اتصل بنا
 

الروبوتات.. من الإزاحة للمنافسة

نيسان ـ نشر في 2026-07-05 الساعة 14:13

الروبوتات.. من الإزاحة للمنافسة
نيسان ـ في صباح قريب، يفتح مدير الموارد البشرية باب غرفة المقابلات، فيدخل متقدمان إلى وظيفة واحدة. الأول شاب يحمل ملفه بين يديه، والثاني روبوت بشري القامة، يمشي على قدمين، يحيي اللجنة بصوت محسوب، ويضع على الشاشة الصغيرة في صدره سيرته المهنية وشهادات تدريبه.
لا أحد في الغرفة يضحك. لم يعد المشهد طرفة من طرائف الخيال العلمي. فالوظيفة لم تختف بعد كما اختفت وظائف كثيرة أمام موجات الآلة، من خطوط التجميع إلى إدخال البيانات، وإنما صارت ساحة منافسة جديدة. الإنسان والروبوت لا يقفان هذه المرة على طرفين متباعدين، إنهما يجلسان أمام اللجنة نفسها، ويسمعان السؤال نفسه: لماذا نختارك أنت؟
مدرسة الروبوت
هذا الخيال صار أقرب إلى الواقع بعد افتتاح الصين أول مدرسة مخصصة لتدريب الروبوتات البشرية في مدينة هانغتشو بمقاطعة تشجيانغ. وبحسب شبكة «سي جي تي إن»، فإن مدرسة هانغتشو للروبوتات تقدم أربعة مسارات تدريبية للروبوتات البشرية، هي المهارات التقنية، والرعاية، والفنون، والرياضة، بهدف إعداد روبوتات أكثر قدرة على أداء مهام عملية وإبداعية في العالم الحقيقي.
وبحسب وكالة «إي سي إن إس»، بدأت المدرسة بفصل أول يضم 30 روبوتاً بشرياً، وتتولى تدريبهم قبل منحهم شهادات تؤهلهم للعمل في قطاعات مثل الصناعة والخدمات والأمن والترفيه. وتخضع الروبوتات عند التسجيل لفحص يشمل كفاءة الأجهزة وسلامة الوظائف وتوافق الخوارزميات، ثم تلتحق بمسارات متخصصة تشمل الفنيين والرعاية الصحية والفنون والرياضة.
هذه ليست مدرسة بالمعنى الذي عرفناه، فلا دفاتر فيها ولا حقائب صغيرة ولا طلاب يتأخرون عن الحصة الأولى. إنها معمل جديد لسوق العمل، فيه تتعلم الآلات كيف تتحرك، وكيف ترى، وكيف تتحدث، وكيف تتعامل مع الإنسان في الممرات والمستودعات والمستشفيات والمسارح.
سؤال العمل
حين يجلس الشاب والروبوت في مقابلة واحدة، لن يكون السؤال عن القوة وحدها. فالروبوت لا يتعب سريعاً، ولا يطلب إجازة، ولا ينسى تعليمات السلامة إذا كانت مبرمجة جيداً. وقد ينجح في العمل الليلي، وفي حمل الأشياء، وفي استقبال الزوار، وفي تكرار المهمة مئة مرة من غير ضجر.
أما الإنسان فيحضر بشيء آخر. يحضر بالحدس، وبالشك، وبالرحمة، وبالقدرة على قراءة ما لا تقوله الكلمات. يعرف أحياناً متى يخالف التعليمات لينقذ موقفاً، ومتى يصمت احتراماً لحزن عابر على وجه عميل، ومتى يبتكر حلاً لم يكن في الدليل.
غير أن هذا الامتياز الإنساني لم يعد كافياً إن ظل صاحبه واقفاً مكانه. فالروبوت الذي يدخل المقابلة ليس آلة صماء كما كانت آلات المصانع الأولى، إنه يتعلم. والمدرسة الصينية الجديدة تقول للعالم إن تدريب الروبوتات لم يعد اختباراً في المختبر، وإنما مساراً مهنياً له فصول وشهادات وتخصصات.
أرقام ناطقة
تدخل هذه القصة في زمن تتسارع فيه الروبوتات على نحو غير مسبوق. فبحسب الاتحاد الدولي للروبوتات، جرى تركيب 542 ألف روبوت صناعي في العالم خلال عام 2024، وهو رقم يزيد على ضعف ما كان عليه قبل عشر سنوات. كما بلغ عدد الروبوتات الصناعية العاملة في العالم 4.664 ملايين روبوت، بزيادة 9 في المئة على العام السابق.
