ساركوزي في أدب السجون؟
صبحي حديدي
كاتب عربي
نيسان ـ نشر في 2026-07-27 الساعة 13:38
نيسان ـ بأيّ خليط من المشاعر، المتضاربة تلقائياً وبالضرورة كما قد يصحّ القول، يمكن للمرء أن يقرأ كتاب «يوميات سجين»؛ الذي لم يوقعه مناضل سياسي أو سجين رأي أو ناشط حقوقي أو مجرم قاتل أو لصّ محترف أو فاسد مختلس أو… بل حمل اسم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي؟ وهل، تحت أيّ اعتبار أو تصنيف، يصحّ إدراجه في خانة أدب السجون، الشهيرة المفتوحة، وربما الفضفاضة المنفلتة من الضوابط؛ لأنها في مقام أوّل تنتهي غالباً إلى استدراج التعاطف حيال الاعتقال والتوقيف والاحتجاز وظلمات الزنزانة؛ ولأنها، في مقام لاحق، تستدرج الغضب من سلطات السجون، خاصة تلك التي تخص الموقف والضمير؟
ليس هذا العمود المقامَ الملائم لاستعراض القضايا التي سيق بسببها ساركوزي إلى السجن، فهي كثيرة ومتنوعة، وبعضها قيد الاستئناف أو التنفيذ الجزئي؛ ويكفي هنا التذكير بأنه قضى 20 يوماً في زنزانة من طراز خاصّ، ليس لأنها مخصصة لكبار القوم، بل يُفردها سجن لا سانتيه الباريسي لأفراد معرّضين لأخطار أمنية أو مضايقات انتقامية من سجناء آخرين. المساحة 9 أمتار، وتحتوي جهاز هاتف ثابتاً تحت الرقابة، وزاوية للاستحمام، وتلفازاً، ولا تفتقر إلى لوح للطبخ!
فهل الأيام الـ20، التي قضاها ساركوزي في هذه الزنزانة الخاصة، ممضة وقاسية وثقيلة الوطء، بما يستدعي كتابة يوميات/ مذكرات في 213 صفحة؛ مثقلة بتلميحات إلى الظلم والإجحاف والشكوى والتظلم وطلب الإشفاق والتضامن. من حقه هذا كله وسواه ما دام في السجن، قد يقول قائل؛ «جاك كسر حقك»، كما قد يقول آخر مستعيناً بالتعبير المصري الشائع، بالنظر إلى ملفات الفساد التي حوكم، ويُحاكم عليها؛ وليس هذا المنظور، والمنظر إجمالاً، جديراً بالاحتساب على أدب السجون، قد يساجل صاحب رأي ثالث.
هنا ما كتبه ساركوزي في استهلال الكتاب، على سبيل المثال فقط: «»لم أكن أتخيل أبداً أنني سأعبر جدران سجن. حتى إنّ ذلك لم يكن في الحسبان. لستُ رجلاً عنيفاً، ولا معتدياً. لقد واظبت دائماً على سداد ضرائبي بدقة. لم أفكر قط في التخطيط لأي عملية تلاعب، أو التورط فيها أياً كانت. لقد شغلت منصب عمدة مدينة كبيرة، هي نويي ــ سورــ سين، طوال 20 سنة، من دون أن تكون أية مناقصة أو إجراء من أي نوع موضعاً لأي ملاحظة أو أدنى حادثة. ما الذي كان يمكن أن يحدث لي؟ لا شيء، إلا إذا تمتع المرء بخيال جامح أو كان يعاني من إفراط في جنون العظمة. كانت هذه هي قناعتي وحالتي الذهنية. ومقدار خطئي سوف يتكشف لاحقاً».
ولأنّ هذه السطور ليست، البتة، في موقع قانوني أو قضائي يتيح أيّ مستوى من أقصيين، إدانة ساركوزي أو التضامن معه، اتكاء على ما سطّر في كتابه؛ فإنّ الأكثر جدوى هو الرجوع إلى شخص الرجل ضمن إطاره الأوضح بالتأكيد: سياساته وخياراته ومواقفه وأفعاله، خاصة تلك الجديرة بالذمّ والإدانة والمساءلة، خلال سنوات 2007 ــ 2012 التي قضاها في رئاسة فرنسا. هذه سلّة سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، ليست بحاجة إلى قضاء ومحامين وأدلة ومرافعات؛ لأنها ببساطة ظاهرة ومعلنة وبادية للعيان.
