اغتيال السيد خامنئي: الوقائع والمآلات
نيسان ـ نشر في 2026-03-02 الساعة 13:13
نيسان ـ في الظروف الخطيرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط لم يعد السؤال هو: ما مستقبل إيران بعد اغتيال مرشدها الأعلى، بل ما مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة. وربما السؤال الأهم: ما مستقبل العالم الذي تحلم به الأجيال بعد أن أصبحت كبرى دول العالم تمارس في وضح النهار جرائم الاغتيال والخطف وينخرط كبار قادتها في الانحراف الأخلاقي؟
لقد حدث مشهد درامي خطير: ففي إحدى الزوايا المظلمة من عالم تمّ تحويله إلى غرفة يمارس فيها الكبار ألاعيبهم وجرائمهم، ارتفع بريق اعتقد البعض أنه نور الفجر، ولكن سرعان ما اتضح أنه وهج نيران الصواريخ والحمم التي تستهدف أمن العالم واستقراره. وهكذا تتبدد آمال من ينتظر ظهور عالم محكوم بالقانون والعدل والاحترام المتبادل والأخلاق الرفيعة، ويحل محلها مشاعر الإحباط واليأس. فعندما يتم اغتيال الفقهاء وعلماء الفيزياء والكيمياء والذرّة على أيدي قطّاع الطرق، كيف يأمن الناس على حياتهم أو يحلمون بغدٍ مشرق لا مكان فيه للجريمة والابتزاز والنهب والانحراف؟
حين تصبح كلمة الفيلسوف والعالم والمخترع غير ذات شان في توجيه المسيرة البشرية، ويتم استبدالها بكلمات شُذّاذ الآفاق والمُرابين، ما الذي بقي من قيمة للعقل الذي خلقه الله وخاطبه كما جاء في الحديث القدسي: بك أثيب وبك أعاقب. وحين تمر جرائم قتل الأبرياء بدون عقاب أو تبعة حقيقية، تصبح البشرية محكومة بلغة الغاب حقّا. عندما يصبح الشيخ الفلسطيني المعوّق، أحمد ياسين، هدفا للقتلة وهو عائد من صلاة الفجر في غزّة (22 مارس 2004) تتلاشى القيم الإنسانية ويصبح الكل متهما بجريمة القتل التي أودت بحياة جميع من كان معه بعد أن أدّوا الصّلاة الأخيرة في هذا العالم. ولكن ربما العبرة الأخرى أن قتل الشخص لا يعني قتل الأمّة أو انتهاء القضيّة أو هزيمة الأخيار. كما لا يعني اليأس من رَوح الله «فإنه لا ييأس من رَوح الله إلّا القوم الكافرون». ألم يعُد يوسفُ لأبيه بعد غياب طويل؟ ألم يسترجع يعقوبُ بصره؟ ألم يصبح ذلك الفتى الموؤود في البئر مسؤولا عن الخزينة في حكومة العزيز؟
لطالما ظن البعض أن منطق الحوار والتفاوض سوف يمنع حدوث الحروب وينهي التدمير العبثي الذي يمارسه البعض بروح شرّيرة، ولكن لم يعد خافيا أن ذلك المنطق ليس له مكان في عالم اليوم. فالكيان الأكبر الذي ساهمت في بنائه العقول المتطلّعة لإنهاء الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، متمثلا بالأمم المتحدة أصبح مهمّشا تماما، ولا يستطيع أن ينطق بما يزعج حاملي السلاح الذين أنفقوا الأموال لإقامة امبراطورية الشرّ التي لا يهمها مآل البشر، ولا يقلقها ألم المشرّدين من أوطانهم بعد أن احتُلّت من قبل العصابات التي تلطّخت أيديها بدماء الأبرياء وامتلأت بطونها من أموال السحت، ولم تعد عقولها قادرة على التفكير وفق المنطق الإنساني السويّ. فلم تلتزم أمريكا يوما بالقرارات الدولية أو تقبل بالأمم المتحدة ككيان يجمع دول العالم تحت مظلّة واحدة تتفاوض في ما بينها على قدم المساواة. ألم يكن هذا الكيان حلم الأجيال التي أنهكتها الحربان العالميتان على مدى ثلاثين عاما؟ فكيف ستعيش شعوب العالم في ظروف ترفض الأطراف التي تمتلك السلاح النووي مبدأ التحكيم الدولي؟ إنها عقلية الهيمنة البغيضة والاتكاء على السلاح ليكون الفيصل في كل أمور الخلاف والاختلاف. فأين هي العقول المفكّرة في الغرب عن رفع الصوت ضد المآلات السوداء التي تتجه الإنسانية نحوها تحت حكم حفنة من الموتورين الذين يبحث بعضهم عن مخارج من مآزقهم الشخصية وجرائمهم الجنسية الموثقة بالإفادات وربما الصور؟
