الصوت والصدى: أثر غوته في الأدب العربي
نيسان ـ نشر في 2026-02-21 الساعة 09:57
نيسان ـ يُعد الأديب والمفكر والشاعر الألماني يوهان وولف غوته Johann Wolfgang von Goethe (1749-1832) أحد أهم العقول الإنسانية، إذ ألهم الإنسانية بكثير من الأفكار الإبداعية الخلاقة، وأسس لفكرة الأدب المقارن من خلال سن مفهوم الأدب العالمي، وتطبيقه في كثير من أعماله الإبداعية ومقالاته الأدبية. حين كان طفلاً في العاشرة من عمره احتلت فرنسا ألمانيا، الأمر الذي سهل عليه تعلم اللغة الفرنسية من الجنود الفرنسيين، لكن هذا الأمر حمل دلالة أخرى كمنت في فرصة تأمل أثر ويلات الحروب وإدراك آثارها السلبية، ومن ثم الدعوة إلى الحب والسلام، التي اتضحت بقوة في أعماله. بالإضافة إلى الفرنسية، تعلم غوته اللغة العبرية عام 1762. أما اللغة العربية فبدأ في تعلمها عندما اتضحت بوادر اهتمامه بالقرآن الكريم. وفي عام 1773 اهتم غوته بشخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وكان حينها في الرابعة والعشرين، وكان هذا التحول إلى اللغة العربية والديانة الإسلامية قد ظهر، حسب رأي عبد الرحمن بدوي، مثلما يوضح داوود سلوم: «بعد أن اعتراه السأم من الحضارة الغربية في عام 1776 وحاول أن يعالج ذلك بالسفر والتغرب أو الهروب بذهنه إلى الشرق». (داوود سلوم). وبدأ بقراءة الأدب الجاهلي بعد أن اطلع على المعلقات باللغة الإنكليزية فتأثر بهذه القراءة كثيراً واتضح هذا الأثر تالياً في قصائده. لم يكتف غوته بالاطلاع على الثقافة العربية، والدين الإسلامي، بل تطورت مرحلة قراءته، واتجهت إلى الآداب الفارسية والصينية والهندية. وأصدر «الديوان الشرقي »Eastern Diwan في عام 1819.
يُرجع داوود سلوم اهتمام غوته بالحضارة الشرقية إلى أنها تعوض الغربيين -الذين كانوا تعبوا من ويلات الحروب والصراعات- بدفقة رومانسية لعوالم من الحلم والخيال، لكن هذا الشغف لم يحل بين غوته وفهمه الثقافة الشرقية بإدراك ووعي لافتين. من الأمور اللافتة هنا أن غوته اعترف في تعليقاته على «الديوان الشرقي » بأثر الشرق في لغات الغرب، وضرورة الاعتراف به ورد الجميل حيث يقول: «في الوقت الذي فيه تثرى لغتنا بالكثير مما استعرناه من الشرق، فإنه من المناسب من ناحيتنا أن نسعى لتوجيه الانتباه إلى عالم وصلتنا منه منذ آلاف السنين أشياء كثيرة وجميلة وخيرة». (داوود سلوم)
غوته والأدب العالمي
يمثل مسمى الأدب العالمي نقطة انطلاق مهمة في دراسات الأدب المقارن. وظهر هذا الاتجاه مع المدرسة الألمانية من خلال جهود غوته، ومن خلال المصطلح نفسه في المدرسة الأمريكية. لقد اكتسب هذا المفهوم قبولاً أكبر بعد حدوث كثير من التفاعلات الثقافية والتلاقحات الفكرية بين الأمم والشعوب، التي ازدادت في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذا الأمر جعل إنتاج هذه الشعوب مجتمعة ملكاً عاماً للإنسانية. يحدد فؤاد مرعي في كتابه «محاضرات في الأدب المقارن» مفهوم الأدب العالمي وفق الدلالات التالية:
