اتصل بنا
 

لا براءة أو عفوية في تغيير الأسماء

كاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-04-23 الساعة 13:24

نيسان ـ قد لا تشعر الأجيال من مواليد السبعينيات وما دون ذلك بأهمية الحدث، وما سبب الضجة الكبيرة التي أثيرت حول إلغاء اسم الشهيد عبد المنعم رياض عن شارع رئيسي في مدينة حمص، واستبداله باسم 18 نيسان تاريخ التحاق حمص بالثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، التي كانت قد انطلقت من درعا في مارس/آذار من عام 2011.
ليس الجدل الذي أثاره إلغاء الاسم مجرّد نقاش حول لافتة تُبدَّل، أو شخصية من أذرع النظام السابق، لكنه يحمل عدة أبعاد، وجدت لها صدى في سوريا وخارجها، وأعتقد أنه سيكون لها صدى أعمق في مصر، البلد الذي ينتمي له الشهيد عبد المنعم رياض، خصوصاً بين أجيال المتقدمين في السّن ممن خدموا في الجيش المصري خلال حرب الاستنزاف.
الفريق أول رئيس أركان حرب عبد المنعم رياض، مثّل حقبة كان فيها مشروع الوحدة العربية في ذروته بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وشهدت امتداداً قومياً تُعرّف اليوم بـ”الحقبة الناصرية”، حيث ازدهرت آمال كبيرة في نشوء كيان عربي وحدوي من المحيط إلى الخليج تحت مظلة واحدة، الأمر الذي يعني قيام “الولايات العربية المتحدة”، كما هو حال أمريكا، وقد استبدل اسم الجمهورية المصرية ابتداء من 1958 بالجمهورية العربية المتحدة، بعد إقامة وحدة بين سوريا ومصر بين 1958-1961، في عهد الرئيسين جمال عبد الناصر وشكري القوّتلي، وهو ما رفع سقف الآمال لدى الشعوب العربية بنشوء كيان عربي كبير مستقل وقوي اقتصادياً وعسكرياً، هذا الأمل انعكس على الحالة المعنوية للأمة التي ارتقت، وفي الوقت ذاته، فإن هذا استدعى الاستعمار والغرب عموما للعمل على ضرب هذه الفكرة في مهدها، وإحباطها المستمر حتى يومنا هذا، وسوف يستمر، فالاستعمار والاحتلال للوطن العربي لم ينته، وإن تغيرت صوره وتعبيراته، أو الجبهات التي تشتعل فيها المواجهة المباشرة. الشهيد الفريق أول عبد المنعم رياض مثّل القائد الشجاع الذي لم يجلس في مكتبه، بل كان في تواصل دائم مع كوادر الجيش، حتى يوم استشهاده في التاسع من مارس عام 1969 في أحد المواقع على جبهة قناة السويس، التي كانت خط المواجهة الأول في حرب الاستنزاف. بكاه العالم العربي كله، فقد أدار حرب استنزاف ناجحة، رتَقت لمصر خصوصا وللعرب عموما شيئا من كرامتهم بعد تمزّقها في أبشع هزائم العرب عبر تاريخهم. وقد اعتمد التاسع من مارس إلى يوم الشهيد في مصر. لقد أعاد الفريق أول عبد المنعم رياض شرف العسكرية المصرية والعربية، وأكرمه الله بشرف الشهادة في الصف الأول، ليتحوّل إلى رمز.
في الدول المستقرة سياسياً لحقب طويلة، تجد الأسماء راحتها ويمكن للأسماء القديمة أن تستمر غير متأثرة بالساحة السياسية، أو العقائدية، لعدم وجود تحولات سياسية حادّة
