'تأثير تتريس'.. حين يرفض عقلك مغادرة المكتب
نيسان ـ نشر في 2026-06-20 الساعة 12:43
نيسان ـ تغلق الحاسوب. تخرج من المكتب. ترد على آخر رسالة بعبارة قصيرة: “نلتقي غدًا”. لكن العمل لا يبقى خلفك. يمشي معك إلى السيارة، يجلس معك على العشاء، يفتح عينيه في رأسك قبل النوم. أنت غادرت المكان، لكن دماغك لم يغادره بعد.
هذا ما يشرحه ما يُعرف بـ "تأثير تتريس"، وهي ظاهرة نفسية سُمّيت على اسم لعبة تتريس الشهيرة، حين لاحظ اللاعبون أنهم بعد ساعات طويلة من ترتيب القطع المتساقطة، بدأوا يرون العالم بالطريقة نفسها: صناديق تتحرك، أشكال تُرتب، فراغات يجب ملؤها. حتى بعد إغلاق اللعبة، كان الدماغ يواصل اللعب.
وبحسب "بيغ ثينك" لأخبار الصحة، يحدث تأثير تتريس عندما تؤدي مهمة متكررة لفترة طويلة، فيبدأ الدماغ بإعادة تشكيل طريقة تفكيرك وإدراكك للعالم. السبب هو المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على التكيف وبناء مسارات جديدة بحسب ما نكرره ونركز عليه. ما نفعله كثيرًا لا يبقى فعلًا خارجيًا، بل يتحول إلى طريقة رؤية.
المشكلة أن العمل الحديث يشبه تتريس أكثر مما نعتقد. رسائل تتساقط. اجتماعات تُرصّ فوق بعضها. مهام يجب أن تدخل في فراغ صغير بين موعد وآخر. تنبيهات تظهر بلا توقف. وكلما أنهيت مهمة، نزلت أخرى من أعلى الشاشة. في النهاية، لا يصبح العمل شيئًا تفعله فقط، بل نمطًا عصبيًا يظل يعمل في الخلفية.
لهذا قد تجد نفسك بعد ساعات العمل ترتب أفكارك كما ترتب بريدك الإلكتروني: عاجل، مؤجل، يحتاج ردًا، يحتاج متابعة. قد تسمع إشعارًا وهميًا. قد تراجع محادثة مع مديرك وأنت تستحم. قد تفتح هاتفك “لثانية واحدة” ثم تعود إلى وضع الموظف فورًا. كأن العقل لم يفهم أن الدوام انتهى.
في دراسة مبكرة عن الظاهرة، طلب الباحث روبرت ستيكغولد وزملاؤه من 27 شخصًا لعب تتريس لعدة ساعات على مدى ثلاثة أيام، ثم تابعوا ما يحدث لهم عند بداية النوم. كانت النتيجة أن عددًا منهم رأى صور اللعبة وأشكالها في الحالة الفاصلة بين اليقظة والنوم، حتى بعض المشاركين الذين لديهم فقدان ذاكرة لم يتذكروا اللعبة نفسها، لكن أدمغتهم استمرت في إنتاج صور تشبهها.
هذا هو الجزء المخيف والجميل في الدماغ: إنه يتدرب حتى عندما لا نطلب منه ذلك. ما تكرره كثيرًا يصبح لغة داخلية. لاعب تتريس يرى العالم كقطع قابلة للترتيب. المحاسب يرى الأرقام. المصمم يرى المساحات. الصحفي يرى العناوين. والموظف المحاصر بالتنبيهات يرى الحياة كلها كقائمة مهام لم تُنجز بعد.
ولا تتعلق الظاهرة بالألعاب وحدها، بل بكيفية تكيف الدماغ مع المنبهات المتكررة، وكيف يمكن للتجربة أن تشكل الإدراك والذاكرة وحل المشكلات. بمعنى آخر: ما نمارسه طويلًا يبدأ في ممارستنا نحن.
لهذا لا يكون الإرهاق بعد العمل جسديًا فقط. قد تكون جالسًا على أريكة مريحة، لكن دماغك ما زال في الاجتماع. قد تكون في إجازة قصيرة، لكنك تفكر في الرسالة التي لم تُرسل. وقد يكون أكثر ما يسرق راحتك ليس حجم العمل، بل استمراره داخلك بعد أن ينتهي خارجيًا.
تأثير تتريس يشرح لماذا لا تكفي جملة “افصل بعد الدوام”. فالدماغ لا يتوقف بزر. إذا قضى اليوم كاملًا في وضع الاستجابة، سيتأخر في الخروج منه. وإذا تعلم أن كل صوت قد يكون مهمة، سيظل يبحث عن المهام حتى في الصمت. وإذا عاش طويلًا داخل منطق الإنتاجية، سيشعر بالذنب حين لا ينتج.
لكن الظاهرة تحمل جانبًا مفيدًا أيضًا. إذا كان الدماغ يتشكل بما نكرره، فهذا يعني أننا نستطيع تعليمه أن يغادر العمل ببطء. طقس صغير في نهاية اليوم، مثل كتابة ما أُنجز وما سيؤجل للغد، قد يعطي الدماغ إشارة إغلاق. إبعاد الهاتف ساعة قبل النوم قد يقلل "قطع تتريس" الرقمية التي تتساقط في الرأس. المشي، القراءة، الصلاة، الرياضة، أو أي فعل لا علاقة له بالإنتاج، قد يعيد للدماغ نمطًا آخر غير العمل.