الأولى تنظر إلى الأدب العالمي بوصفه أدب العالم كله، وتاريخه هو مجمل تواريخ الآداب القومية المضموم بعضها إلى بعض. أما الثانية فهي تعتبره مجموعة مختارة من أفضل ما أنتجته الآداب القومية، والثالثة تنظر إليه على أنه مجموع الإبداعات المتعالقة والمتماثلة من الآداب القومية. (فؤاد مرعي)
يوضح مرعي أن هذه الدلالات الثلاث واسعة ومطاطة ولا تمثل تماماً ماهية الأدب العالمي، إذ يرى أنه مفهوم تاريخي يمر بتحولات أدبية كبيرة، أو صغيرة تجعله مفهوماً متغيراً، ونسبياً وليس جامداً، وأي محاولة تفسير تخضع لما يلي: «التبدلات الحاصلة في مسيرة تطور الأدب المعني نفسه، ووفق التصورات النظرية لتطور الظواهر الأدبية. (مرعي)
يبين إبراهيم محمود الصغير في دراسته «العرب والإسلام عند غوته»، أن غوته هو أول من أدخل مصطلح «الأدب العالمي» في التاريخ والأدب والفكر والفلسفة بحثاً عن التسامح وقبول الآخر بدلاً من العنصرية، وهو لا يفترض أن الأدب العالمي يكون متشابهاً متماثلاً، بل يؤسس لفكر الاختلاف والتنوع في آداب الشعوب المختلفة. (إبراهيم محمود الصغير) وكان هذا المشروع مرتبطاً بمحاولة تعلمه اللغة العربية، رغبة منه في قراءة القرآن الكريم و «ألف ليلة وليلة».
يوضح حسام الخطيب في كتابه «الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة» أن هذا المصطلح بدأ يلاقي القبول بدلاً من مصطلح جمهورية الآداب الذي كان شائعا ًقبل أن يسن غوته مصطلح الأدب العالمي. (الخطيب) ومصطلح الأدب العالمي كما يعكسه إنتاج غوته يشمل، في ما يبدو لدارسيه، الوجوه التالية:
«جميع أشكال التوسط بين آداب الأمم المختلفة، سواء أتم ذلك من خلال الدراسة والتعريف، أم من خلال الترجمة؛ وبعبارة أخرى، إن الأدب العالمي، كما يفهمه غوته، من أنجع الوسائل في التأسيس لتعارف حقيقي بين الأمم والشعوب، خاصة أٔن الأدب القومي غالبا ما يفصح بصدق عن روح الأمة، أو الشعب، أو القوم، المنتجين له».. تتعقب الباحثة الصينية Yang Wuneng في مقالتها «غوته والأدب المقارن» أن غوته لم يكن كاتب دراسات، ولم يؤسس له في كتابات فكرية، بل تحدث عنه وأسس له في محادثاته، وشعره، ورواياته حيث يتضح فيها الكثير من الرؤى والملاحظات التي تؤكد أنه مؤسس الأدب المقارن. وينظر غوته إلى الشعر على أنه أحد أهم الأجناس الأدبية التي تأخذ طابع العالمية بقوله، إن الشعر ملكية كونية إنسانية. وتسلط الباحثة الضوء على اهتمام غوته بالترجمة الأدبية في مقالاته ونقاشاته، وأن هذه الرؤى مؤثرة حتى الآن ولافتة في دراسات الترجمة الأدبية. توضح Yang Wuneng أيضاً أن مفهوم «الأدب العالمي» له بعدان مهمان: الأول، أنه يدعو إلى التسامح من خلال قراءة الأمم لبعضها بعضاً، والثاني، أن الأدب هو الوحيد الذي ينتمي إلى الإنسانية. يناقش عبد النبي اصطيف في مقالته «الأدب العالمي: مفهوم غوته» عدداً من الأفكار حول مفهوم الأدب العالمي مبيناً أن غوته ليس أول من سن المصطلح، بل سبقه إلى ذلك المؤرخ لودفيغ شلوترز August Ludwig von Schlözer في كتابه «الأدب والتاريخ الآيسلنديان» (1773). إلا أن شهرة المصطلح في أوروبا تحققت مع غوته وتداوله لهذا المصطلح في كتاباته ورسائله، حيث ذكره في يومياته عام 1827.