الواضح أن إيران تمثل الضحية الأولى في هذا المشهد الدرامي، بعد أن تعرّضت لمحاولات تحجيمها بإضعاف امتداداتها الإقليمية وفرض حصار اقتصادي وعسكري عليها
لم يحدث اغتيال المرشد الإيراني في ظروف انقطاع كامل للتواصل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بل حدث في ظل استمرار مفاوضاتهما في جنيف حول المشروع النووي الإيراني الذي أحيط بقدر كبير من المبالغة والتخويف وهو ما يزال في مهده. هذا في الوقت الذي تشير فيه التقديرات الدولية، بما في ذلك تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حتى عام 2024، إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تضم حوالي 90 رأساً حربياً نووياً. بينما تلتزم إسرائيل بسياسة «الغموض النووي» ولا تؤكد أو تنفي امتلاكها لهذه الأسلحة، وتعتمد على تطوير البلوتونيوم في مفاعل ديمونة بصحراء النقب. لماذا تصرّ أمريكا والدول الأوروبية على إبقاء هذا الكيان متفوقا بشكل دائم ونوعي على كافة الدول العربية؟ الأمر المؤكد أن الكيان السياسي الغربي الأعور لا ينظر إلّا بعين واحدة ولا يمتلك أي قدر من العدالة عند الحديث عن المخاطر الأمنية التي يواجهها العالم، في حقبة مكتظة بالأزمات. لذلك لا يوجّه اللوم للصمت الأوروبي على الدور الذي تمارسه أمريكا في العالم، ومشاركتها في اغتيال زعيم ديني وسياسي لبلد محدود الإمكانات ومهدد بالتدخل الخارجي والاغتيالات والحصار السياسي والاقتصادي، بل يتصرّف وكأنه أمر غير ذي شأن على صعيد الأمن والسلام الدوليين.
كانت المفاوضات بين أمريكا وإيران حول المشروع النووي تمر بواحدة من أخطر المراحل، وكانت تجري في أجواء ملبّدة بسحب الحرب التي شنّها التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران. إنها حرب لا تحظى بدعم دولي بل تعتبر عدوانا وتهديدا خطيرا ليس لأمن المنطقة فحسب بل لأمن العالم. وليس هناك من يبرّر قرار ترامب إشعال نيرانها، خصوصا في ظل استمرار المفاوضات التي انطلقت في قطر منذ بضعة أسابيع. ويصعب التنبّؤ بمآلات هذه الحرب بعد أن أدهشت ردّة الفعل الإيرانية على انطلاق العدوان بقوّة عسكرية غير متوقّعة. وسوف يُسجّل لأمريكا أن أولى ضرباتها أصابت مدرسة للأطفال وقتلت أكثر من 50 منهم. وقد شهدت السنوات الأخيرة حملة سياسية وأمنية استهدفت إيران بشكل خاص، لإضعافها من الداخل بأنشطة سرّيّة ومنظّمة لدفعها لتقديم تنازلات كبيرة في تلك المفاوضات التي اتضح الآن أنها كانت غطاء للحرب. وبشكل تدريجي تحوّلت هذه المفاوضات من التركيز على الملف النووي إلى مسرح لمحاكمة إيران عمليّا خصوصا لمواقفها تجاه قضية فلسطين. إنها العقلية التي تهدف للهيمنة على المنطقة بإقناع العالم أن قضية فلسطين قد انتهت وأن على العالم العربي الاستعداد للعيش في «العصر الامريكي ـ الإسرائيلي» بدون مناقشة. ومع غياب القيادات العربية والإسلامية المستعدّة للتصدّي للقوى الطامعة في المنطقة، تشعر دول التحالف المذكور بنشوة غير مسبوقة، مدعومة بتواجد الأساطيل الأمريكية في المحيط الهندي وبحر العرب بالإضافة لمنطقة الخليج.
