اتصل بنا
 

ما بعد الحرب!!

نيسان ـ نشر في 2026-03-08 الساعة 09:01

نيسان ـ ستنتهي الحرب الجارية في المنطقة مهما طالت ومهما كانت نتائجها، لأن أياً من الأطراف لن يستطيع تحمّل استمرارها وتكلفتها إلى ما لا نهاية، لكن نهايتها لا تعني عودة المنطقة والتوازنات الدولية فيها إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها، إذ ستترك هذه الحرب شروخاً عميقة يصعب تجاوزها حتى على المدى البعيد، سياسياً وأمنياً واقتصاديا، فالارتدادات لن تقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل ستمتد إلى مجمل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، لأن إيران كانت تُعدّ أحد مراكز الثقل الإقليمي، سواء بحكم موقعها الجغرافي أو قدراتها الاقتصادية والعسكرية أو أذرع نفوذها خارج حدودها، لذلك فإن أي تغير كبير في وضعها سينعكس بصورة مباشرة على محيطها الإقليمي وعلى شكل التوازنات التي حكمت المنطقة لعقود.
على الصعيد الداخلي، ستواجه إيران تحديات كبيرة سواء بقي النظام الحالي أو حدث تغير في بنيته السياسية أو حتى سقط.. التحدي الأول سيكون إعادة بناء الدولة وتأهيل مؤسساتها لتكون دولة طبيعية في محيطها، دولة لا تحمل أجندات صدامية تجاه جيرانها، بما يفتح الباب أمام تخفيف التوترات وبناء علاقات مستقرة مع محيطها الإقليمي، كما سيكون من الضروري التأسيس لحالة من الاستقرار الداخلي تعيد توحيد الإيرانيين بعد مرحلة طويلة من الضغوط السياسية والاقتصادية ، فضلاً عن معالجة آثار الحرب على الاقتصاد والبنية التحتية، هذا إذا لم تشهد إيران ما شهدته العراق عند سقوط الدولة عام ٢٠٠٣ ومن المرجح أن تشهد البلاد بعد الحرب حالة من الاضطراب في الشارع نتيجة الضغوط الاقتصادية والتداعيات السياسية والعسكرية بغض النظر عن بقاء النظام أو زواله ، ما يعني أن أي نظام سياسي في إيران سيواجه مهمة معقدة تتمثل في ضبط الأمن الداخلي، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع مع الاشارة أن تركيبة الشعب الإيراني معقدة ومتشعبة، وإذا فشل في هذا وسيطرت الفوضى على المشهد الإيراني فهذا من شأنه ان يهدد أمن واستقرار مساحات كبيرة في المنطقة .
أما على مستوى المنطقة، فمن الطبيعي أن تتأثر دول الجوار سياسياً وأمنياً بنتائج هذه الحرب، فإيران كانت لاعباً أساسياً في موازين القوى الإقليمية حتى لو كان سلبيا، فغياب دورها أو إعادة صياغته سيؤدي بالضرورة إلى تغيرات واضحة في شبكة التحالفات والتوازنات القائمة، وإذا أُعيد تأهيل الدولة الإيرانية ، فإن ذلك سيقود إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، ستبرز إسرائيل كأحد أهم الأطراف المستفيدة من الوضع الجديد في الأقليم فالحرب في حال انتهت بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية وأنهاء نفوذها الخارجي، ستمنح إسرائيل مساحة أوسع للتحرك سياسياً وأمنياً في المنطقة، وهي التي لطالما اعتبرت المشروع الإيراني التهديد الاستراتيجي الأكبر لها، وبالتالي فإن تقليص هذا التهديد سيعزز موقعها كقوة عسكرية متفوقة في الشرق الأوسط، ويمنحها قدرة أكبر على فرض معادلات أمنية.
غير أن هذا التفوق المحتمل لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستفرض سيطرة كاملة على المنطقة، بقدر ما يعني أنها ستسعى إلى إدارة واقع إقليمي يتجاوب مع متطلباتها الأمنية ، وستحاول منع إعادة تشكل أي قوة إقليمية قادرة على تهديدها .
تسعى اسرائيل من خلال هذه الحرب إلى تعزيز مكانتها العسكرية والأمنية والإقتصادية في الشرق الأوسط، مستغلة الدعم الأمريكي السياسي والعسكري اللامحدود ، إلا أن هذا النفوذ سيبقى محكوماً بعدة عوامل اهمها وجود قوى إقليمية أخرى ، لن تقبل بسهولة بتحول المنطقة إلى مجال نفوذ أحادي.
في ضوء هذه المعطيات، قد تشهد المرحلة المقبلة إعادة تموضع إقليمي لدى عدد من الدول العربية، في محاولة للتكيف مع التوازنات الجديدة التي ستنشأ بعد الحرب، وقد يتجه بعضها إلى تعزيز التعاون الأمني الإقليمي، فيما قد تسعى دول أخرى إلى بناء علاقات أكثر توازناً مع مختلف القوى الدولية والإقليمية للحفاظ على مصالحها واستقرارها.
الولايات المتحدة سيكون لها دور مهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء على مستوى التعامل مع إيران أو في إعادة ترتيب التوازنات الأمنية في المنطقة، غير أن واشنطن لن تكون وحدها في هذه الساحة، فالصين أصبحت لاعباً اقتصادياً مهماً في الشرق الأوسط، كما أن روسيا لا تزال حاضرة سياسياً وعسكرياً في عدد من ملفات المنطقة .
إن وجود هذه القوى الكبرى سيجعل المرحلة المقبلة ساحة تنافس دولي على النفوذ والمصالح، وهو تنافس قد ينعكس بدوره على شكل التحالفات الإقليمية وطبيعة التوازنات الجديدة.
إن مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرد نهاية لصراع عسكري، بل بداية لتحولات عميقة قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي لسنوات طويلة، فالشرق الأوسط مقبل على مرحلة إعادة ترتيب شاملة في موازين القوى، وفي طبيعة العلاقات بين دوله، وفي شكل حضور القوى الدولية فيه، وبين احتمال تراجع دور قوى وصعود أخرى، ستظل المنطقة في حالة إعادة تشكل مستمرة، إلى أن تستقر على معادلات جديدة قد ترسم ملامحها لعقود قادمة .
في المجمل فإن نهاية الحرب الدائرة الأن وخروج أحد الأطراف منتصرا سيشكل عبئا على العرب فإذا صمد النظام الإيراني فسيعتبر ذلك انتصارا وسيتغول على المنطقة بكاملها وإذا انتصر الطرف الآخر وأسقط النظام الإيراني الحالي فتسود إسرائيل المنطقة والشرق الأوسط بالكامل وهذا سيكون دافعا قويا لها لإنفاذ مشاريعها في التوسع والسيطرة على كل شيء ..الاحتمالين لن يكونا في صالح العرب الذين يدفعون الآن ثمن غياب المشروع العربي الواحد مقابل المشاريع التي تتصارع على بلادهم وثرواتهم وربما وجودهم!!!

نيسان ـ نشر في 2026-03-08 الساعة 09:01


رأي: محمد حسن التل

الكلمات الأكثر بحثاً