يشير اصطيف إلى أن مصطلح «الأدب العالمي» عند غوته لم ينج من تبعيته للمركزية الأوروبية التي يحاول الأدب المقارن باتجاهاته الحديثة النجاة منها معتمداً على قول غوته التالي في مجلته «الآثار والفن»: «أود شخصياً، على أي حال، أن أجعل أصدقائي على وعي بأني مقتنع بأن أدباً عالمياً كونياً في طور التأسيس، حجز لنا فيه، نحن الألمان، دوراً مشرفاً. الأمم كلها تُلاحظنا، إنها تمدح وتنتقد، تقبل وترفض، تحاكي وتشوه، تفهمنا أو تسيء فهمنا، وتفتح قلوبها لشؤوننا أو تُغلقها دونها. علينا أن نقبل هذا برباطة جأش لأنه ذو قيمة عظيمة بالنسبة لنا». (عبدالنبي اصطيف)
أريد أن أدخل في مرة الحداة/ وأن أجدد نشاي في ظلال الواحات/ حين أرتحل في رفقة القافلة/ متجرا في الشيلان والبن والمسك/ وفي رغبتي في أن أسلك كل سبيل:/ من البادية (الصحراء) إلى الحضر (المدينة) ومن الحضر إلى البادية.
غوته والأدب العربي
يبين تركي المغيض في دراسته «صورة الآخر في أدب غوته» أن غوته يمثل المرحلة الرومانسية في الغرب في نظرته إلى الشرق إذ أن صورة الشرق مشرقة في أدبه، كما أنه صور الشرق على أنه دواء لكل ما تعانيه الحضارة الغربية بسبب صعود الحضارة المادية الغربية، وظهور المدن الصناعية. يبدأ غوته محاولته لفهم الشرق العربي والإسلام بتوضيح أن أي محاولة لفهم الشرق، لا بد أن تنبثق من مقارنة الشرق بنفسه، بدلاً من مقارنة الأدب الشرقي بالإغريقي والروماني. كما يدعو لقراءة الأدب باللغة الأم من دون ترجمات، حيث يقول إنه علينا أن «نستشرق وليس على الشرق أن يأتي إلينا». (سلوم)
بدأت علاقة غوته مع الأدب العربي بالإعجاب بالشعر الجاهلي، المعلقات تحديداً، موضحا في كتاباته طبيعة المعلقات وأهميتها عند العرب، وبين الموضوعات التي تتناولها المعلقات في «الديوان الشرقي الغربي»: «نعطي فكرة عن شعب بدوي راع، محارب، تمزقه من الداخل المنازعات بين القبائل التي يصارع بعضها بعضاً، وتعبر عن التعلق الراسخ بالرجال الذين هم من العصر نفسه». يؤكد غوته أن هذا الشعر يحتوي على قيم الشرف والشجاعة والوفاء. وتطرق في كتابه إلى موضوع الهجاء في الثقافة العربية قديماً، إلا أن غوته قدم فهماً آخر للهجاء الذي يرمي إلى محاربة القبح في هذا العالم، وعدم تجاور الجميل والقبيح معاً.
