اتصل بنا
 

ادعاءات النصر والسلام الهش

نيسان ـ نشر في 2026-04-13 الساعة 12:46

نيسان ـ لم يكن إعلان وقف إطلاق النار مساء الثامن من أبريل الجاري، حدثاً عادياً يمكن إدراجه ضمن السياق التقليدي للحروب التي تبدأ بضجيج وتنتهي ببيانات دبلوماسية باردة. فقد جاء قبل ساعة واحدة فقط من انتهاء المهلة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ملوّحاً بأن عدم استجابة طهران سيفتح الباب أمام تدمير شامل لما وصفه بـ»الحضارة الإيرانية»، في تصعيد غير مسبوق من حيث اللغة والدلالة.
هكذا بدا وقف إطلاق النار أقرب إلى لحظة اختناق جماعي عاشها العالم، وهو يترقب بقلق بالغ مآلات سلسلة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المتصاعدة، التي وصلت إلى حدود ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولم يكن هذا الخطاب مجرد حماسة ظرفية في أجواء الحرب، بل تعبيراً عن مزاج سياسي يميل إلى الحسم بالقوة، حتى لو كان الثمن الانزلاق إلى حافة الكارثة.
في تلك اللحظة تحديداً، لم يكن المشهد محكوماً فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل بتدخلات الوساطة التي بدت محاولةً لإنقاذ الجميع من الانزلاق نحو الهاوية. هنا برزت الوساطة الباكستانية، بوصفها مدخلاً حاسماً، ليس لأنها فرضت تسوية، بل لأنها قدّمت مخرجاً سياسياً يمكن أن يقبل به طرف اعتاد رفع سقف التهديدات إلى أقصى حد. لقد وفّرت هذه الوساطة، عملياً، «طوق نجاة» لواشنطن قبل أن تكون مبادرة إنقاذ لإيران، أو للمنطقة، إذ منحت الإدارة الأمريكية فرصة التراجع، من دون إعلان الهزيمة.
العالم اليوم لا يعيش حالة سلام، بل حالة تعليق للحرب، وهو وضع قد يكون أكثر خطورة، لأنه يخلق وهماً بالاستقرار فيما تستمر عوامل الانفجار بالتراكم
لكن هذا التراجع لم يكن مجانياً، بل جاء ضمن حزمة شروط أمريكية لوقف إطلاق النار تمحورت حول تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني، وضبط برنامجها الصاروخي، والعودة إلى طاولة التفاوض النووي بشروط أكثر تشدداً، إضافة إلى ضمانات تتعلق بأمن الملاحة في الخليج، ولاسيما مضيق هرمز. في المقابل، طرحت طهران ما عُرف بـ»الشروط العشرة»، التي شملت التعهد بعدم شن عدوان عسكري جديد، ودفع تعويضات عن الخسائر، ورفع كامل للعقوبات، والاعتراف بحقها في تطوير برنامجها الدفاعي، فضلاً عن ضمان عدم التدخل في شؤونها الداخلية. وبين هذه الشروط المتقابلة، لم يكن وقف إطلاق النار سوى نقطة تقاطع مؤقتة تعكس توازناً هشاً بين إرادتين لم تحسما صراعهما بعد. لقد لعبت التصريحات السياسية، خاصة منشورات ترامب على منصة «تروث سوشيال»، دوراً مركزياً في رسم ملامح هذه المرحلة. فمن جهة، استخدم لغة تصعيدية غير مسبوقة، مؤكداً أن إيران «ستواجه ضربات لم يرها العالم من قبل»، ومن جهة أخرى، عاد ليؤكد بعد الإعلان عن الهدنة أن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى حرب، لكنها مستعدة لها بالكامل». هذا التناقض لم يكن مجرد ارتباك، بل اعتبره البعض تعبيراً عن استراتيجية تقوم على الضغط الأقصى يعقبه تراجع تكتيكي. وفي هذا السياق، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، أو عقدة جيوسياسية تقليدية، بل تحوّل إلى أداة دعائية أعادت واشنطن من خلالها صياغة سرديتها حول «النصر». فبعد أن بلغ الخطاب ذروته بالتلويح بإسقاط النظام الإيراني، وتسويق المواجهة بوصفها معركة حاسمة لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، انحدر عند لحظة التهدئة إلى هدف أكثر تواضعاً: ضمان حرية الملاحة في المضيق. لم يكن هذا التحول بريئاً، بل عكس محاولة لإعادة تعريف النجاح بعد تعذّر تحقيق الأهداف الكبرى. وهكذا جرى تقديم «فتح المضيق» بوصفه إنجازاً استراتيجياً، رغم أنه في جوهره مطلب وظيفي كان قائماً قبل التصعيد، لا نتيجة مباشرة له. غير أن هذا المسار لم يكن محل إجماع داخل معسكر الحلفاء. فقد أبدى بنيامين نتنياهو امتعاضاً واضحاً من التوجه نحو التفاوض، إذ لم يكن الهدف الإسرائيلي، كما بدا من مجمل التحركات، مجرد احتواء إيران، بل إسقاط النظام أو إضعافه إلى حد غير قابل للتعافي، فيما عُرف بـ»الحرب الوجودية» بين طهران وتل أبيب. هذا التباين في الأهداف سرعان ما انعكس على الأرض. ففي غضون ساعات من الحديث عن التهدئة، سارعت إسرائيل إلى شن هجوم واسع على لبنان، في خطوة بدت محاولةً لاستدراج إيران إلى رد ينسف وقف إطلاق النار. ولم يكن ذلك مجرد عمل عسكري منفصل، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إبقاء الصراع مفتوحاً أو منع تثبيت قواعد تهدئة دائمة.
