اتصل بنا
 

الاستقلال…وصناعة الدولة الراسخة في زمن التحولات الكبرى

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 21:56

نيسان ـ في الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لحدث تاريخي مؤسس، بل لحظة سياسية مكثفة لإعادة قراءة تجربة دولة استطاعت أن تصوغ وجودها في واحد من أكثر الأقاليم اضطراباً، وأن تحول الاستقلال من إعلان ولادة إلى اختبار يومي لقدرة الدولة على البقاء والاستمرار وصناعة التوازن في محيط تتنازعه الأزمات والتحولات الكبرى.
لقد جاء الاستقلال الأردني تأسيساً لدولة حديثة تقوم على الشرعية الدستورية وسيادة القانون وبناء المؤسسات، غير أن هذا التأسيس تجسد عبر مسار ممتد من بناء الدولة وترسيخها، بما مكنها من التكيف مع بيئة سياسية مفتوحة على الحروب الإقليمية، والتحولات الجيوسياسية، وأزمات الاقتصاد واللجوء وإعادة تشكيل الخرائط السياسية في الإقليم ، وفي كل مرحلة، كان التحدي الأردني الحقيقي يتمثل في الحفاظ على الدولة لا مجرد إدارتها .
وفي هذا السياق التاريخي الممتد، برزت الدولة الأردنية كنموذج قائم على توازن دقيق بين الثبات والتكيف _ ثبات في المبادئ والثوابت الوطنية، وتكيف في أدوات إدارة الدولة وتحديثها ، وقد شكلت القيادة الهاشمية عبر هذا المسار عنصر الاستمرارية وضبط الإيقاع السياسي للدولة، بما حافظ على تماسكها الداخلي ومنع انزلاقها نحو الاضطراب رغم تعقيد البيئة المحيطة.
ويأتي مشروع التحديث الشامل الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم بوصفه امتداداً نوعياً لهذا المسار، لكنه في الوقت ذاته يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة في تعريف الدولة لوظائفها السياسية والتنموية ، فهو ليس مجرد تطوير إداري أو إصلاح جزئي، بل إعادة صياغة تدريجية للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على توسيع المشاركة السياسية، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، وتمكين الشباب، وتعزيز كفاءة المؤسسات، بما يرسخ مفهوم الدولة الحديثة القادرة على الإنتاج لا فقط على الاستمرار.
وإذا كانت التجربة الأردنية قد تميزت بخصوصيتها، فإن جوهر هذه الخصوصية يكمن في أن الدولة لم تُبنَ على فائض الموارد، بل على فائض الإرادة السياسية، وعلى صلابة المؤسسات، وعلى وعي اجتماعي أدرك مبكراً أن الأمن والاستقرار ليسا حالة طارئة، بل بنية وطنية تحتاج إلى حماية دائمة .. ومن هنا، تشكلت في الأردن معادلة دقيقة عنوانها دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع متماسك بهويته، وثقة متبادلة تشكل أساس الاستقرار.
وفي سياق دوره القومي الثابت، حافظ الأردن على موقعه المتوازن في التعامل مع مختلف قضايا وأزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مستنداً إلى مسؤولياته التاريخية والقومية، والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وقد امتد هذا الدور ليشمل مقارباته تجاه أزمات إقليمية متعددة، اتسمت بالاضطراب والتعقيد، حيث اضطلع الأردن بدور مسؤول في دعم جهود التهدئة، وتعزيز الحلول السياسية، والحفاظ على قنوات الحوار، بما يعكس نهجاً ثابتاً في التعامل مع التحديات بمنطق الدولة لا بمنطق اللحظة ، وقد منح هذا النهج السياسة الأردنية عمقاً استراتيجياً، ورسخ حضورها كسياسة عقلانية في الإقليم، توازن بين المبادئ الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي
نعم ، لقد نجح الأردن، خلال ثمانية عقود، في تثبيت معادلة الدولة المستقرة داخل إقليم متغير، وحافظ على حضوره ودوره الإقليمي والدولي بثبات واتزان، رغم كل ما شهده محيطه من انهيارات وتحولات . واليوم يدخل الاردن مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، و يواصل بناء مستقبله على قاعدة صلبة من الإرث المؤسسي، والقيادة الواعية، والوعي المجتمعي العميق بأن الدولة ليست خياراً سياسياً، بل قدرٌ وطني ومسؤولية تاريخية.
سيبقى الأردن، في جوهره، دولة الرسالة والاعتدال، وركناً للاستقرار في منطقة مفتوحة على الاحتمالات، ما دام فيه شعب يؤمن بوطنه، وقيادة تحمل مشروع الدولة، وإرادة وطنية ترى في الاستقلال فعلًا مستمرًا لا لحظة منتهية.
حمى الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وكل عام ووطننا بألف خير .

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 21:56

الكلمات الأكثر بحثاً