حسب داود سلوم، فإن غوته يعلي من شأن عبقرية الشاعر العربي الذي كتب معلقات طوال مبدعاً في الكتابة ومطوعاً الوزن والقافية دون مشقة. يقول غوته: «تتخذ أشعارهم مظهر المنظومات المقفاة، وهو نوع يحتاج إلى عبقريات من الطراز الأول». (سلوم). يرى غوته أن العرب أنعم الله عليهم بنعم عظيمة مثل الخيمة والعمامة، والسيف والشعر بعنوان «النعم الأربع»: بلادهم الشاسعة في ُيسر وحبور، حباهم الله من النعم أربعا حتى يكونوا في السلم آمنين، وهبهم «العمامة» التي تزين خيرا من تيجان الملوك أجمعين و«خياما» فيها يقيمون ويتنقلون، ثم وهبهم الله «سيفاً» يحمي ويذود خيراً مما يفعل السور العالي والصخرة الصيخود، كما منحهم «قصيداً» يُشجي وقصيداً يفيد تتلهف شوقاً إليه نفوس الغيد. (تركي المغيض)
وفي مواضيع الغزل، كتب عن أشواقه ومعاناته في الحب، حيث أحب – في سن متأخرة – امرأة تدعى مريانه فيلمان متأثراً بطريقة الشعراء العرب في المعلقات، كما يتضح أصداء لشخصيات الإغريق والرومان في النص نفسه: «دعوني أبك، محاطاً بالليل في الخلوات الشاسعة بغير حدود الجمال راقدة، والحداة كذلك راقدون دعوني أبك، فليس في هذا عار، فالرجال الذين يبكون أخيار ألم يبك – آخيل على حبيبته بريساس واكسركس بكى على الناجين من جيشه وعلى خليله الذي قتله بيده، بكى الإسكندر دعوني أبك، فإن الدموع تحيي التراب وها هو ذا يخضوضر. (تركي المغيض)
ويتضح التأثر هنا بامرئ القيس في قصيدة «قفا نبك» حيث يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ويتضح أن الأرض تخضر من دموع العاشق غوته، فيما الشاعر امرئ القيس يشفى من آلام الشوق بالبكاء. يتعقب تركي المغيض نصوص غوته المتأثرة بالشعر العربي القديم، ويوضح اهتمامه بالشاعر العربي تأبط شراً، إذ وجد فيه رمزاً للبطولة والشجاعة والتمرد على الظلم، واستمد منه قوة تدفعه للاستمرار بالعطاء، خصوصاً بعد موت صديقه شيللي الذي أثر فيه.
واجه غوته موجة من الاتهامات من المحيطين به لـما كانوا يرونه متغطرساً ومتكبراً، وغريباً عن الانتماء الديني والوطني، فرد عليهم بالنص التالي:
أريد أن أدخل في مرة الحداة/ وأن أجدد نشاي في ظلال الواحات/ حين أرتحل في رفقة القافلة/ متجرا في الشيلان والبن والمسك/ وفي رغبتي في أن أسلك كل سبيل:/ من البادية (الصحراء) إلى الحضر (المدينة) ومن الحضر إلى البادية. لقد حاول غوته أن يسن مفهوماً للأدب العالمي ليقارب بين وجهات النظر واحترام الثقافات الأخرى، وتبعه الكثير من الأدباء في هذا المسار، مثل الأديب اللبناني أمين معلوف في العديد من رواياته، والناقد الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في تأسيس دراسة الآخر في كتابه «الاستشراق والثقافة والإمبريالية»، والسلسلة طويلة من الجهود الأدبية والفكرية المخلصة في تقريب وجهات النظر وطرح مفاهيم التعايش. لماذا، ونحن الآن نبتعد عن غوته، بما يقارب المئتي عام، نخوض الصراعات والحروب تحت مسميات عديدة للهويات الطائفية والقبلية والقومية؟
كاتبة كويتية
يُرجع داوود سلوم اهتمام غوته بالحضارة الشرقية إلى أنها تعوض الغربيين -الذين كانوا تعبوا من ويلات الحروب والصراعات- بدفقة رومانسية لعوالم من الحلم والخيال، لكن هذا الشغف لم يحل بين غوته وفهمه الثقافة الشرقية بإدراك ووعي لافتين. من الأمور اللافتة هنا أن غوته اعترف في تعليقاته على «الديوان الشرقي » بأثر الشرق في لغات الغرب، وضرورة الاعتراف به ورد الجميل حيث يقول: «في الوقت الذي فيه تثرى لغتنا بالكثير مما استعرناه من الشرق، فإنه من المناسب من ناحيتنا أن نسعى لتوجيه الانتباه إلى عالم وصلتنا منه منذ آلاف السنين أشياء كثيرة وجميلة وخيرة». (داوود سلوم)
غوته والأدب العالمي