الواضح أن إيران تمثل الضحية الأولى في هذا المشهد الدرامي، بعد أن تعرّضت لمحاولات تحجيمها بإضعاف امتداداتها الإقليمية وفرض حصار اقتصادي وعسكري عليها، واغتيال زعمائها وآخرهم آية الله خامنئي، وتمويل معارضي نظامها. يضاف إلى ذلك استهدافها أمنيا باستهداف منشآتها الحيوية، تارة بالقصف الذي يقوم به التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي وأخرى بالتفجيرات الداخلية. ولكن الشعوب العربية الأخرى ليست بمنأى عن أعمال الانتقام إذا استمرت في رفضها الاحتلال والهيمنة. وكان اغتيال المرشد الأعلى آخر الاستهدافات للجمهورية الإسلامية. فقد سبقها إشعال حريق في 26 فبراير في مجمّع صناعي بمدينة عبادان بجنوب إيران، لإنتاج المواد الخام البلاستيكية. وسبقه حريق آخر في سوق بحيّ جنة آباد غرب طهران وذلك في الثالث من فبراير.، وهي منطقة تعج بالأكشاك والمتاجر. وما أكثر العمليات التي استهدفت زعماء إيران وقادتها العسكريين. وفي العام الماضي تمت تصفية الصف الأول لقواتها العسكرية في ضربة واحدة بدون أن يصدر أي موقف دولي فاعل لمنع الاعتداءات التي تحدث بدون تفويض دولي. بل أن زعماءها، وفي مقدمتهم الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيتها أمير حسين عبد اللهيان وآخرون قتلوا في 19 مايو 2024 بزرع أجهزة تفجير في طائرتهم. واستمرت أمريكا في أعمالها الخارجة عن القانون حتى بلغت خطف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو وزوجته، قبل شهرين.
قبل أسبوع تحدث الرئيس الأمريكي في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس يوم الثلاثاء الماضي، قائلا إن طهران «تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريبا» إلى الولايات المتحدة، ولكن اعتبرت تقارير استخباراتية أن ذلك أمر «مبالغ فيه». وقالت: « لا توجد «أي تغييرات» في تقييم رُفعت عنه السرّيّة لوكالة المخابرات العسكرية الأمريكية لعام 2025، ويفيد بأن إيران قد تحتاج حتى العام 2035 لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات يكون صالحا للاستخدام العسكري من مركبات الإطلاق الفضائية التي لديها حاليا. لذلك جاء اغتيال المرشد الأعلى خارج هذه السياقات، واعتبر خطوة أخرى ضمن استراتيجية القضاء على أيّ تحدٍّ يمكن أن يؤثّر على الأمن الإسرائيلي.
لقد حدث مشهد درامي خطير: ففي إحدى الزوايا المظلمة من عالم تمّ تحويله إلى غرفة يمارس فيها الكبار ألاعيبهم وجرائمهم، ارتفع بريق اعتقد البعض أنه نور الفجر، ولكن سرعان ما اتضح أنه وهج نيران الصواريخ والحمم التي تستهدف أمن العالم واستقراره. وهكذا تتبدد آمال من ينتظر ظهور عالم محكوم بالقانون والعدل والاحترام المتبادل والأخلاق الرفيعة، ويحل محلها مشاعر الإحباط واليأس. فعندما يتم اغتيال الفقهاء وعلماء الفيزياء والكيمياء والذرّة على أيدي قطّاع الطرق، كيف يأمن الناس على حياتهم أو يحلمون بغدٍ مشرق لا مكان فيه للجريمة والابتزاز والنهب والانحراف؟
حين تصبح كلمة الفيلسوف والعالم والمخترع غير ذات شان في توجيه المسيرة البشرية، ويتم استبدالها بكلمات شُذّاذ الآفاق والمُرابين، ما الذي بقي من قيمة للعقل الذي خلقه الله وخاطبه كما جاء في الحديث القدسي: بك أثيب وبك أعاقب. وحين تمر جرائم قتل الأبرياء بدون عقاب أو تبعة حقيقية، تصبح البشرية محكومة بلغة الغاب حقّا. عندما يصبح الشيخ الفلسطيني المعوّق، أحمد ياسين، هدفا للقتلة وهو عائد من صلاة الفجر في غزّة (22 مارس 2004) تتلاشى القيم الإنسانية ويصبح الكل متهما بجريمة القتل التي أودت بحياة جميع من كان معه بعد أن أدّوا الصّلاة الأخيرة في هذا العالم. ولكن ربما العبرة الأخرى أن قتل الشخص لا يعني قتل الأمّة أو انتهاء القضيّة أو هزيمة الأخيار. كما لا يعني اليأس من رَوح الله «فإنه لا ييأس من رَوح الله إلّا القوم الكافرون». ألم يعُد يوسفُ لأبيه بعد غياب طويل؟ ألم يسترجع يعقوبُ بصره؟ ألم يصبح ذلك الفتى الموؤود في البئر مسؤولا عن الخزينة في حكومة العزيز؟