لسنا آلات تغلق عند الخامسة مساءً. نحن نحمل آثار ما نفعله في أجسادنا وأحلامنا وطريقة نظرنا للعالم. لذلك، حين تقول إنك غادرت العمل، اسأل نفسك: هل غادرته فعلًا؟ أم أن القطع ما زالت تتساقط في رأسك، واحدة تلو الأخرى، تبحث عن مكانٍ لتستقر فيه؟
نورا المرزوقي
هذا ما يشرحه ما يُعرف بـ "تأثير تتريس"، وهي ظاهرة نفسية سُمّيت على اسم لعبة تتريس الشهيرة، حين لاحظ اللاعبون أنهم بعد ساعات طويلة من ترتيب القطع المتساقطة، بدأوا يرون العالم بالطريقة نفسها: صناديق تتحرك، أشكال تُرتب، فراغات يجب ملؤها. حتى بعد إغلاق اللعبة، كان الدماغ يواصل اللعب.
وبحسب "بيغ ثينك" لأخبار الصحة، يحدث تأثير تتريس عندما تؤدي مهمة متكررة لفترة طويلة، فيبدأ الدماغ بإعادة تشكيل طريقة تفكيرك وإدراكك للعالم. السبب هو المرونة العصبية، أي قدرة الدماغ على التكيف وبناء مسارات جديدة بحسب ما نكرره ونركز عليه. ما نفعله كثيرًا لا يبقى فعلًا خارجيًا، بل يتحول إلى طريقة رؤية.
المشكلة أن العمل الحديث يشبه تتريس أكثر مما نعتقد. رسائل تتساقط. اجتماعات تُرصّ فوق بعضها. مهام يجب أن تدخل في فراغ صغير بين موعد وآخر. تنبيهات تظهر بلا توقف. وكلما أنهيت مهمة، نزلت أخرى من أعلى الشاشة. في النهاية، لا يصبح العمل شيئًا تفعله فقط، بل نمطًا عصبيًا يظل يعمل في الخلفية.
لهذا قد تجد نفسك بعد ساعات العمل ترتب أفكارك كما ترتب بريدك الإلكتروني: عاجل، مؤجل، يحتاج ردًا، يحتاج متابعة. قد تسمع إشعارًا وهميًا. قد تراجع محادثة مع مديرك وأنت تستحم. قد تفتح هاتفك “لثانية واحدة” ثم تعود إلى وضع الموظف فورًا. كأن العقل لم يفهم أن الدوام انتهى.
في دراسة مبكرة عن الظاهرة، طلب الباحث روبرت ستيكغولد وزملاؤه من 27 شخصًا لعب تتريس لعدة ساعات على مدى ثلاثة أيام، ثم تابعوا ما يحدث لهم عند بداية النوم. كانت النتيجة أن عددًا منهم رأى صور اللعبة وأشكالها في الحالة الفاصلة بين اليقظة والنوم، حتى بعض المشاركين الذين لديهم فقدان ذاكرة لم يتذكروا اللعبة نفسها، لكن أدمغتهم استمرت في إنتاج صور تشبهها.
هذا هو الجزء المخيف والجميل في الدماغ: إنه يتدرب حتى عندما لا نطلب منه ذلك. ما تكرره كثيرًا يصبح لغة داخلية. لاعب تتريس يرى العالم كقطع قابلة للترتيب. المحاسب يرى الأرقام. المصمم يرى المساحات. الصحفي يرى العناوين. والموظف المحاصر بالتنبيهات يرى الحياة كلها كقائمة مهام لم تُنجز بعد.
ولا تتعلق الظاهرة بالألعاب وحدها، بل بكيفية تكيف الدماغ مع المنبهات المتكررة، وكيف يمكن للتجربة أن تشكل الإدراك والذاكرة وحل المشكلات. بمعنى آخر: ما نمارسه طويلًا يبدأ في ممارستنا نحن.
لهذا لا يكون الإرهاق بعد العمل جسديًا فقط. قد تكون جالسًا على أريكة مريحة، لكن دماغك ما زال في الاجتماع. قد تكون في إجازة قصيرة، لكنك تفكر في الرسالة التي لم تُرسل. وقد يكون أكثر ما يسرق راحتك ليس حجم العمل، بل استمراره داخلك بعد أن ينتهي خارجيًا.
تأثير تتريس يشرح لماذا لا تكفي جملة “افصل بعد الدوام”. فالدماغ لا يتوقف بزر. إذا قضى اليوم كاملًا في وضع الاستجابة، سيتأخر في الخروج منه. وإذا تعلم أن كل صوت قد يكون مهمة، سيظل يبحث عن المهام حتى في الصمت. وإذا عاش طويلًا داخل منطق الإنتاجية، سيشعر بالذنب حين لا ينتج.
لكن الظاهرة تحمل جانبًا مفيدًا أيضًا. إذا كان الدماغ يتشكل بما نكرره، فهذا يعني أننا نستطيع تعليمه أن يغادر العمل ببطء. طقس صغير في نهاية اليوم، مثل كتابة ما أُنجز وما سيؤجل للغد، قد يعطي الدماغ إشارة إغلاق. إبعاد الهاتف ساعة قبل النوم قد يقلل "قطع تتريس" الرقمية التي تتساقط في الرأس. المشي، القراءة، الصلاة، الرياضة، أو أي فعل لا علاقة له بالإنتاج، قد يعيد للدماغ نمطًا آخر غير العمل.
لسنا آلات تغلق عند الخامسة مساءً. نحن نحمل آثار ما نفعله في أجسادنا وأحلامنا وطريقة نظرنا للعالم. لذلك، حين تقول إنك غادرت العمل، اسأل نفسك: هل غادرته فعلًا؟ أم أن القطع ما زالت تتساقط في رأسك، واحدة تلو الأخرى، تبحث عن مكانٍ لتستقر فيه؟
نورا المرزوقي