يمثل مسمى الأدب العالمي نقطة انطلاق مهمة في دراسات الأدب المقارن. وظهر هذا الاتجاه مع المدرسة الألمانية من خلال جهود غوته، ومن خلال المصطلح نفسه في المدرسة الأمريكية. لقد اكتسب هذا المفهوم قبولاً أكبر بعد حدوث كثير من التفاعلات الثقافية والتلاقحات الفكرية بين الأمم والشعوب، التي ازدادت في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهذا الأمر جعل إنتاج هذه الشعوب مجتمعة ملكاً عاماً للإنسانية. يحدد فؤاد مرعي في كتابه «محاضرات في الأدب المقارن» مفهوم الأدب العالمي وفق الدلالات التالية:
الأولى تنظر إلى الأدب العالمي بوصفه أدب العالم كله، وتاريخه هو مجمل تواريخ الآداب القومية المضموم بعضها إلى بعض. أما الثانية فهي تعتبره مجموعة مختارة من أفضل ما أنتجته الآداب القومية، والثالثة تنظر إليه على أنه مجموع الإبداعات المتعالقة والمتماثلة من الآداب القومية. (فؤاد مرعي)
يوضح مرعي أن هذه الدلالات الثلاث واسعة ومطاطة ولا تمثل تماماً ماهية الأدب العالمي، إذ يرى أنه مفهوم تاريخي يمر بتحولات أدبية كبيرة، أو صغيرة تجعله مفهوماً متغيراً، ونسبياً وليس جامداً، وأي محاولة تفسير تخضع لما يلي: «التبدلات الحاصلة في مسيرة تطور الأدب المعني نفسه، ووفق التصورات النظرية لتطور الظواهر الأدبية. (مرعي)
يبين إبراهيم محمود الصغير في دراسته «العرب والإسلام عند غوته»، أن غوته هو أول من أدخل مصطلح «الأدب العالمي» في التاريخ والأدب والفكر والفلسفة بحثاً عن التسامح وقبول الآخر بدلاً من العنصرية، وهو لا يفترض أن الأدب العالمي يكون متشابهاً متماثلاً، بل يؤسس لفكر الاختلاف والتنوع في آداب الشعوب المختلفة. (إبراهيم محمود الصغير) وكان هذا المشروع مرتبطاً بمحاولة تعلمه اللغة العربية، رغبة منه في قراءة القرآن الكريم و «ألف ليلة وليلة».
يوضح حسام الخطيب في كتابه «الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة» أن هذا المصطلح بدأ يلاقي القبول بدلاً من مصطلح جمهورية الآداب الذي كان شائعا ًقبل أن يسن غوته مصطلح الأدب العالمي. (الخطيب) ومصطلح الأدب العالمي كما يعكسه إنتاج غوته يشمل، في ما يبدو لدارسيه، الوجوه التالية:
«جميع أشكال التوسط بين آداب الأمم المختلفة، سواء أتم ذلك من خلال الدراسة والتعريف، أم من خلال الترجمة؛ وبعبارة أخرى، إن الأدب العالمي، كما يفهمه غوته، من أنجع الوسائل في التأسيس لتعارف حقيقي بين الأمم والشعوب، خاصة أٔن الأدب القومي غالبا ما يفصح بصدق عن روح الأمة، أو الشعب، أو القوم، المنتجين له».. تتعقب الباحثة الصينية Yang Wuneng في مقالتها «غوته والأدب المقارن» أن غوته لم يكن كاتب دراسات، ولم يؤسس له في كتابات فكرية، بل تحدث عنه وأسس له في محادثاته، وشعره، ورواياته حيث يتضح فيها الكثير من الرؤى والملاحظات التي تؤكد أنه مؤسس الأدب المقارن. وينظر غوته إلى الشعر على أنه أحد أهم الأجناس الأدبية التي تأخذ طابع العالمية بقوله، إن الشعر ملكية كونية إنسانية. وتسلط الباحثة الضوء على اهتمام غوته بالترجمة الأدبية في مقالاته ونقاشاته، وأن هذه الرؤى مؤثرة حتى الآن ولافتة في دراسات الترجمة الأدبية. توضح Yang Wuneng أيضاً أن مفهوم «الأدب العالمي» له بعدان مهمان: الأول، أنه يدعو إلى التسامح من خلال قراءة الأمم لبعضها بعضاً، والثاني، أن الأدب هو الوحيد الذي ينتمي إلى الإنسانية. يناقش عبد النبي اصطيف في مقالته «الأدب العالمي: مفهوم غوته» عدداً من الأفكار حول مفهوم الأدب العالمي مبيناً أن غوته ليس أول من سن المصطلح، بل سبقه إلى ذلك المؤرخ لودفيغ شلوترز August Ludwig von Schlözer في كتابه «الأدب والتاريخ الآيسلنديان» (1773). إلا أن شهرة المصطلح في أوروبا تحققت مع غوته وتداوله لهذا المصطلح في كتاباته ورسائله، حيث ذكره في يومياته عام 1827.
