بين التنمية والجمود الوظيفي .. موظف البلدية والتعليم
نيسان ـ نشر في 2026-05-23 الساعة 14:02
نيسان ـ رغم انخراط الحكومات حول العالم في بذل الجهد لتطوير الإدارة العامة والاستثمار في رأس المال البشري وتنمية الكفاءات وصقل المواهب، يظهر في الأردن جدلًا يتصاعد حول ملف “توفيق الأوضاع” واحتساب المؤهلات العلمية لموظفي البلديات والقطاع العام، وقد حملت التصريحات عن هيئة الخدمة والإدارة العامة بشأن عدم احتساب المؤهل العلمي الحاصل عليه الموظف قبل التعيين إذا كان قد تم تعيينه على مؤهل أدنى النار بين طياتها .
فقد أتاحت هذه التصريحات مساحة رحبة للنقاش القانوني، الإداري والمجتمعي، ولا يقتصر ذلك على تأويل التعليمات فحسب بل يمتد ليشمل جوهر فلسفة الإدارة العامة: هل يُفترض بالموظف أن يُطوّر نفسه، أم يُطلب منه البقاء مقيدًا بحدود الوظيفة التي تم تكليفه بها، بغض النظر عن مدى ارتفاع درجاته الأكاديمية؟
وفق التصريحات، لا يحق للموظف توفيق وضعه (رفع الدرجة أو تغيير المسمى) بناءً على مؤهله الأعلى إذا حصل عليه قبل أو أثناء فترة التعيين على المؤهل الأدنى.
فإن الموظف الذي يحمل شهادة بكالوريوس مثلاً، لكنه عُيّن سابقاً على شهادة دبلوم أو توجيهي، لا يحق له توفيق وضعه بناءً على مؤهله الأعلى، والحل المطروح أمامه هو التقدم مجدداً لإعلانات التوظيف المفتوحة (الاستقطاب)، ثم تقديم استقالته من وظيفته الحالية إذا تم اختياره، رغم أن هذا القرار يبدو مبرراً من الناحية المالية ويهدف إلى ضبط الهيكل التنظيمي، إلا أنه أثار مخاوف قانونية ووظيفية؛ نظراً لغياب النصوص الصريحة التي تمنع هذه الحالات، واعتماد الإدارة على تفسيرات تتجاوز منطق النص المكتوب.
لا يقتصر الخلاف على الموظفين الذين نالوا شهاداتهم أثناء عملهم، بل يتجاوزه ليشمل شريحة واسعة من العاملين الحاصلين على درجات علمية أعلى قبل التعيين، والذين أُجبروا على قبول وظائف متدنية بسبب شح الفرص، أو الأوضاع الاقتصادية، أو قلة الشواغر المتاحة آنذاك. ومن الأمثلة على ذلك سياسة ديوان الخدمة المدنية في ذلك الوقت، والتي كانت تشترط ان التعيين على شهادة البكالوريوس.
وفي الوقت الذي يشعر كثير من هؤلاء الموظفين اليوم بأنهم يتعرضون لنوع من اللاعدالة التنظيمية، إذ يجدون أنفسهم يؤدون أعمالهم ويحملون خبرات ومؤهلات أعلى من الفئة التي عُيّنوا عليها مع عدم الاعتراف بهذه المؤهلات أو اعتمادها ضمن مسارهم الوظيفي، يخلص البعض الى أن هذا الواقع يخلق قصور هيكلي بين الكفاءة الفعلية والوضع الإداري للموظف، ويؤدي إلى استنزاف نفسي واغتراب وظيفي لدى فئة اجتهدت علمياً لكنها لم تجد انعكاساً لذلك داخل الدوائر الحكومية او العامة مثل وجود موظفين يحملون شهادة دراسات عليا ويشغلون وظائف درجة ثانية وثالثة مع وجود شاغر على جدول التشكيلات لا يشغله احد.
لعل ما يفاقم الإحساس بالتباين وانعدام المساواة، هو تفاوت النهج المؤسسي في القطاع العام، إذ تتيح مؤسسات كوزارة التربية ووزارة الصحة مسارات ترقية مرنة وتسلك ُنهجاً يتسم بالسلاسة والشمولية في التعامل مع الشهادات الأكاديمية وفتح آفاق التدريب، تنتهج جهات أخرى -كوزارة الإدارة المحلية- صرامة مفرطة في تطبيق القواعد، متغافلة عن أن الغاية الجوهرية للإدارة الحديثة تتمثل في استثمار الكوادر الوطنية والاستفادة من الكفاءات، بدلاً من تكبيلها داخل هياكل وظيفية تقليدية جامدة.
ويرى المتضررون من الامر أن الاعتراف بالمؤهلات لا يعني بالضرورة تحميل الدولة أعباء مالية غير مدروسة، بل يمكن تنظيمه وفق ضوابط عادلة ومتدرجة توازن بين الإمكانات المالية وحق الموظف في التقدير الوظيفي الذي يعزز ثقافة التعليم والتطوير بدلاً من إضعافها.