غير أن هذا التصعيد لم يخلُ من التباس سياسي وإعلامي، إذ برز خلاف في الروايات حول طبيعة التفاهمات التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار. فقد رُوّج في بعض الأوساط الدبلوماسية أن التهدئة يفترض أن تشمل جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، وأن ثمة موافقة أولية على هذا التصور، ما أوحى بأن الضربة الإسرائيلية تمثل خرقاً مباشراً للاتفاق. لكن هذا الطرح قوبل بنفي واضح من واشنطن، التي أكدت أن التفاهم مع طهران يقتصر على مسار محدد ولا يمتد إلى ملفات أخرى، فيما شددت تل أبيب على أن ملف حزب الله يُعدّ مساراً مستقلاً، لا يخضع لأي التزامات ناتجة عن وقف إطلاق النار مع إيران. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف تقني، بل كشف عن فجوة في تعريف حدود التهدئة، وفتح الباب أمام تأويلات متناقضة تتيح لكل طرف التحرك ضمن هامش رمادي دون الإقرار الصريح بخرق الاتفاق.
أما على الجانب الأمريكي، فقد جاءت التصريحات اللاحقة لترامب لتزيد من هشاشة المشهد. فبدلاً من الحديث عن تقليص الوجود العسكري، أكد أن التعزيزات لن تُسحب، بل قد تُزاد، مشيراً إلى أن «القوة الأمريكية في المنطقة ضرورية لضمان السلام». وهو تصريح يعيد، في جوهره، تعريف السلام بوصفه حالة إدارة مستمرة للتوتر، لا إنهاءً فعلياً للصراع. إن ما يُوصف بـ»هدنة الأسبوعين» لا يمكن قراءته إلا باعتباره فسحة زمنية بين حربين، أكثر منه اتفاقاً قابلاً للاستمرار. فالمؤشرات، من الخطاب السياسي إلى التحركات العسكرية، توحي بأن الأطراف لم تصل إلى قناعة بإنهاء الصراع، بل إلى قناعة بضرورة تأجيله.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد هو التعايش مع فكرة «النصر الوهمي». فكل طرف يسعى إلى تسويق ما جرى بوصفه انتصاراً: واشنطن تتحدث عن نجاح سياسة الضغط الأقصى، وطهران تؤكد أنها فرضت شروطها وأن خصومها هم من طلبوا وقف إطلاق النار، فيما تلمّح تل أبيب إلى أنها ما زالت تحتفظ بخياراتها. غير أن تعدد روايات النصر لا يخفي الحقيقة التي مفادها: لا أحد انتصر فعلاً، ولا أحد خسر بشكل حاسم. وفي سياق التوترات اللاحقة لوقف إطلاق النار، وفي يوم الجمعة، 10 أبريل، صرح الرئيس ترامب بالقول، إن إيران تتصرف بطريقة «سيئة وغير مشرفة» في التعامل مع النفط عبر مضيق هرمز، محتجاً بأن الوضع الحالي يخالف الاتفاق القائم بين واشنطن وطهران. أما طهران من جانبها فقد صرحت؛ بأن استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان يعد خرقاً لوقف إطلاق النار ويُفقد المفاوضات معناها.
هذا التوازن المختل هو ما يجعل السلام هشاً إلى هذا الحد. فغياب الحسم لا يعني الاستقرار، بل بقاء جميع الاحتمالات مفتوحة. وفي ظل بيئة إقليمية متوترة وخطاب سياسي تصعيدي، يصبح أي حادث محدود شرارة محتملة لانفجار أوسع. فالعالم اليوم لا يعيش حالة سلام، بل حالة تعليق للحرب، وهو وضع قد يكون أكثر خطورة، لأنه يخلق وهماً بالاستقرار فيما تستمر عوامل الانفجار بالتراكم.
ما جرى لم يكن نهاية حرب، بل إعادة تعريف مؤقتة لشروطها. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بكيفية انتهاء الحرب، بل بكيفية إدارة هذا السلام الهش: هل يمكن تحويله إلى مسار تفاوضي مستدام، أم أنه مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة أكثر عنفاً؟

نيسان ـ نشر في 2026-04-13 الساعة 12:46


رأي: صادق الطائي

الكلمات الأكثر بحثاً