فهذا «السجين»، الذي يستدرّ الشفقة اليوم، تقصد دعوة حفنة من رؤوس أنظمة الاستبداد والفساد المتوسطية للمشاركة في العرض العسكري الخاص بعيد الثورة الفرنسية في قلب باريس، بمناسبة مؤتمر الاتحاد المتوسطي كما سارت الذريعة؛ وتعمد قبلها دعوة عدد حفنة أخرى من رؤوس أنظمة الاستبداد والفساد الأفريقية للمشاركة في المناسبة ذاتها، بذريعة الاحتفاء بالذكرى الخمسين لاستقلال هذه الدول/ المستعمرات الفرنسية السابقة. وكان في الأمر مهانة فرنسية، مزدوجة في الواقع، للشعوب ذاتها التي يحكمها وينهبها هؤلاء: ليست عاصمة الدولة المستعمِرة، سابقاً، بالمكان الأفضل للاحتفاء بالذكرى الخمسين للاستقلال، من جانب أوّل؛ وليس في هذا التوقيت بالذات، من جانب ثانٍ، حين تحتفل الإنسانية جمعاء، وليس فرنسا وحدها، بعيد سقوط واحد من أبغض رموز الاستبداد: سجن الباستيل.
ومع ذلك، فإنه لم يتردد في تحقير المستعمرات السابقة ذاتها، لأنها ليست بالحليف في أيّ حال، وهي شعوب شخّص ساركوزي مشكلتها الكبرى هكذا: «دراما الإنسان الإفريقي تكمن في أنه لم يدخل التاريخ يوماً»، كما قال في خطبة دكار الشهيرة سنة 2007، بعد أشهر على انتخابه رئيساً لفرنسا؛ المستعمِرة السابقة، وسيّدة الفرنكفونية… سابقاً ولاحقاً.
كذلك سعى إلى تأجيج مشاعر الذعر الجماعي لدى الفرنسيين عن طريق فزاعات مختلقة تضخّم رهاب الفرنسيّ مثلما تدغدغ نزوعاته القوموية، وكلّ ما يتصل بالقلق حول الهوية (وفي عدادها بالطبع أساطير الحجاب والنقاب واللحم الحلال…)؛ والمخاوف من مستقبل غامض أو شبه غامض (الضمان الاجتماعي، الاقتصاد العائلي، دفاتر التوفير، والتقاعد…)؛ ثمّ كلّ ما يتصل بالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي على حين غرّة، وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بيير بورديو.
كيف لكتاب مثل «يوميات سجين»، بتوقيع ساركوزي هذا، أن يدخل في أيّ تبويب مقبول لأدب السجون؛ إلا إذا كان ثمة نمط خاص، قد لا يتردد في إشاعته أنصار ساركوزي ويمين الليبرالية المتوحشة التي يمثلها، تحت تصنيف… أدب السجون/ فرع 5 نجوم، مثلاً!
ليس هذا العمود المقامَ الملائم لاستعراض القضايا التي سيق بسببها ساركوزي إلى السجن، فهي كثيرة ومتنوعة، وبعضها قيد الاستئناف أو التنفيذ الجزئي؛ ويكفي هنا التذكير بأنه قضى 20 يوماً في زنزانة من طراز خاصّ، ليس لأنها مخصصة لكبار القوم، بل يُفردها سجن لا سانتيه الباريسي لأفراد معرّضين لأخطار أمنية أو مضايقات انتقامية من سجناء آخرين. المساحة 9 أمتار، وتحتوي جهاز هاتف ثابتاً تحت الرقابة، وزاوية للاستحمام، وتلفازاً، ولا تفتقر إلى لوح للطبخ!
فهل الأيام الـ20، التي قضاها ساركوزي في هذه الزنزانة الخاصة، ممضة وقاسية وثقيلة الوطء، بما يستدعي كتابة يوميات/ مذكرات في 213 صفحة؛ مثقلة بتلميحات إلى الظلم والإجحاف والشكوى والتظلم وطلب الإشفاق والتضامن. من حقه هذا كله وسواه ما دام في السجن، قد يقول قائل؛ «جاك كسر حقك»، كما قد يقول آخر مستعيناً بالتعبير المصري الشائع، بالنظر إلى ملفات الفساد التي حوكم، ويُحاكم عليها؛ وليس هذا المنظور، والمنظر إجمالاً، جديراً بالاحتساب على أدب السجون، قد يساجل صاحب رأي ثالث.