الجهات الرسمية من جهتها تواجه تحدياً معقداً؛ فالبلديات تعاني منذ سنوات من ضغوط مالية ومديونية وتضخم وظيفي، وأي توسع كبير في احتساب المؤهلات قد ينعكس مباشرة على فاتورة الرواتب والعلاوات والترقيات، كما أن إعادة تصنيف أعداد كبيرة من الموظفين قد يفرض تعديلات واسعة على الهياكل التنظيمية التقليدية.
لكن في الجهة المقابلة لذلك، يطرح موظفون ومهتمون سؤالاً مشروعاً، كيف يمكن لمؤسسات يفترض أنها تقود التنمية المحلية أن تُضعف الحافز نحو التنمية البشرية داخلها؟
لم تعد البلديات تقتصر اليوم على الأعمال التشغيلية الأساسية مثل إزالة النفايات أو صيانة الشوارع، بل أضحت مؤسسات تنموية يناط بها التعامل مع ملفات مركبة تتضمن التحول الرقمي وجذب الاستثمارات، والتنظيم العمراني، وإدارة المبادرات، والحوكمة، والتوازن البيئي والمدن الذكية، هذه المهام المتعددة تستوجب كفاءات بشرية متخصصة قادرة على التعلم والتطور الدائم.
لعل أخطر ما قد ينتج عن هذا النهج ليس فقط الخلاف القانوني، بل الرسالة النفسية التي قد تصل إلى الموظف العام، ومفادها أن تطويره العلمي ربما لا ينعكس على مستقبله الوظيفي، مثل هذه الرسالة قد تؤدي مع الوقت إلى تراجع الحافز للتعليم، وازدياد الجمود الإداري، وهجرة الكفاءات نحو قطاعات أخرى أكثر مرونة وتقديراً للخبرات.
وفي المقابل، فإن تجاهل الواقع المالي والإداري للبلديات ليس حلاً أيضاً، إذ لا يمكن لأي إدارة عامة أن تستمر دون توازن بين العدالة الوظيفية والاستدامة المالية، لذلك، يبدو أن القضية لم تعد مجرد ملف “احتساب شهادة”، بل تحولت إلى نقاش أعمق حول شكل الإدارة العامة التي يريدها الأردنيون: إدارة تقليدية تقوم على تثبيت الواقع القائم، أم إدارة حديثة تعتبر الإنسان المؤهل استثماراً طويل الأمد لا عبئاً مالياً مؤقتاً؟
وربما يكون الحل الأكثر توازناً ليس في الإغلاق الكامل للباب أو فتحه بلا ضوابط، بل في وضع معايير عادلة وشفافة تراعي حاجة المؤسسات، وتحفظ في الوقت نفسه حق الموظف المجتهد في ألا يتحول تعليمه إلى مجرد شهادة معلقة على الجدار.
فقد أتاحت هذه التصريحات مساحة رحبة للنقاش القانوني، الإداري والمجتمعي، ولا يقتصر ذلك على تأويل التعليمات فحسب بل يمتد ليشمل جوهر فلسفة الإدارة العامة: هل يُفترض بالموظف أن يُطوّر نفسه، أم يُطلب منه البقاء مقيدًا بحدود الوظيفة التي تم تكليفه بها، بغض النظر عن مدى ارتفاع درجاته الأكاديمية؟
وفق التصريحات، لا يحق للموظف توفيق وضعه (رفع الدرجة أو تغيير المسمى) بناءً على مؤهله الأعلى إذا حصل عليه قبل أو أثناء فترة التعيين على المؤهل الأدنى.
فإن الموظف الذي يحمل شهادة بكالوريوس مثلاً، لكنه عُيّن سابقاً على شهادة دبلوم أو توجيهي، لا يحق له توفيق وضعه بناءً على مؤهله الأعلى، والحل المطروح أمامه هو التقدم مجدداً لإعلانات التوظيف المفتوحة (الاستقطاب)، ثم تقديم استقالته من وظيفته الحالية إذا تم اختياره، رغم أن هذا القرار يبدو مبرراً من الناحية المالية ويهدف إلى ضبط الهيكل التنظيمي، إلا أنه أثار مخاوف قانونية ووظيفية؛ نظراً لغياب النصوص الصريحة التي تمنع هذه الحالات، واعتماد الإدارة على تفسيرات تتجاوز منطق النص المكتوب.
لا يقتصر الخلاف على الموظفين الذين نالوا شهاداتهم أثناء عملهم، بل يتجاوزه ليشمل شريحة واسعة من العاملين الحاصلين على درجات علمية أعلى قبل التعيين، والذين أُجبروا على قبول وظائف متدنية بسبب شح الفرص، أو الأوضاع الاقتصادية، أو قلة الشواغر المتاحة آنذاك. ومن الأمثلة على ذلك سياسة ديوان الخدمة المدنية في ذلك الوقت، والتي كانت تشترط ان التعيين على شهادة البكالوريوس.
