الصحافي إذ يُستبدل بالمؤثر.. الأوطان لا تُدار باللايكات ولا تُبنى بالتريندات
نيسان ـ نشر في 2026-05-17 الساعة 18:39
نيسان ـ ابراهيم قبيلات
ثمة شيء ما يحدث بصمت في هذا العالم؛ شيء يشبه الانقلاب الناعم على الوعي نفسه. ففي الماضي، كان الطريق إلى التأثير يمر عبر المعرفة والخبرة والقدرة على الفهم. أما اليوم، فيكفي أحيانا أن تمتلك عددا جيدا من المتابعين، وبعض المهارة في صناعة الضجيج، لكي تصبح "مصدرًا للوعي العام".
المفارقة أن الحكومات نفسها بدأت تنجرف نحو هذه القاعدة الجديدة.
لم تعد تستدعي الصحفي المحترف أو الخبير الاستراتيجي بقدر ما باتت تراهن على "المؤثر" الذي يعرف كيف يصنع الانتشار، حتى لو كان عاجزا عن صناعة فكرة واحدة قابلة للحياة خارج شاشة الهاتف. وهكذا، شيئا فشيئا، بدأ "التريند" يحتل المكان الذي كانت تشغله المعرفة.
المشكلة، في تقديري، ليست في "المؤثرين" بوصفهم ظاهرة اجتماعية أو إعلامية جديدة، بل في التحول العميق الذي جعل بعض الحكومات تتعامل معهم وكأنهم البديل الطبيعي عن الإعلام المهني، وعن المؤسسات التي راكمت خبرة طويلة في صناعة الرواية العامة للدولة.
من غير الدقيق القول إن الحكومة تستعين بالمؤثرين فقط، فالأدق أنها بدأت، بصورة تدريجية، تستبدل وكالة الأنباء الرسمية، والتلفزيون الرسمي، وجيشا كاملا من الإعلاميين والصحافيين المدربين، بمنصات سريعة الإيقاع تحكمها الخوارزميات أكثر مما تحكمها المعايير المهنية والقيمية.
ولكي نكون منصفين، فهذه ليست ظاهرة محلية خالصة. العالم كله يعيش لحظة صعود ثقافة "الخفة"، أو إن شئت "التفاهية" حتى بات كثير من المفكرين والنخب الغربية يشتكون من هيمنة التفاهة على المجال العام.
لكن المقصود هنا بالتفاهة ليس الأشخاص أنفسهم، بل البيئة السياسية والثقافية التي صنعت هذا النموذج ورعته وقدّمته بوصفه الشكل المثالي للتأثير الجماهيري.
لقد أصبح بإمكان شخص يحمل هاتفا ذكيا وعددا ضخما من المتابعين أن يمتلك تأثيرا يفوق أحيانا تأثير أستاذ جامعي أمضى عمره في البحث، أو صحفي قضى سنوات طويلة في فهم السياسة وقراءة ما بين السطور.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فحين يُستبدل الصحفي المحترف، الذي تشكل وعيه داخل غرف التحرير والوثائق والتحقيقات، بمؤثر تحكمه سرعة التفاعل وعدد "اللايكات"، فإننا لا نكون أمام تحديث إعلامي بقدر ما نكون أمام إعادة تعريف خطيرة لفكرة الوعي العام نفسها.
الحكومة هنا لا تبحث فقط عن أدوات أسرع للوصول إلى الجمهور، بل تبدو—بوعي أو من دونه—وكأنها تتنازل تدريجيا عن دور العقل السياسي لصالح منطق "التريند"، حيث تصبح الإثارة أهم من الفكرة، والانتشار أهم من المعنى.
دعونا نتأمل المشهد من زاوية أوسع: ماذا يحدث حين تصبح القضايا الكبرى، كالأمن القومي، والاقتصاد، ومستقبل الأوطان، مجرد محتوى ينافس رقصة عابرة أو طبخة ما "تيك توك" أو "إنستغرام"؟
في هذه اللحظة تحديدا، يبدأ المجال العام بفقدان توازنه. ينسحب المفكر، ويتراجع الأستاذ الجامعي، ويصمت الخبير، لأن السوق الجديدة لا تكافئ العمق، بل تكافئ السرعة والضجيج.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يصنع وعيا هشا؛ وعيا سريع الاستهلاك، ضعيف الذاكرة، غير قادر على الربط بين الأسباب والنتائج، ولا يملك الصبر الكافي لفهم التعقيد السياسي أو الاقتصادي.
لقد كان الإعلام الرسمي، رغم كل ما يؤخذ عليه من بيروقراطية وضعف أحيانا، يمثل في النهاية مؤسسة لها ذاكرة وخبرة ومسؤولية وطنية. أما الرهان الكامل على "المؤثرين"، فهو رهان على فضاء متقلب، تحكمه المزاجية الرقمية أكثر مما تحكمه المصالح الوطنية طويلة المدى.
الأوطان لا تُدار بعدد المشاهدات، ولا تُبنى بالتريندات العابرة.
وإذا استمر هذا الانزلاق نحو ثقافة التفاهة بوصفها بديلا عن المعرفة، فقد نجد أنفسنا قريبا أمام جيل يملك قدرة هائلة على الاتصال… لكنه يفتقد تماما إلى الفهم.