هنا ما كتبه ساركوزي في استهلال الكتاب، على سبيل المثال فقط: «»لم أكن أتخيل أبداً أنني سأعبر جدران سجن. حتى إنّ ذلك لم يكن في الحسبان. لستُ رجلاً عنيفاً، ولا معتدياً. لقد واظبت دائماً على سداد ضرائبي بدقة. لم أفكر قط في التخطيط لأي عملية تلاعب، أو التورط فيها أياً كانت. لقد شغلت منصب عمدة مدينة كبيرة، هي نويي ــ سورــ سين، طوال 20 سنة، من دون أن تكون أية مناقصة أو إجراء من أي نوع موضعاً لأي ملاحظة أو أدنى حادثة. ما الذي كان يمكن أن يحدث لي؟ لا شيء، إلا إذا تمتع المرء بخيال جامح أو كان يعاني من إفراط في جنون العظمة. كانت هذه هي قناعتي وحالتي الذهنية. ومقدار خطئي سوف يتكشف لاحقاً».
ولأنّ هذه السطور ليست، البتة، في موقع قانوني أو قضائي يتيح أيّ مستوى من أقصيين، إدانة ساركوزي أو التضامن معه، اتكاء على ما سطّر في كتابه؛ فإنّ الأكثر جدوى هو الرجوع إلى شخص الرجل ضمن إطاره الأوضح بالتأكيد: سياساته وخياراته ومواقفه وأفعاله، خاصة تلك الجديرة بالذمّ والإدانة والمساءلة، خلال سنوات 2007 ــ 2012 التي قضاها في رئاسة فرنسا. هذه سلّة سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية، ليست بحاجة إلى قضاء ومحامين وأدلة ومرافعات؛ لأنها ببساطة ظاهرة ومعلنة وبادية للعيان.
فهذا «السجين»، الذي يستدرّ الشفقة اليوم، تقصد دعوة حفنة من رؤوس أنظمة الاستبداد والفساد المتوسطية للمشاركة في العرض العسكري الخاص بعيد الثورة الفرنسية في قلب باريس، بمناسبة مؤتمر الاتحاد المتوسطي كما سارت الذريعة؛ وتعمد قبلها دعوة عدد حفنة أخرى من رؤوس أنظمة الاستبداد والفساد الأفريقية للمشاركة في المناسبة ذاتها، بذريعة الاحتفاء بالذكرى الخمسين لاستقلال هذه الدول/ المستعمرات الفرنسية السابقة. وكان في الأمر مهانة فرنسية، مزدوجة في الواقع، للشعوب ذاتها التي يحكمها وينهبها هؤلاء: ليست عاصمة الدولة المستعمِرة، سابقاً، بالمكان الأفضل للاحتفاء بالذكرى الخمسين للاستقلال، من جانب أوّل؛ وليس في هذا التوقيت بالذات، من جانب ثانٍ، حين تحتفل الإنسانية جمعاء، وليس فرنسا وحدها، بعيد سقوط واحد من أبغض رموز الاستبداد: سجن الباستيل.
ومع ذلك، فإنه لم يتردد في تحقير المستعمرات السابقة ذاتها، لأنها ليست بالحليف في أيّ حال، وهي شعوب شخّص ساركوزي مشكلتها الكبرى هكذا: «دراما الإنسان الإفريقي تكمن في أنه لم يدخل التاريخ يوماً»، كما قال في خطبة دكار الشهيرة سنة 2007، بعد أشهر على انتخابه رئيساً لفرنسا؛ المستعمِرة السابقة، وسيّدة الفرنكفونية… سابقاً ولاحقاً.
كذلك سعى إلى تأجيج مشاعر الذعر الجماعي لدى الفرنسيين عن طريق فزاعات مختلقة تضخّم رهاب الفرنسيّ مثلما تدغدغ نزوعاته القوموية، وكلّ ما يتصل بالقلق حول الهوية (وفي عدادها بالطبع أساطير الحجاب والنقاب واللحم الحلال…)؛ والمخاوف من مستقبل غامض أو شبه غامض (الضمان الاجتماعي، الاقتصاد العائلي، دفاتر التوفير، والتقاعد…)؛ ثمّ كلّ ما يتصل بالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي على حين غرّة، وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بيير بورديو.
كيف لكتاب مثل «يوميات سجين»، بتوقيع ساركوزي هذا، أن يدخل في أيّ تبويب مقبول لأدب السجون؛ إلا إذا كان ثمة نمط خاص، قد لا يتردد في إشاعته أنصار ساركوزي ويمين الليبرالية المتوحشة التي يمثلها، تحت تصنيف… أدب السجون/ فرع 5 نجوم، مثلاً!
نيسان ـ نشر في 2026-07-27 الساعة 13:38
رأي: صبحي حديدي كاتب عربي