وفي الوقت الذي يشعر كثير من هؤلاء الموظفين اليوم بأنهم يتعرضون لنوع من اللاعدالة التنظيمية، إذ يجدون أنفسهم يؤدون أعمالهم ويحملون خبرات ومؤهلات أعلى من الفئة التي عُيّنوا عليها مع عدم الاعتراف بهذه المؤهلات أو اعتمادها ضمن مسارهم الوظيفي، يخلص البعض الى أن هذا الواقع يخلق قصور هيكلي بين الكفاءة الفعلية والوضع الإداري للموظف، ويؤدي إلى استنزاف نفسي واغتراب وظيفي لدى فئة اجتهدت علمياً لكنها لم تجد انعكاساً لذلك داخل الدوائر الحكومية او العامة مثل وجود موظفين يحملون شهادة دراسات عليا ويشغلون وظائف درجة ثانية وثالثة مع وجود شاغر على جدول التشكيلات لا يشغله احد.
لعل ما يفاقم الإحساس بالتباين وانعدام المساواة، هو تفاوت النهج المؤسسي في القطاع العام، إذ تتيح مؤسسات كوزارة التربية ووزارة الصحة مسارات ترقية مرنة وتسلك ُنهجاً يتسم بالسلاسة والشمولية في التعامل مع الشهادات الأكاديمية وفتح آفاق التدريب، تنتهج جهات أخرى -كوزارة الإدارة المحلية- صرامة مفرطة في تطبيق القواعد، متغافلة عن أن الغاية الجوهرية للإدارة الحديثة تتمثل في استثمار الكوادر الوطنية والاستفادة من الكفاءات، بدلاً من تكبيلها داخل هياكل وظيفية تقليدية جامدة.
ويرى المتضررون من الامر أن الاعتراف بالمؤهلات لا يعني بالضرورة تحميل الدولة أعباء مالية غير مدروسة، بل يمكن تنظيمه وفق ضوابط عادلة ومتدرجة توازن بين الإمكانات المالية وحق الموظف في التقدير الوظيفي الذي يعزز ثقافة التعليم والتطوير بدلاً من إضعافها.
الجهات الرسمية من جهتها تواجه تحدياً معقداً؛ فالبلديات تعاني منذ سنوات من ضغوط مالية ومديونية وتضخم وظيفي، وأي توسع كبير في احتساب المؤهلات قد ينعكس مباشرة على فاتورة الرواتب والعلاوات والترقيات، كما أن إعادة تصنيف أعداد كبيرة من الموظفين قد يفرض تعديلات واسعة على الهياكل التنظيمية التقليدية.
لكن في الجهة المقابلة لذلك، يطرح موظفون ومهتمون سؤالاً مشروعاً، كيف يمكن لمؤسسات يفترض أنها تقود التنمية المحلية أن تُضعف الحافز نحو التنمية البشرية داخلها؟
لم تعد البلديات تقتصر اليوم على الأعمال التشغيلية الأساسية مثل إزالة النفايات أو صيانة الشوارع، بل أضحت مؤسسات تنموية يناط بها التعامل مع ملفات مركبة تتضمن التحول الرقمي وجذب الاستثمارات، والتنظيم العمراني، وإدارة المبادرات، والحوكمة، والتوازن البيئي والمدن الذكية، هذه المهام المتعددة تستوجب كفاءات بشرية متخصصة قادرة على التعلم والتطور الدائم.
لعل أخطر ما قد ينتج عن هذا النهج ليس فقط الخلاف القانوني، بل الرسالة النفسية التي قد تصل إلى الموظف العام، ومفادها أن تطويره العلمي ربما لا ينعكس على مستقبله الوظيفي، مثل هذه الرسالة قد تؤدي مع الوقت إلى تراجع الحافز للتعليم، وازدياد الجمود الإداري، وهجرة الكفاءات نحو قطاعات أخرى أكثر مرونة وتقديراً للخبرات.
وفي المقابل، فإن تجاهل الواقع المالي والإداري للبلديات ليس حلاً أيضاً، إذ لا يمكن لأي إدارة عامة أن تستمر دون توازن بين العدالة الوظيفية والاستدامة المالية، لذلك، يبدو أن القضية لم تعد مجرد ملف “احتساب شهادة”، بل تحولت إلى نقاش أعمق حول شكل الإدارة العامة التي يريدها الأردنيون: إدارة تقليدية تقوم على تثبيت الواقع القائم، أم إدارة حديثة تعتبر الإنسان المؤهل استثماراً طويل الأمد لا عبئاً مالياً مؤقتاً؟
وربما يكون الحل الأكثر توازناً ليس في الإغلاق الكامل للباب أو فتحه بلا ضوابط، بل في وضع معايير عادلة وشفافة تراعي حاجة المؤسسات، وتحفظ في الوقت نفسه حق الموظف المجتهد في ألا يتحول تعليمه إلى مجرد شهادة معلقة على الجدار.