ثمة شيء ما يحدث بصمت في هذا العالم؛ شيء يشبه الانقلاب الناعم على الوعي نفسه. ففي الماضي، كان الطريق إلى التأثير يمر عبر المعرفة والخبرة والقدرة على الفهم. أما اليوم، فيكفي أحيانا أن تمتلك عددا جيدا من المتابعين، وبعض المهارة في صناعة الضجيج، لكي تصبح "مصدرًا للوعي العام".
المفارقة أن الحكومات نفسها بدأت تنجرف نحو هذه القاعدة الجديدة.
لم تعد تستدعي الصحفي المحترف أو الخبير الاستراتيجي بقدر ما باتت تراهن على "المؤثر" الذي يعرف كيف يصنع الانتشار، حتى لو كان عاجزا عن صناعة فكرة واحدة قابلة للحياة خارج شاشة الهاتف. وهكذا، شيئا فشيئا، بدأ "التريند" يحتل المكان الذي كانت تشغله المعرفة.
المشكلة، في تقديري، ليست في "المؤثرين" بوصفهم ظاهرة اجتماعية أو إعلامية جديدة، بل في التحول العميق الذي جعل بعض الحكومات تتعامل معهم وكأنهم البديل الطبيعي عن الإعلام المهني، وعن المؤسسات التي راكمت خبرة طويلة في صناعة الرواية العامة للدولة.
من غير الدقيق القول إن الحكومة تستعين بالمؤثرين فقط، فالأدق أنها بدأت، بصورة تدريجية، تستبدل وكالة الأنباء الرسمية، والتلفزيون الرسمي، وجيشا كاملا من الإعلاميين والصحافيين المدربين، بمنصات سريعة الإيقاع تحكمها الخوارزميات أكثر مما تحكمها المعايير المهنية والقيمية.
ولكي نكون منصفين، فهذه ليست ظاهرة محلية خالصة. العالم كله يعيش لحظة صعود ثقافة "الخفة"، أو إن شئت "التفاهية" حتى بات كثير من المفكرين والنخب الغربية يشتكون من هيمنة التفاهة على المجال العام.
لكن المقصود هنا بالتفاهة ليس الأشخاص أنفسهم، بل البيئة السياسية والثقافية التي صنعت هذا النموذج ورعته وقدّمته بوصفه الشكل المثالي للتأثير الجماهيري.
لقد أصبح بإمكان شخص يحمل هاتفا ذكيا وعددا ضخما من المتابعين أن يمتلك تأثيرا يفوق أحيانا تأثير أستاذ جامعي أمضى عمره في البحث، أو صحفي قضى سنوات طويلة في فهم السياسة وقراءة ما بين السطور.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فحين يُستبدل الصحفي المحترف، الذي تشكل وعيه داخل غرف التحرير والوثائق والتحقيقات، بمؤثر تحكمه سرعة التفاعل وعدد "اللايكات"، فإننا لا نكون أمام تحديث إعلامي بقدر ما نكون أمام إعادة تعريف خطيرة لفكرة الوعي العام نفسها.
الحكومة هنا لا تبحث فقط عن أدوات أسرع للوصول إلى الجمهور، بل تبدو—بوعي أو من دونه—وكأنها تتنازل تدريجيا عن دور العقل السياسي لصالح منطق "التريند"، حيث تصبح الإثارة أهم من الفكرة، والانتشار أهم من المعنى.
دعونا نتأمل المشهد من زاوية أوسع: ماذا يحدث حين تصبح القضايا الكبرى، كالأمن القومي، والاقتصاد، ومستقبل الأوطان، مجرد محتوى ينافس رقصة عابرة أو طبخة ما "تيك توك" أو "إنستغرام"؟
في هذه اللحظة تحديدا، يبدأ المجال العام بفقدان توازنه. ينسحب المفكر، ويتراجع الأستاذ الجامعي، ويصمت الخبير، لأن السوق الجديدة لا تكافئ العمق، بل تكافئ السرعة والضجيج.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يصنع وعيا هشا؛ وعيا سريع الاستهلاك، ضعيف الذاكرة، غير قادر على الربط بين الأسباب والنتائج، ولا يملك الصبر الكافي لفهم التعقيد السياسي أو الاقتصادي.
لقد كان الإعلام الرسمي، رغم كل ما يؤخذ عليه من بيروقراطية وضعف أحيانا، يمثل في النهاية مؤسسة لها ذاكرة وخبرة ومسؤولية وطنية. أما الرهان الكامل على "المؤثرين"، فهو رهان على فضاء متقلب، تحكمه المزاجية الرقمية أكثر مما تحكمه المصالح الوطنية طويلة المدى.
الأوطان لا تُدار بعدد المشاهدات، ولا تُبنى بالتريندات العابرة.
وإذا استمر هذا الانزلاق نحو ثقافة التفاهة بوصفها بديلا عن المعرفة، فقد نجد أنفسنا قريبا أمام جيل يملك قدرة هائلة على الاتصال… لكنه يفتقد تماما إلى الفهم.


