جواد العناني ..لا تلعنوا السكران كثيرا بل تمسكوا بخطوطه إلى أن تنجلي 'السكرة'
نيسان ـ نشر في 2026-06-01 الساعة 18:38
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
أحيانًا لا تكمن المشكلة فيما يُقال، بل في اللحظة التي يُقال فيها. لهذا أعتقد أن نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني أخطأ من حيث أصاب. قال شيئا يحمل جانبا من الحقيقة التاريخية، لكنه قيل في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وفي توقيت لا يحتمل مثل هذه الالتباسات.
بطبيعة الحال، لا أحد يشكك في وطنية الرجل أو خبرته أو عمق تجربته السياسية. فالعناني ليس طارئا على الدولة الأردنية، ولا هو من هواة إطلاق التصريحات بحثا عن الأضواء. لذلك فإن التعامل مع حديثه بوصفه زلة لسان أو هذيانا سياسيا يفتقر إلى الإنصاف.
لكن في المقابل، فإن السياسي المخضرم يُحاسب أحيانا على توقيت كلماته أكثر مما يُحاسب على مضمونها.
حين قال العناني إن من رسم خريطة الأردن كان "سكرانا"، انشغل كثيرون بالكلمة نفسها، فيما حاول آخرون البحث عن المعنى الذي أراده الرجل. وبين الفريقين ضاعت القضية الأساسية.
فالحديث لم يكن عن الأردن بحد ذاته، ولا عن شرعية الدولة أو حدودها، بل عن الإرث الاستعماري الذي أنتج خرائط المنطقة الحديثة بعد اتفاقيات سايكس ـ بيكو، وعن تلك الخطوط التي رسمها المستعمر على الورق فقسم بها الجغرافيا الواحدة إلى كيانات متعددة.
وهذا أمر لا يختلف عليه كثير من المؤرخين والباحثين. فالمشرق العربي الذي نعرفه اليوم هو نتاج مرحلة استعمارية أعادت تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى آنذاك.
لكن المشكلة أن هذا النقاش يأتي اليوم في ظرف مختلف تماما.
فنحن لا نعيش لحظة مراجعة تاريخية هادئة، بل نعيش مرحلة تعود فيها مشاريع إعادة تشكيل المنطقة إلى الواجهة من جديد. خرائط تُناقش، وحدود يُراد إعادة تعريفها، وأفكار يجري تداولها حول ترتيبات إقليمية جديدة تحت عناوين مختلفة، بينما تتعرض القضية الفلسطينية لأخطر محاولات التصفية وإعادة الصياغة منذ عقود.
في مثل هذه اللحظة، لا تبدو الحكمة في التشكيك بالخرائط القائمة بقدر ما تبدو في التمسك بها إلى أن تنجلي العاصفة.
صحيح أن المستعمر رسم تلك الحدود وفق مصالحه، وصحيح أن الأمة دفعت أثمانا باهظة نتيجة التقسيم والتجزئة، لكن الصحيح أيضا أن البدائل المطروحة اليوم لا تحمل بالضرورة مشروعا للتحرر أو الوحدة، بل قد تحمل مشاريع أكثر خطورة تخدم القوى ذاتها التي صنعت المأساة الأولى.
لهذا أرى أن جواد العناني التقط الإشارة الصحيحة لكنه أخطأ في التعبير عنها.
فالخطر الحقيقي ليس في خطوط رسمها "سكران" قبل أكثر من قرن، بل في خطوط جديدة قد يرسمها لاعبون أكثر خطورة، يملكون القوة والتكنولوجيا والنفوذ، ويبحثون عن شرق أوسط جديد يخدم مصالحهم وحدهم.
وفي مواجهة هذه اللحظة الملتبسة، قد تصبح المحافظة على الحدود القائمة، بكل ما فيها من تشوهات تاريخية، أقل كلفة من فتح الباب أمام فوضى جيوسياسية لا أحد يعرف أين ستنتهي.
لهذا ربما يكون من الحكمة اليوم التمسك بخطوط "السكران" قليلا، إلى أن تمر هذه اللحظة المترنحة.
فخطوط السكران، مهما كانت مستقيمة أو معوجة، تبقى أقل خطرا من خرائط قد يرسمها متعاط جديد لا يرى في أوطاننا سوى مساحات قابلة لإعادة التشكيل والتقسيم.