يشير اصطيف إلى أن مصطلح «الأدب العالمي» عند غوته لم ينج من تبعيته للمركزية الأوروبية التي يحاول الأدب المقارن باتجاهاته الحديثة النجاة منها معتمداً على قول غوته التالي في مجلته «الآثار والفن»: «أود شخصياً، على أي حال، أن أجعل أصدقائي على وعي بأني مقتنع بأن أدباً عالمياً كونياً في طور التأسيس، حجز لنا فيه، نحن الألمان، دوراً مشرفاً. الأمم كلها تُلاحظنا، إنها تمدح وتنتقد، تقبل وترفض، تحاكي وتشوه، تفهمنا أو تسيء فهمنا، وتفتح قلوبها لشؤوننا أو تُغلقها دونها. علينا أن نقبل هذا برباطة جأش لأنه ذو قيمة عظيمة بالنسبة لنا». (عبدالنبي اصطيف)
أريد أن أدخل في مرة الحداة/ وأن أجدد نشاي في ظلال الواحات/ حين أرتحل في رفقة القافلة/ متجرا في الشيلان والبن والمسك/ وفي رغبتي في أن أسلك كل سبيل:/ من البادية (الصحراء) إلى الحضر (المدينة) ومن الحضر إلى البادية.
غوته والأدب العربي
يبين تركي المغيض في دراسته «صورة الآخر في أدب غوته» أن غوته يمثل المرحلة الرومانسية في الغرب في نظرته إلى الشرق إذ أن صورة الشرق مشرقة في أدبه، كما أنه صور الشرق على أنه دواء لكل ما تعانيه الحضارة الغربية بسبب صعود الحضارة المادية الغربية، وظهور المدن الصناعية. يبدأ غوته محاولته لفهم الشرق العربي والإسلام بتوضيح أن أي محاولة لفهم الشرق، لا بد أن تنبثق من مقارنة الشرق بنفسه، بدلاً من مقارنة الأدب الشرقي بالإغريقي والروماني. كما يدعو لقراءة الأدب باللغة الأم من دون ترجمات، حيث يقول إنه علينا أن «نستشرق وليس على الشرق أن يأتي إلينا». (سلوم)
بدأت علاقة غوته مع الأدب العربي بالإعجاب بالشعر الجاهلي، المعلقات تحديداً، موضحا في كتاباته طبيعة المعلقات وأهميتها عند العرب، وبين الموضوعات التي تتناولها المعلقات في «الديوان الشرقي الغربي»: «نعطي فكرة عن شعب بدوي راع، محارب، تمزقه من الداخل المنازعات بين القبائل التي يصارع بعضها بعضاً، وتعبر عن التعلق الراسخ بالرجال الذين هم من العصر نفسه». يؤكد غوته أن هذا الشعر يحتوي على قيم الشرف والشجاعة والوفاء. وتطرق في كتابه إلى موضوع الهجاء في الثقافة العربية قديماً، إلا أن غوته قدم فهماً آخر للهجاء الذي يرمي إلى محاربة القبح في هذا العالم، وعدم تجاور الجميل والقبيح معاً.
