اتصل بنا
 

تولسي غابارد وأحزان بشار الأسد

كاتب عربي

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 13:54

نيسان ـ قد لا يُلام بشار الأسد إذا كان، اليوم، يزجّ بنفسه في رهط القلائل الحزانى على استقالة/ إقالة تولسي غابارد من منصب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية؛ إذ كانت، ذات يوم غير بعيد، في عداد المدافعين عن نظامه ضمن دوائر الحزب الديمقراطي، وبين حفنة محدودة من المتطوعات والمتطوعين الأمريكيين للتغطية على جرائم الحرب والفظائع التي ارتكبها جيشه، وميليشياته المذهبية الموالية، بحقّ الشعب السوري.
وخلال اجتماعَين مع الأسد في سنة 2017، حين كانت صفة مجرم الحرب قد اقترنت به على نحو لا يقبل التشكيك، لم تكن غابارد قد اكترثت بحقيقة أنّ التكتّم على الزيارة إلى سوريا سوف يكون مفتضَحاً تماماً، خاصة وأنها تجولت في مشاهد دمار البلد وخرائبه تحت عدسات كاشفة. كذلك انتهت ذريعة مراقصة الأسد (أي «مهمة تقصّي الحقائق») إلى رفضها اتهام النظام بتنفيذ ضربات بالأسلحة الكيميائية ضدّ خان شيخون والغوطة الشرقية، واستبعاد أن يكون النظام قد ارتكب جرائم حرب برهنت عليها جهات دولية وأممية متخصصة. وحين جوبهت بهذه الوقائع، كانت المعادلة لديها أقرب إلى صفعة للعقول والضمائر والوجوه معاً: لستُ أعشق الأسد، ولكني أبغض «القاعدة!».
وكان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعيينها في موقع يسمح لها بالإشراف على إدارة 17 مؤسسة أمنية أمريكية، وضمنها المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الأمن القومي، بمثابة انتقام من كتلة الأجهزة الأمنية لم تكن تحت إبط ترامب بما يكفي، من جهة أولى؛ وكان، من جهة ثانية، إهانة صاخبة بالحزب الديمقراطي، الذي ترعرعت غوبارد في كنفه وطمحت ذات يوم أن تكون مرشحته لرئاسة أمريكا، قبل أن تلتحق بصفوف ترامب.
غير أنّ تصعيد غابارد على هذا النحو، مثل أفول نجمها سريعاً بعد استهلاكها تماماً في سراديب معتمة لسياسات ترامب المتقلبة ومزاجه النرجسي، ليس أقلّ من أمثولة على طراز من ساسة الولايات المتحدة: حيث المعايير لا تتبدل على أيّ أساس من صدق أو نزاهة أو تماسك سياسي وسلوكي وأخلاقي، بل على ما تأتي به رياح المتغيرات من غنائم ومكاسب، في حروب حامية الوطيس لتحسين المواقع.
وأن تكون غابارد قد خانت خياراتها السابقة في صفوف الحزب الديمقراطي أمر غير غريب ولا جديد ولا طارئ، ما خلا أنه انطوى أيضاً على نمط من التخوين المجاني البائس، الفاضح في جوانب كثيرة؛ على غرار المطالبة بإحالة الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى القضاء، بتهمة تلفيق حكاية تدخّل الاستخبارات الروسية لصالح انتخاب ترامب، الأمر الذي فوجئ به الأخير نفسه إذ لم يكن يتوقع أن تذهب غابارد إلى ذلك المستوى المجلجل من إعلان الولاء.
وأياً كان صدق الاعتبارات الإنسانية وراء توقيت الاستقالة، بقصد التفرغ لرعاية زوجها المصاب بنوع نادر من سرطان العظام، فإنّ إقالة غابارد أو إجبارها على الاستقالة هي الأكثر ترجيحاً لدى مراقبي دهاليز البيت الأبيض وأروقته عموماً؛ ثمّ أولئك، وهم ليسوا قلّة، ممّن راقبوا نزيف الوظائف في إدارة ترامب الثانية هذه: وزيرات العدل والأمن الداخلي والعمل، ولا عجب أنّ غوبارد هي المرأة الرابعة بينهنّ.
ولأنّ تاريخ غوبارد القريب، قبيل الانضواء في كنف ترامب والترامبية، انطوى أيضاً على ملامة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والحلف الأطلسي على التسبب في الحرب الراهنة بين روسيا وأوكرانيا، وبالتالي تنزيه الكرملين عن أيّ مخطط توسعي أو غزو للجوار؛ فلعلّ تمتّع الأسد بـ«لجوء إنساني» في موسكو يكون فرصة أمام غابارد كي تبادر إلى وصل ما انقطع بينهما.
وكما عبّرت عن «امتنان عميق» حيال ثقة ترامب بها خلال حفنة أشهر صرفتها في المنصب العالي، فلعلّ شريكها الأسد يلملم جراحها، أو حتى يكفكف بعض دموع.

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 13:54


رأي: صبحي حديدي كاتب عربي

الكلمات الأكثر بحثاً