أحيانًا لا تكمن المشكلة فيما يُقال، بل في اللحظة التي يُقال فيها. لهذا أعتقد أن نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جواد العناني أخطأ من حيث أصاب. قال شيئا يحمل جانبا من الحقيقة التاريخية، لكنه قيل في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وفي توقيت لا يحتمل مثل هذه الالتباسات.
بطبيعة الحال، لا أحد يشكك في وطنية الرجل أو خبرته أو عمق تجربته السياسية. فالعناني ليس طارئا على الدولة الأردنية، ولا هو من هواة إطلاق التصريحات بحثا عن الأضواء. لذلك فإن التعامل مع حديثه بوصفه زلة لسان أو هذيانا سياسيا يفتقر إلى الإنصاف.
لكن في المقابل، فإن السياسي المخضرم يُحاسب أحيانا على توقيت كلماته أكثر مما يُحاسب على مضمونها.
حين قال العناني إن من رسم خريطة الأردن كان "سكرانا"، انشغل كثيرون بالكلمة نفسها، فيما حاول آخرون البحث عن المعنى الذي أراده الرجل. وبين الفريقين ضاعت القضية الأساسية.
فالحديث لم يكن عن الأردن بحد ذاته، ولا عن شرعية الدولة أو حدودها، بل عن الإرث الاستعماري الذي أنتج خرائط المنطقة الحديثة بعد اتفاقيات سايكس ـ بيكو، وعن تلك الخطوط التي رسمها المستعمر على الورق فقسم بها الجغرافيا الواحدة إلى كيانات متعددة.
وهذا أمر لا يختلف عليه كثير من المؤرخين والباحثين. فالمشرق العربي الذي نعرفه اليوم هو نتاج مرحلة استعمارية أعادت تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى آنذاك.
لكن المشكلة أن هذا النقاش يأتي اليوم في ظرف مختلف تماما.
فنحن لا نعيش لحظة مراجعة تاريخية هادئة، بل نعيش مرحلة تعود فيها مشاريع إعادة تشكيل المنطقة إلى الواجهة من جديد. خرائط تُناقش، وحدود يُراد إعادة تعريفها، وأفكار يجري تداولها حول ترتيبات إقليمية جديدة تحت عناوين مختلفة، بينما تتعرض القضية الفلسطينية لأخطر محاولات التصفية وإعادة الصياغة منذ عقود.
في مثل هذه اللحظة، لا تبدو الحكمة في التشكيك بالخرائط القائمة بقدر ما تبدو في التمسك بها إلى أن تنجلي العاصفة.
صحيح أن المستعمر رسم تلك الحدود وفق مصالحه، وصحيح أن الأمة دفعت أثمانا باهظة نتيجة التقسيم والتجزئة، لكن الصحيح أيضا أن البدائل المطروحة اليوم لا تحمل بالضرورة مشروعا للتحرر أو الوحدة، بل قد تحمل مشاريع أكثر خطورة تخدم القوى ذاتها التي صنعت المأساة الأولى.
لهذا أرى أن جواد العناني التقط الإشارة الصحيحة لكنه أخطأ في التعبير عنها.
فالخطر الحقيقي ليس في خطوط رسمها "سكران" قبل أكثر من قرن، بل في خطوط جديدة قد يرسمها لاعبون أكثر خطورة، يملكون القوة والتكنولوجيا والنفوذ، ويبحثون عن شرق أوسط جديد يخدم مصالحهم وحدهم.
وفي مواجهة هذه اللحظة الملتبسة، قد تصبح المحافظة على الحدود القائمة، بكل ما فيها من تشوهات تاريخية، أقل كلفة من فتح الباب أمام فوضى جيوسياسية لا أحد يعرف أين ستنتهي.
لهذا ربما يكون من الحكمة اليوم التمسك بخطوط "السكران" قليلا، إلى أن تمر هذه اللحظة المترنحة.
فخطوط السكران، مهما كانت مستقيمة أو معوجة، تبقى أقل خطرا من خرائط قد يرسمها متعاط جديد لا يرى في أوطاننا سوى مساحات قابلة لإعادة التشكيل والتقسيم.


