الفقاعة
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 08:36
نيسان ـ نعيش في زمن يشبه كرنفالا لا ينتهي؛ صور تتدافع بلا ذاكرة، وعواطف مستهلكة تُعرض كسلعة على رفوف لا تخلو أبدا، وضحكات رقمية تولد وتموت في اللحظة نفسها. نمضي أيامنا بإيماءة إصبع، نقلب المشاهد كما يقلب شخص كتابا ضخما لا يريد قراءته، ومع ذلك يخشى أن يفوته سطر واحد. نلتهم كما هائلا من الحكايات والآراء والانفعالات، حتى أصبح الامتلاء شكلا جديدا من الفراغ. فأصبحنا نرى كل شيء تقريبا، من دون أن نلامس جوهر أي شيء.
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل، وإنما تحولت إلى منظومة هائلة تعيد تشكيل وعينا بصبر ودقة. وقد نبه «أمبرتو إيكو» منذ سنوات إلى خطرها حين رأى أنها منحت المنابر لفيالق من الحمقى، ممن لم يكن لصوتهم أثر خارج حدودهم الضيقة، فإذا بهم يخاطبون العالم بثقة الحكماء والعلماء. غير أن الضجيج الذي يصدر عن الآخرين ليس الخطر الأعمق، فالأشد وطأة هو ذلك الذي يتسلل إلى داخلنا، ويعيد ترتيب أفكارنا حتى نصبح قادرين على تصديق الشيء ونقيضه في آن واحد، كما وصف «جورج أورويل».
هكذا نشأ فينا انقسام ظاهر ومقيم؛ نلعن الانحلال ونعجب بزخرفته، نبكي على مقدساتنا ونصفق حين تُمس مقدسات غيرنا، نستنكر الفضائح الأخلاقية ثم نبحث عنها بشغف. ليست القضية نفاقا بالمعنى التقليدي، وإنما حالة معرفية مشوهة نتبناها بإرادتنا، حتى أصبح التناقض جزءا مألوفا من شخصياتنا وسلوكنا اليومي.
أما الخوارزميات فلا تفتح لنا باب الخروج من هذا المأزق، وإنما تزيد جدرانه سماكة. إنها تعرفنا على نحو مدهش، لكنها لا تكترث بما ينفعنا. تمنحنا ما يرضي أهواءنا، لا ما يوسع وعينا. تحيطنا بفقاعة مريحة وتردد في آذاننا: أنت محق دائما. ومع الوقت نصبح أسرى انعكاساتنا، ونسكن مرايا مصقولة لا تعرض لنا سوى ما نرغب في رؤيته.
وفي خضم هذا الضجيج المتوهج، تذبل واحدة من أهم ملكات الإنسان: القدرة على الشك. يتراجع ذلك الصوت الذي يدفعنا إلى مساءلة أنفسنا، إلى مراجعة يقيننا، إلى طرح الأسئلة التي تصنع الحرية وتمنح الوعي حياة متجددة.
وربما لا نحتاج إلى فلسفات كبرى، ولا إلى وصايا طويلة، ولا إلى خطب ومرافعات. ما نحتاجه في الغالب لحظة صدق خالصة. أن تضع هاتفك جانبا، لا باعتبارها استراحة قصيرة، وإنما باعتبارها مواجهة مع نفسك. أن تنصت إلى ذلك الصوت الذي ظل ينتظر خلف طبقات التنبيهات والصور والتمريرات المتلاحقة.
عندها فقط يتكشف أمر بالغ البساطة وعظيم الدلالة: لم تنكسر بوصلتك الداخلية، ولم تفقد طريقها. كانت تتوارى بعيدا عن الضجيج حفاظا على نقائها. وحين تستعيد الإصغاء إليها، يعود المعنى ليتوهج من جديد، وتنكشف حقيقة ظللنا نهرب منها طويلا: النجاة لا تولد من الخارج، ولا تمنحها الشاشات مهما اتسعت، وإنما تنبع من ذلك الضوء الكامن في أعماق الإنسان، الضوء الذي يعرف طريقه حتى عندما يضيع العالم من حوله.
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل، وإنما تحولت إلى منظومة هائلة تعيد تشكيل وعينا بصبر ودقة. وقد نبه «أمبرتو إيكو» منذ سنوات إلى خطرها حين رأى أنها منحت المنابر لفيالق من الحمقى، ممن لم يكن لصوتهم أثر خارج حدودهم الضيقة، فإذا بهم يخاطبون العالم بثقة الحكماء والعلماء. غير أن الضجيج الذي يصدر عن الآخرين ليس الخطر الأعمق، فالأشد وطأة هو ذلك الذي يتسلل إلى داخلنا، ويعيد ترتيب أفكارنا حتى نصبح قادرين على تصديق الشيء ونقيضه في آن واحد، كما وصف «جورج أورويل».
هكذا نشأ فينا انقسام ظاهر ومقيم؛ نلعن الانحلال ونعجب بزخرفته، نبكي على مقدساتنا ونصفق حين تُمس مقدسات غيرنا، نستنكر الفضائح الأخلاقية ثم نبحث عنها بشغف. ليست القضية نفاقا بالمعنى التقليدي، وإنما حالة معرفية مشوهة نتبناها بإرادتنا، حتى أصبح التناقض جزءا مألوفا من شخصياتنا وسلوكنا اليومي.
أما الخوارزميات فلا تفتح لنا باب الخروج من هذا المأزق، وإنما تزيد جدرانه سماكة. إنها تعرفنا على نحو مدهش، لكنها لا تكترث بما ينفعنا. تمنحنا ما يرضي أهواءنا، لا ما يوسع وعينا. تحيطنا بفقاعة مريحة وتردد في آذاننا: أنت محق دائما. ومع الوقت نصبح أسرى انعكاساتنا، ونسكن مرايا مصقولة لا تعرض لنا سوى ما نرغب في رؤيته.
وفي خضم هذا الضجيج المتوهج، تذبل واحدة من أهم ملكات الإنسان: القدرة على الشك. يتراجع ذلك الصوت الذي يدفعنا إلى مساءلة أنفسنا، إلى مراجعة يقيننا، إلى طرح الأسئلة التي تصنع الحرية وتمنح الوعي حياة متجددة.
وربما لا نحتاج إلى فلسفات كبرى، ولا إلى وصايا طويلة، ولا إلى خطب ومرافعات. ما نحتاجه في الغالب لحظة صدق خالصة. أن تضع هاتفك جانبا، لا باعتبارها استراحة قصيرة، وإنما باعتبارها مواجهة مع نفسك. أن تنصت إلى ذلك الصوت الذي ظل ينتظر خلف طبقات التنبيهات والصور والتمريرات المتلاحقة.
عندها فقط يتكشف أمر بالغ البساطة وعظيم الدلالة: لم تنكسر بوصلتك الداخلية، ولم تفقد طريقها. كانت تتوارى بعيدا عن الضجيج حفاظا على نقائها. وحين تستعيد الإصغاء إليها، يعود المعنى ليتوهج من جديد، وتنكشف حقيقة ظللنا نهرب منها طويلا: النجاة لا تولد من الخارج، ولا تمنحها الشاشات مهما اتسعت، وإنما تنبع من ذلك الضوء الكامن في أعماق الإنسان، الضوء الذي يعرف طريقه حتى عندما يضيع العالم من حوله.
نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 08:36
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