لطالما ظن البعض أن منطق الحوار والتفاوض سوف يمنع حدوث الحروب وينهي التدمير العبثي الذي يمارسه البعض بروح شرّيرة، ولكن لم يعد خافيا أن ذلك المنطق ليس له مكان في عالم اليوم. فالكيان الأكبر الذي ساهمت في بنائه العقول المتطلّعة لإنهاء الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، متمثلا بالأمم المتحدة أصبح مهمّشا تماما، ولا يستطيع أن ينطق بما يزعج حاملي السلاح الذين أنفقوا الأموال لإقامة امبراطورية الشرّ التي لا يهمها مآل البشر، ولا يقلقها ألم المشرّدين من أوطانهم بعد أن احتُلّت من قبل العصابات التي تلطّخت أيديها بدماء الأبرياء وامتلأت بطونها من أموال السحت، ولم تعد عقولها قادرة على التفكير وفق المنطق الإنساني السويّ. فلم تلتزم أمريكا يوما بالقرارات الدولية أو تقبل بالأمم المتحدة ككيان يجمع دول العالم تحت مظلّة واحدة تتفاوض في ما بينها على قدم المساواة. ألم يكن هذا الكيان حلم الأجيال التي أنهكتها الحربان العالميتان على مدى ثلاثين عاما؟ فكيف ستعيش شعوب العالم في ظروف ترفض الأطراف التي تمتلك السلاح النووي مبدأ التحكيم الدولي؟ إنها عقلية الهيمنة البغيضة والاتكاء على السلاح ليكون الفيصل في كل أمور الخلاف والاختلاف. فأين هي العقول المفكّرة في الغرب عن رفع الصوت ضد المآلات السوداء التي تتجه الإنسانية نحوها تحت حكم حفنة من الموتورين الذين يبحث بعضهم عن مخارج من مآزقهم الشخصية وجرائمهم الجنسية الموثقة بالإفادات وربما الصور؟
الواضح أن إيران تمثل الضحية الأولى في هذا المشهد الدرامي، بعد أن تعرّضت لمحاولات تحجيمها بإضعاف امتداداتها الإقليمية وفرض حصار اقتصادي وعسكري عليها
لم يحدث اغتيال المرشد الإيراني في ظروف انقطاع كامل للتواصل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بل حدث في ظل استمرار مفاوضاتهما في جنيف حول المشروع النووي الإيراني الذي أحيط بقدر كبير من المبالغة والتخويف وهو ما يزال في مهده. هذا في الوقت الذي تشير فيه التقديرات الدولية، بما في ذلك تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) حتى عام 2024، إلى أن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية تضم حوالي 90 رأساً حربياً نووياً. بينما تلتزم إسرائيل بسياسة «الغموض النووي» ولا تؤكد أو تنفي امتلاكها لهذه الأسلحة، وتعتمد على تطوير البلوتونيوم في مفاعل ديمونة بصحراء النقب. لماذا تصرّ أمريكا والدول الأوروبية على إبقاء هذا الكيان متفوقا بشكل دائم ونوعي على كافة الدول العربية؟ الأمر المؤكد أن الكيان السياسي الغربي الأعور لا ينظر إلّا بعين واحدة ولا يمتلك أي قدر من العدالة عند الحديث عن المخاطر الأمنية التي يواجهها العالم، في حقبة مكتظة بالأزمات. لذلك لا يوجّه اللوم للصمت الأوروبي على الدور الذي تمارسه أمريكا في العالم، ومشاركتها في اغتيال زعيم ديني وسياسي لبلد محدود الإمكانات ومهدد بالتدخل الخارجي والاغتيالات والحصار السياسي والاقتصادي، بل يتصرّف وكأنه أمر غير ذي شأن على صعيد الأمن والسلام الدوليين.