حسب داود سلوم، فإن غوته يعلي من شأن عبقرية الشاعر العربي الذي كتب معلقات طوال مبدعاً في الكتابة ومطوعاً الوزن والقافية دون مشقة. يقول غوته: «تتخذ أشعارهم مظهر المنظومات المقفاة، وهو نوع يحتاج إلى عبقريات من الطراز الأول». (سلوم). يرى غوته أن العرب أنعم الله عليهم بنعم عظيمة مثل الخيمة والعمامة، والسيف والشعر بعنوان «النعم الأربع»: بلادهم الشاسعة في ُيسر وحبور، حباهم الله من النعم أربعا حتى يكونوا في السلم آمنين، وهبهم «العمامة» التي تزين خيرا من تيجان الملوك أجمعين و«خياما» فيها يقيمون ويتنقلون، ثم وهبهم الله «سيفاً» يحمي ويذود خيراً مما يفعل السور العالي والصخرة الصيخود، كما منحهم «قصيداً» يُشجي وقصيداً يفيد تتلهف شوقاً إليه نفوس الغيد. (تركي المغيض)
وفي مواضيع الغزل، كتب عن أشواقه ومعاناته في الحب، حيث أحب – في سن متأخرة – امرأة تدعى مريانه فيلمان متأثراً بطريقة الشعراء العرب في المعلقات، كما يتضح أصداء لشخصيات الإغريق والرومان في النص نفسه: «دعوني أبك، محاطاً بالليل في الخلوات الشاسعة بغير حدود الجمال راقدة، والحداة كذلك راقدون دعوني أبك، فليس في هذا عار، فالرجال الذين يبكون أخيار ألم يبك – آخيل على حبيبته بريساس واكسركس بكى على الناجين من جيشه وعلى خليله الذي قتله بيده، بكى الإسكندر دعوني أبك، فإن الدموع تحيي التراب وها هو ذا يخضوضر. (تركي المغيض)
ويتضح التأثر هنا بامرئ القيس في قصيدة «قفا نبك» حيث يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ويتضح أن الأرض تخضر من دموع العاشق غوته، فيما الشاعر امرئ القيس يشفى من آلام الشوق بالبكاء. يتعقب تركي المغيض نصوص غوته المتأثرة بالشعر العربي القديم، ويوضح اهتمامه بالشاعر العربي تأبط شراً، إذ وجد فيه رمزاً للبطولة والشجاعة والتمرد على الظلم، واستمد منه قوة تدفعه للاستمرار بالعطاء، خصوصاً بعد موت صديقه شيللي الذي أثر فيه.
واجه غوته موجة من الاتهامات من المحيطين به لـما كانوا يرونه متغطرساً ومتكبراً، وغريباً عن الانتماء الديني والوطني، فرد عليهم بالنص التالي:
أريد أن أدخل في مرة الحداة/ وأن أجدد نشاي في ظلال الواحات/ حين أرتحل في رفقة القافلة/ متجرا في الشيلان والبن والمسك/ وفي رغبتي في أن أسلك كل سبيل:/ من البادية (الصحراء) إلى الحضر (المدينة) ومن الحضر إلى البادية. لقد حاول غوته أن يسن مفهوماً للأدب العالمي ليقارب بين وجهات النظر واحترام الثقافات الأخرى، وتبعه الكثير من الأدباء في هذا المسار، مثل الأديب اللبناني أمين معلوف في العديد من رواياته، والناقد الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في تأسيس دراسة الآخر في كتابه «الاستشراق والثقافة والإمبريالية»، والسلسلة طويلة من الجهود الأدبية والفكرية المخلصة في تقريب وجهات النظر وطرح مفاهيم التعايش. لماذا، ونحن الآن نبتعد عن غوته، بما يقارب المئتي عام، نخوض الصراعات والحروب تحت مسميات عديدة للهويات الطائفية والقبلية والقومية؟
كاتبة كويتية


