والاتصال بالمحيط الأطلسي والأنهار الشرقية.
بدأت الحكاية العلمية عام 1970، عندما عادت سفينة الأبحاث غلومار تشالنجر من رحلة حفر في قاع المتوسط بعينات كشفت عن طبقات سميكة من الجبس والهاليت (ملح الطعام). هذه «المتبخرات» لا تتكوّن عادة إلا عندما تتبخر كميات هائلة من المياه، ما دفع الباحثين إلى استنتاج أن البحر انقطع عن الأطلسي وتبخر معظمه، تاركًا خلفه حوضا قاحلا يزيد عمقه عن كيلومتر. وبعد نحو نصف مليون سنة، وفق الفرضية التقليدية، اندفع الأطلسي فجأة في حدث عُرف باسم «طوفان زانكليان»، ليعيد البحر إلى الحياة.
لكن مع تراكم البيانات من المسوحات الزلزالية والنماذج الحاسوبية، بدأ بعض الجيولوجيين يشككون في سيناريو «الفيضان الأعظم». فالأدلة المباشرة على مرور تيار كارثي عبر جبل طارق محدودة، بل إن بعثات حديثة في بحر البوران، المدخل الشرقي للمضيق، لم تعثر على ترسيبات تتوافق مع طاقة فيضان هائل. كما أن الحسابات تشير إلى أن امتلاء حوض شبه جاف بهذا الحجم كان سيؤدي إلى انخفاض عالمي ملحوظ في مستوى البحار، وهو ما لا تدعمه السجلات الجيولوجية بوضوح.
بدلًا من ذلك، يطرح باحثون سيناريوهات بديلة. أحدها أن المتوسط لم ينفصل تماما عن الأطلسي، بل ضاق الاتصال إلى حد سمح بتدفق أحادي الاتجاه إلى الداخل، ما أدى إلى تراكم الملح دون انقطاع كامل. وآخر يقترح أن الامتلاء النهائي كان تدريجيًا خلال المرحلة الثالثة من الأزمة، مع وصول مياه عذبة من الشرق عبر نظام بحيرات ضخم كان يربط البحر الأسود وبحر قزوين بما عُرف قديمًا باسم «باراتيثيس».
تشير نماذج تعرية حديثة إلى أن انكشاف السواحل وانحدارها الحاد ربما سرّعا فتح ممرات طبيعية سمحت بتدفق الأنهار الكبرى إلى الحوض، رافعةً مستواه مئات الأمتار دون الحاجة إلى «شلال أسطوري»، وفقا لـ "livescience".
كما تكشف طبقات الملح في صقلية عن تكرار دوري لترسب الجبس يتوافق مع دورة تذبذب محور الأرض كل 23 ألف سنة، ما يعني أن فتح الممرات وإغلاقها قد يكون تكرر مرات عدة. وبحساب كمية الملح الحالية، التي تمثل نسبة معتبرة من ملح محيطات العالم، يرجّح بعض العلماء أن الحوض فرغ وامتلأ أكثر من مرة، بدل حدث واحد فريد.
اللافت أيضا أن تضاريس المتوسط قبل ستة ملايين سنة لم تكن كما هي اليوم؛ فقد تغيّرت الأحواض وارتفعت كتل برية وانفتحت أخرى. لذا قد لا يكون مسار المياه ، إن وُجد فيضان، هو المسار الحالي نفسه. ربما كانت «البوابة» في موقع مختلف، عبر قوس بركاني أو قنوات باتت اليوم يابسة.
طوال عقود، ارتبطت هذه الأحداث بأسطورة الطوفان العظيم، حيث تخيل العلماء في الماضي فيضانا مفاجئا عبر مضيق جبل طارق أعاد البحر إلى الحياة، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الأمر ربما لم يكن كارثة مفاجئة، بل سلسلة من التغيرات البطيئة والتدريجية في مستويات المياه والاتصال بالمحيط الأطلسي والأنهار الشرقية.
بدأت الحكاية العلمية عام 1970، عندما عادت سفينة الأبحاث غلومار تشالنجر من رحلة حفر في قاع المتوسط بعينات كشفت عن طبقات سميكة من الجبس والهاليت (ملح الطعام). هذه «المتبخرات» لا تتكوّن عادة إلا عندما تتبخر كميات هائلة من المياه، ما دفع الباحثين إلى استنتاج أن البحر انقطع عن الأطلسي وتبخر معظمه، تاركًا خلفه حوضا قاحلا يزيد عمقه عن كيلومتر. وبعد نحو نصف مليون سنة، وفق الفرضية التقليدية، اندفع الأطلسي فجأة في حدث عُرف باسم «طوفان زانكليان»، ليعيد البحر إلى الحياة.
لكن مع تراكم البيانات من المسوحات الزلزالية والنماذج الحاسوبية، بدأ بعض الجيولوجيين يشككون في سيناريو «الفيضان الأعظم». فالأدلة المباشرة على مرور تيار كارثي عبر جبل طارق محدودة، بل إن بعثات حديثة في بحر البوران، المدخل الشرقي للمضيق، لم تعثر على ترسيبات تتوافق مع طاقة فيضان هائل. كما أن الحسابات تشير إلى أن امتلاء حوض شبه جاف بهذا الحجم كان سيؤدي إلى انخفاض عالمي ملحوظ في مستوى البحار، وهو ما لا تدعمه السجلات الجيولوجية بوضوح.
بدلًا من ذلك، يطرح باحثون سيناريوهات بديلة. أحدها أن المتوسط لم ينفصل تماما عن الأطلسي، بل ضاق الاتصال إلى حد سمح بتدفق أحادي الاتجاه إلى الداخل، ما أدى إلى تراكم الملح دون انقطاع كامل. وآخر يقترح أن الامتلاء النهائي كان تدريجيًا خلال المرحلة الثالثة من الأزمة، مع وصول مياه عذبة من الشرق عبر نظام بحيرات ضخم كان يربط البحر الأسود وبحر قزوين بما عُرف قديمًا باسم «باراتيثيس».
تشير نماذج تعرية حديثة إلى أن انكشاف السواحل وانحدارها الحاد ربما سرّعا فتح ممرات طبيعية سمحت بتدفق الأنهار الكبرى إلى الحوض، رافعةً مستواه مئات الأمتار دون الحاجة إلى «شلال أسطوري»، وفقا لـ "livescience".
كما تكشف طبقات الملح في صقلية عن تكرار دوري لترسب الجبس يتوافق مع دورة تذبذب محور الأرض كل 23 ألف سنة، ما يعني أن فتح الممرات وإغلاقها قد يكون تكرر مرات عدة. وبحساب كمية الملح الحالية، التي تمثل نسبة معتبرة من ملح محيطات العالم، يرجّح بعض العلماء أن الحوض فرغ وامتلأ أكثر من مرة، بدل حدث واحد فريد.
اللافت أيضا أن تضاريس المتوسط قبل ستة ملايين سنة لم تكن كما هي اليوم؛ فقد تغيّرت الأحواض وارتفعت كتل برية وانفتحت أخرى. لذا قد لا يكون مسار المياه ، إن وُجد فيضان، هو المسار الحالي نفسه. ربما كانت «البوابة» في موقع مختلف، عبر قوس بركاني أو قنوات باتت اليوم يابسة.