استشهاده في أرض المعركة كان يعني الكثير للمصريين وللعرب عامة، وكذلك لدى أعداء العرب، وعلى رأسهم الاحتلال نفسه، الذي كان قد دمغ الضابط العربي بالجبن، وبأنّه يضحي بجنوده وحتى بالمدنيين كي ينجو بجلده. كانت الفكرة المنتشرة عالمياُ أن الضابط الإسرائيلي يقول لجنوده أنا أهجم أمامكم فاتبعوني، أما الضابط العربي فيأمرهم بالهجوم ويبقى مراقباً لما يجري من بعيد. لذلك، فإن المساس باسمه يُقرأ عند كثيرين بوصفه مساساً بتلك اللحظة الفارقة نفسها. وجود اسم عبد المنعم رياض، في أي مدينة في العالم العربي، هو فخر لمن بادر في هذه التسمية ولمن يحافظ عليها. تغيير أسماء الشوارع والساحات هو أحد أكثر أشكال السياسة حضوراً في الحياة اليومية، وأكثرها هدوءا في الوقت نفسه. في كل دولة تتغير الأسماء بعد الثورات، وتعني الانتقال من زمن إلى آخر. هذا واضح في العالم العربي في حقب التحرر الوطني، من الاستعمار الأجنبي، حيث استبدلت مسميات أجنبية بأسماء وطنية، ثم في مرحلة ما بعد “الربيع العربي”، حيث استبدلت تسميات كثيرة من زمن الديكتاتوريات إلى ما تلاها وما زال غير مستقر. مرورا في فترات الانقلابات وما رافقها من تغييرات. في الحالة الفلسطينية، يتبدل المشهد جذرياً، فهنا لا نتحدث عن تغيير أسماء شوارع داخل دولة بعد انتقال السلطة، بل عن عملية محو وتغيير أسماء مدن وقرى ومعالم وطن بأكمله، واستبدال كل التسميات بأسماء رموز صهيونية. ممكن لك أن تدرس تاريخ تأسيس دولة إسرائيل والهجرة اليهودية إلى فلسطين، من خلال أسماء الشوارع والجسور والمؤسسات الكبيرة، معظمها مرتبط بشخصيات عسكرية أو فكرية أو اقتصادية ودينية. أسماء شوارع ومستوطنات لقادة ومؤسسات من العالم، أسهموا في دعم قيام إسرائيل. مؤخّرا أطلق نتنياهو على تلة في الجولان اسم تلة ترامب. كذلك جرى استبدال أسماء اعتبرت معادية مثل اسم “جادة الأمم” في حيفا إلى جادة الصهيونية، وذلك بعد اتخاذ الأمم المتحدة قراراً يصف الصهيونية بالعنصرية وذلك عام 1975. على الرغم من أن القرار ألغي لاحقا في ديسمبر/كانون الأول عام 1991.
في الدول المستقرة سياسياً لحقب طويلة، تجد الأسماء راحتها ويمكن للأسماء القديمة أن تستمر غير متأثرة بالساحة السياسية، أو العقائدية، لعدم وجود تحولات سياسية حادّة. في سوريا، كان الأمر قد تحول إلى حالة كاريكاتيرية فقد اكتظت كل المدن السورية بأسماء شوارع ومؤسسات الأسد والعائلة، إضافة إلى التماثيل في الساحات العامة. ما عكس مركزية وشخصنة السلطة وحضور رمزها الدائم في الحياة اليومية للناس، ومحاولة لتطبيع المزاج العام مع حالة تقديس الفرد القائد، بحيث يصبح أي انتقاد له أقسى من الكفر بالذات الإلهية. على الرغم من ذلك، فإن تفسير الأمر في سوريا حالياً باعتباره انتقالا مباشراً من القومي إلى الديني، أو أنه فصل من معاقبة القيادات القومية العسكرية بالذات، ومحاولة إلغائها يبقى قاصراً، فهناك فرق شاسع بين رموز نظام ديكتاتوري سحق الشعب السوري وتسبب بأكبر الكوارث في تاريخه، ورمز ضحى بروحه على الخط الأمامي في مواجهة بطش الاحتلال.
في النهاية، تكشف هذه الظاهرة، في كل سياقاتها، عن حقيقة بسيطة وعميقة، وهي أن اللغة والتسميات ليست محايدة، وفي بعض الحالات تكون رمزيتها موجعة، وأعتقد أن إلغاء اسم الشهيد عبد المنعم رياض أوجع ملايين من السوريين والعرب. لست خبيراً في الجغرافية الحِمصية، ومع الاحترام لقيادة حمص الحالية، وإدارتها وللاسم الجديد 18 نيسان وما يرمز له في تاريخ سوريا وتاريخ حمص نفسها، إلا أن السؤال الذي يُسأل ألم يكن ممكناً الإبقاء على اسم الرمز القومي العروبي الكبير الشهيد عبد المنعم رياض؟ ألم تكن هناك بدائل أخرى؟ باعتقادي نعم موجود إذا توفّرت النّية.

نيسان ـ نشر في 2026-04-23 الساعة 13:24


رأي: سهيل كيوان كاتب فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً