رجال يضعون أحمر الشفاه... ونساء يحملن المطرقة
نيسان ـ نشر في 2026-07-23 الساعة 16:12
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
لم أحتج إلى دراسة أجنبية لتخبرني أن المرأة الشرقية أصبحت أكثر "ذكورة"، وأن بعض الرجال الشرقيين فقدوا كثيرا من صفاتهم الرجولية. نحن في الشرق لا نقرأ هذه التحولات في تقارير الجامعات، بل نراها كل صباح في الشوارع والبيوت ودوائر الحكومة وحتى في طوابير الخبز.
الدراسة جاءت متأخرة. الواقع سبقها بسنوات، يكفي أن تقف دقائق في أي مكان عام، لتدرك أن شيئا ما تبدل في تركيبة المجتمع، المرأة التي كانت تستظل بالرجل، صارت هي الظل، وهو الذي يبحث عمن يظله.
لم تعد المرأة تنتظر من ينجز عنها، هي التي تقود السيارة، وتدفع الأقساط، وتراجع المؤسسات، وتفاوض الموظفين، وتتشاجر مع المقاول، وتلاحق المعاملات، وتعود إلى بيتها لتطهو الطعام وتساعد أبناءها في الدراسة، وكأن الأربع والعشرين ساعة خُلقت لها وحدها.
ومع كل معركة تخوضها، كانت تخسر شيئا من نعومتها، وتربح شيئا من الخشونة، حتى ظهرت بيننا المرأة المسترجلة، لا لأنها ولدت كذلك، بل لأن الحياة دفعتها إلى ارتداء درع لم تختره، فاختلطت القوة بالقسوة، والاستقلال بالتحدي، حتى كادت بعض النساء ينسين أن القوة لا تعني التخلي عن الأنوثة.
وفي المقابل، حدث أمر أكثر غرابة. لم يعد بعض الرجال كما عرفهم المجتمع يوما، لم يعودوا سندا ولا كتفا ولا ملاذا، صار الواحد منهم يعتني بانعكاسه في المرآة أكثر مما يعتني بانعكاس حضوره في حياته، صار يخشى المواجهة، ويؤجل القرار، ويتوارى عند أول اختبار، وكأن الرجولة أصبحت عبئا يريد التخلص منه.
لا أسميه رجلا مستأنثا، فهذه كلمة لا تشرح شيئا، بل هو رجل استقال من رجولته، تنازل طوعا عن معنى المسؤولية، واكتفى بالهيئة، احتفظ بالشكل، وفرط بالمضمون.
المفارقة أن الطرفين يدفعان الثمن؛ المرأة التي تحمل كل شيء، تكتشف بعد سنوات أن الحديد يحمي الجسد لكنه يرهق الروح، والرجل الذي يهرب من مسؤوليته، يكتشف متأخرا أن الحياة لا تحترم من يعيش على هامشها، مهما أكثر من تلميع صورته.
لا أعمم، فما زالت بيننا نساء يعرفن كيف يجمعن بين القوة والأنوثة، ورجال يدركون أن الرجولة ليست غلظة ولا استعلاء، بل موقف وشهامة وقدرة على حمل الأعباء، لكن الظاهرة موجودة، وإنكارها لا يلغيها.
ولعل أخطر ما فيها أننا بدأنا نتعامل معها بوصفها أمرا طبيعيا، نصفق للمرأة كلما حملت ما ليس من واجبها أن تحمله، ونعذر الرجل كلما تخلى عما كان يفترض أن يقوم به.
وهكذا، من دون أن نشعر، لم نعد نربي رجالا يتحملون، ولا نساء يعشن، بل ذكور يستقيلون من رجولتهم، ونساء يضطررن إلى استعارتها.
لم أحتج إلى دراسة أجنبية لتخبرني أن المرأة الشرقية أصبحت أكثر "ذكورة"، وأن بعض الرجال الشرقيين فقدوا كثيرا من صفاتهم الرجولية. نحن في الشرق لا نقرأ هذه التحولات في تقارير الجامعات، بل نراها كل صباح في الشوارع والبيوت ودوائر الحكومة وحتى في طوابير الخبز.
الدراسة جاءت متأخرة. الواقع سبقها بسنوات، يكفي أن تقف دقائق في أي مكان عام، لتدرك أن شيئا ما تبدل في تركيبة المجتمع، المرأة التي كانت تستظل بالرجل، صارت هي الظل، وهو الذي يبحث عمن يظله.
لم تعد المرأة تنتظر من ينجز عنها، هي التي تقود السيارة، وتدفع الأقساط، وتراجع المؤسسات، وتفاوض الموظفين، وتتشاجر مع المقاول، وتلاحق المعاملات، وتعود إلى بيتها لتطهو الطعام وتساعد أبناءها في الدراسة، وكأن الأربع والعشرين ساعة خُلقت لها وحدها.
ومع كل معركة تخوضها، كانت تخسر شيئا من نعومتها، وتربح شيئا من الخشونة، حتى ظهرت بيننا المرأة المسترجلة، لا لأنها ولدت كذلك، بل لأن الحياة دفعتها إلى ارتداء درع لم تختره، فاختلطت القوة بالقسوة، والاستقلال بالتحدي، حتى كادت بعض النساء ينسين أن القوة لا تعني التخلي عن الأنوثة.
وفي المقابل، حدث أمر أكثر غرابة. لم يعد بعض الرجال كما عرفهم المجتمع يوما، لم يعودوا سندا ولا كتفا ولا ملاذا، صار الواحد منهم يعتني بانعكاسه في المرآة أكثر مما يعتني بانعكاس حضوره في حياته، صار يخشى المواجهة، ويؤجل القرار، ويتوارى عند أول اختبار، وكأن الرجولة أصبحت عبئا يريد التخلص منه.
لا أسميه رجلا مستأنثا، فهذه كلمة لا تشرح شيئا، بل هو رجل استقال من رجولته، تنازل طوعا عن معنى المسؤولية، واكتفى بالهيئة، احتفظ بالشكل، وفرط بالمضمون.
المفارقة أن الطرفين يدفعان الثمن؛ المرأة التي تحمل كل شيء، تكتشف بعد سنوات أن الحديد يحمي الجسد لكنه يرهق الروح، والرجل الذي يهرب من مسؤوليته، يكتشف متأخرا أن الحياة لا تحترم من يعيش على هامشها، مهما أكثر من تلميع صورته.
لا أعمم، فما زالت بيننا نساء يعرفن كيف يجمعن بين القوة والأنوثة، ورجال يدركون أن الرجولة ليست غلظة ولا استعلاء، بل موقف وشهامة وقدرة على حمل الأعباء، لكن الظاهرة موجودة، وإنكارها لا يلغيها.
ولعل أخطر ما فيها أننا بدأنا نتعامل معها بوصفها أمرا طبيعيا، نصفق للمرأة كلما حملت ما ليس من واجبها أن تحمله، ونعذر الرجل كلما تخلى عما كان يفترض أن يقوم به.
وهكذا، من دون أن نشعر، لم نعد نربي رجالا يتحملون، ولا نساء يعشن، بل ذكور يستقيلون من رجولتهم، ونساء يضطررن إلى استعارتها.