كانت المفاوضات بين أمريكا وإيران حول المشروع النووي تمر بواحدة من أخطر المراحل، وكانت تجري في أجواء ملبّدة بسحب الحرب التي شنّها التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران. إنها حرب لا تحظى بدعم دولي بل تعتبر عدوانا وتهديدا خطيرا ليس لأمن المنطقة فحسب بل لأمن العالم. وليس هناك من يبرّر قرار ترامب إشعال نيرانها، خصوصا في ظل استمرار المفاوضات التي انطلقت في قطر منذ بضعة أسابيع. ويصعب التنبّؤ بمآلات هذه الحرب بعد أن أدهشت ردّة الفعل الإيرانية على انطلاق العدوان بقوّة عسكرية غير متوقّعة. وسوف يُسجّل لأمريكا أن أولى ضرباتها أصابت مدرسة للأطفال وقتلت أكثر من 50 منهم. وقد شهدت السنوات الأخيرة حملة سياسية وأمنية استهدفت إيران بشكل خاص، لإضعافها من الداخل بأنشطة سرّيّة ومنظّمة لدفعها لتقديم تنازلات كبيرة في تلك المفاوضات التي اتضح الآن أنها كانت غطاء للحرب. وبشكل تدريجي تحوّلت هذه المفاوضات من التركيز على الملف النووي إلى مسرح لمحاكمة إيران عمليّا خصوصا لمواقفها تجاه قضية فلسطين. إنها العقلية التي تهدف للهيمنة على المنطقة بإقناع العالم أن قضية فلسطين قد انتهت وأن على العالم العربي الاستعداد للعيش في «العصر الامريكي ـ الإسرائيلي» بدون مناقشة. ومع غياب القيادات العربية والإسلامية المستعدّة للتصدّي للقوى الطامعة في المنطقة، تشعر دول التحالف المذكور بنشوة غير مسبوقة، مدعومة بتواجد الأساطيل الأمريكية في المحيط الهندي وبحر العرب بالإضافة لمنطقة الخليج.
الواضح أن إيران تمثل الضحية الأولى في هذا المشهد الدرامي، بعد أن تعرّضت لمحاولات تحجيمها بإضعاف امتداداتها الإقليمية وفرض حصار اقتصادي وعسكري عليها، واغتيال زعمائها وآخرهم آية الله خامنئي، وتمويل معارضي نظامها. يضاف إلى ذلك استهدافها أمنيا باستهداف منشآتها الحيوية، تارة بالقصف الذي يقوم به التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي وأخرى بالتفجيرات الداخلية. ولكن الشعوب العربية الأخرى ليست بمنأى عن أعمال الانتقام إذا استمرت في رفضها الاحتلال والهيمنة. وكان اغتيال المرشد الأعلى آخر الاستهدافات للجمهورية الإسلامية. فقد سبقها إشعال حريق في 26 فبراير في مجمّع صناعي بمدينة عبادان بجنوب إيران، لإنتاج المواد الخام البلاستيكية. وسبقه حريق آخر في سوق بحيّ جنة آباد غرب طهران وذلك في الثالث من فبراير.، وهي منطقة تعج بالأكشاك والمتاجر. وما أكثر العمليات التي استهدفت زعماء إيران وقادتها العسكريين. وفي العام الماضي تمت تصفية الصف الأول لقواتها العسكرية في ضربة واحدة بدون أن يصدر أي موقف دولي فاعل لمنع الاعتداءات التي تحدث بدون تفويض دولي. بل أن زعماءها، وفي مقدمتهم الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير خارجيتها أمير حسين عبد اللهيان وآخرون قتلوا في 19 مايو 2024 بزرع أجهزة تفجير في طائرتهم. واستمرت أمريكا في أعمالها الخارجة عن القانون حتى بلغت خطف رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو وزوجته، قبل شهرين.
قبل أسبوع تحدث الرئيس الأمريكي في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس يوم الثلاثاء الماضي، قائلا إن طهران «تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريبا» إلى الولايات المتحدة، ولكن اعتبرت تقارير استخباراتية أن ذلك أمر «مبالغ فيه». وقالت: « لا توجد «أي تغييرات» في تقييم رُفعت عنه السرّيّة لوكالة المخابرات العسكرية الأمريكية لعام 2025، ويفيد بأن إيران قد تحتاج حتى العام 2035 لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات يكون صالحا للاستخدام العسكري من مركبات الإطلاق الفضائية التي لديها حاليا. لذلك جاء اغتيال المرشد الأعلى خارج هذه السياقات، واعتبر خطوة أخرى ضمن استراتيجية القضاء على أيّ تحدٍّ يمكن أن يؤثّر على الأمن الإسرائيلي.
نيسان ـ نشر في 2026-03-02 الساعة 13:13
رأي: سعيد الشهابي