وتتصدر الصين هذا التحول. فبحسب الاتحاد الدولي للروبوتات، استحوذت الصين وحدها على 54 في المئة من الروبوتات الصناعية الجديدة في 2024، مع تركيب 295 ألف روبوت صناعي، كما تجاوز مخزونها التشغيلي مليوني روبوت، وهو الأكبر عالمياً.
هذه الأرقام لا تتحدث عن المستقبل البعيد، وإنما عن حاضر يتحرك تحت أقدامنا. فما بدأ في المصانع المغلقة يمتد اليوم إلى الممرات المفتوحة، إلى الفنادق والمستشفيات والمطارات والمخازن، وربما إلى قاعات المقابلات التي كنا نظنها من اختصاص البشر وحدهم.
وظائف تتغير
بحسب تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أصحاب العمل أن تشهد سوق العمل العالمية تحولاً بنيوياً يعادل 22 في المئة من الوظائف الحالية بين 2025 و2030. ويقدر التقرير أن العالم سيخلق 170 مليون وظيفة جديدة، في مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بما يعني نمواً صافياً قدره 78 مليون وظيفة.
ويقول التقرير نفسه إن 86 في المئة من أصحاب العمل يتوقعون أن تغيّر تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات أعمالهم بحلول 2030، فيما يرى 58 في المئة أن الروبوتات والأتمتة ستكون من القوى المحولة لأعمالهم. كما يتوقع التقرير تراجع وظائف مثل أمناء الصناديق وموظفي التذاكر والمساعدين الإداريين وكتبة إدخال البيانات.
هنا تتبدل طبيعة الخوف. لم يعد الخوف أن يأتي الروبوت فيمحو وظيفة بكاملها فحسب، وإنما أن يأتي إلى وظيفة باقية، فيزاحم الإنسان فيها، ويطالبه بأن يثبت قيمته من جديد.
درس الصين
الروبوت لم يعد منتجاً يباع بعد خروجه من المصنع، وإنما كائن تقني يتلقى تدريباً مستمراً، ويمر بتقييم، ثم يحصل على شهادة مهنية. وبحسب «إي سي إن إس»، فإن الروبوتات التي تجتاز الاختبارات ستحصل على شهادات تعادل المؤهلات المهنية، بما يسمح بنشرها بدوام كامل في مجالاتها المحددة.
ولعل أخطر ما في المشهد أنه لا يعلن نهاية الإنسان، وإنما يطالبه بنسخة أجدر من نفسه. فالروبوت يستطيع أن يتعلم المهارة، ويستطيع أن يقلد الحركة، ويستطيع أن يحسن الإجابة. أما الإنسان، فإن لم يضف إلى مهارته خيالاً وذوقاً وأخلاقاً ومسؤولية، فقد يجد نفسه ينافس آلة في ملعب اختارته الآلة جيداً.
قيمة الإنسان
لا ينبغي أن يكون الجواب حرباً بين الإنسان والروبوت. فكل عصر حمل آلة جديدة ثم اضطر الإنسان إلى ترتيب علاقته بها. غير أن هذه المرة أشد حساسية، لأن الآلة أخذت شكلنا، ومشت على أقدام تشبه أقدامنا، وبدأت تتعلم أعمالاً كنا نعدها من شأن البشر.
الطريق الأسلم ليس في إنكار القادم، ولا في التسليم له. الطريق أن نعيد تعريف العمل نفسه. فما تستطيع الآلة فعله بكفاءة ينبغي أن يحرر الإنسان لما هو أرفع: التفكير، الرعاية، الابتكار، الحكم الأخلاقي، بناء الثقة، وفهم السياق الذي لا يظهر في البيانات.
حين تخرج اللجنة من غرفة المقابلات في ذلك الصباح القريب، قد تختار الروبوت لبعض المهام، وقد تختار الإنسان لبعضها، وقد تختارهما معاً. غير أن القرار الأعمق لن يكون في اسم الفائز بالوظيفة، وإنما في السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق كل مكتب وكل مصنع وكل مدرسة: ماذا نملك نحن مما لا تستطيع الآلة أن تتعلمه بسهولة؟
ذلك هو الامتحان الجديد. لم يعد الروبوت ينتظرنا في نهاية خط الإنتاج، إنه يجلس معنا في قاعة الانتظار. يحمل ملفه، ينتظر اسمه، ويستعد لأن يقول للجنة بثقة باردة: أنا أيضاً مؤهل لهذه الوظيفة.

نيسان ـ نشر في 2026-07-05 الساعة 14:13

الكلمات الأكثر بحثاً