اتصل بنا
 

الجانب المخفي في مأساة سبتة!

نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:53

نيسان ـ ضمن متابعات مأساة سبتة، صرح عدد من الشباب الذين شاركوا في الاقتحام الجماعي، بأنهم لا يعيشون وضعا اقتصاديا صعبا، وإنما كان الدافع هو عدم حصولهم على تأشيرة لزيارة أوروبا، على الرغم من توفرهم على جميع الشروط المطلوبة. وعلى الرغم من أن هذا يبقى عاملا هامشيا في هذه الأزمة، إلا أنه يطرح مشكل التأشيرات والتنقل ليس فقط للمغاربة، بل شمال افريقيا نحو الدول الأوروبية.
وعمليا، يميل كل محلل وإعلامي إلى تفسير معين لأحداث مأساة سبتة، التي وقعت يوم 30 يوليو/تموز الماضي، من خلال اقتحام 80 ألف شخص غالبيتهم من المغاربة للمدينة المحتلة، مع حصيلة تجاوز 141 غريقا.
البعض يفضل التحليل السياسي من خلال طرح رغبة المغرب في جلب الانتباه إلى استمرار الاحتلال، والبعض يميل إلى التحليل الاستخباراتي، من خلال الحديث عن التلاعب بالشباب المغربي، لضرب استقرار المغرب، وآخر يقدم قراءة ضمن اللعبة الجيوسياسية الممتدة من واشنطن إلى تل أبيب وموسكو للضغط على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بسبب مواقفه المشرفة من القضية الفلسطينية، ومواجهة الكيان الإسرائيلي بسبب حرب الإبادة، أو دعمه للحرب الأوكرانية ضد موسكو. وجاءت هذه الفرضية الأخيرة على لسان رئيس حكومة مدريد بيدرو سانشيز.
صعوبة الحصول على التأشيرة أصبح من ضمن العوامل التي تشجع على الهجرة السرية، لأن دول الاتحاد الأوروبي تطبق على المغاربة شروطا مجحفة للغاية، تزداد صعوبة مع مرور الوقت
وسط كل هذه التأويلات، يغيب العامل الاجتماعي في التحليلات، ويتم اختصاره في الدوافع الاقتصادية، من خلال الحديث عن الفقر والدخل المحدود والفارق في مستوى العيش بين المغرب والدول الأوروبية، إلا أن العامل الاجتماعي، في بعده الإنساني، لا يأخذ الحيز المستحق في النقاشات، وسيغيب أكثر، على الرغم من استمرار الأزمة المترتبة عن هذه المأساة، وكيف تريد المعارضة اليمينية المعتدلة والمتطرفة منها، تحويلها إلى فرصة نحو انتخابات سابقة لأوانها. الأمر يتطلب إيلاء الجانب الإنساني والاجتماعي اهتماما خاصا، نعم، دخل عدد من المغاربة إلى سبتة، كمرحلة أولى للانتقال إلى إسبانيا لتسوية الأوضاع القانونية للعمل. غير أن جزءا آخر دخل لأسباب أخرى، فقد صرح بعض الشباب أمام الصحافة، وفي تدوينات، أنهم يمارسون أعمالا حرة مربحة، ويتقدمون بطلبات الحصول على التأشيرة، ويوتجهون بالرفض. وكشفت فتاة أنها زارت دولا عديدة بين آسيا وافريقيا، ولما تقدمت مرات عديدة بطلب التأشيرة، كان الرفض تلو الرفض، وهكذا غامرت يوم 30 يونيو/حزيران للبقاء مدة معينة في إسبانيا لتسوية وضعيتها وبذلك تتجاوز مشكل الفيزا مستقبلا. امرأة، أبكت الكثيرين، عندما كشفت أن ابنها كان ضمن الضحايا الذين غرقوا، وأنه دخل إلى سبتة لأن المصالح القنصلية تأخرت من دون سبب في تأشيرة التجمع العائلي، على الرغم من أن القانون يخول لها الاستفادة من التجمع العائلي.
إن صعوبة الحصول على التأشيرة أصبح من ضمن العوامل التي تشجع على الهجرة السرية، لأن دول الاتحاد الأوروبي تطبق على المغاربة شروطا مجحفة للغاية، تزداد صعوبة مع مرور الوقت. فقد أصبح التجمع العائلي صعبا للغاية، ولا أعني هنا إسبانيا فقط، وإنما كل الدول الأوروبية. في الوقت ذاته، أصبح كل طالب للتأشيرة يشتبه في أنه مشروع مهاجر سري. وتتعرض نسبة من رجال الأعمال المتوسطين ومحامين وأساتذة جامعيين ضمن مهن أخرى إلى الإهانة في القنصليات الأوروبية عند طلب التأشيرة.
إن الاتحاد الأوروبي يتناسى أن أكثر من خمسة ملايين مغربي يعيشون في أوروبا، وهؤلاء لديهم أفراد عائلات في المغرب يرغبون في زيارتهم. ولا أحد يفهم وضع الأوروبيين لشروط تعجيزية لبعض المهاجرين، الذين يرغبون في التجمع العائلي، أي استقدام زوجاتهم وأبنائهم. يحدث كل هذا في وقت تعمل فيه الدول الأوروبية على إلغاء التأشيرة عن مواطني عدد من دول أمريكا اللاتينية، كما حدث بالفعل خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد التأشيرة مطلوبة للدخول إلى أوروبا بالنسبة إلى معظم دول المنطقة، بينما بقيت أربع دول فقط مطالبة بها، وهي كوبا، وجمهورية الدومينيكان، وبوليفيا، والإكوادور. وفي الوقت نفسه، يتم تسهيل إجراءات الحصول على التأشيرة لمواطني هذه الدول الأربع، من خلال الاكتفاء بوثائق وإجراءات بسيطة نسبيا. في المقابل، نجد وضعا مختلفا تماما بالنسبة إلى المواطن المغربي أو الجزائري أو التونسي أو الموريتاني، إذ تفرض عليه مساطر معقدة ووثائق كثيرة، قد تصل تكلفتها أحيانا إلى أكثر من 700 يورو. نعم، من حق هذه الدول أن تتشدد مع من تعتقد أنه قد لا يعود إلى بلده بعد انتهاء مدة إقامته، لكن ليس من حقها أن تحول هذا التخوف إلى قاعدة عامة تطبّق، بصورة شبه آلية، على الجميع، بحيث يجد طالب التأشيرة نفسه وكأنه متهم مسبقا بمحاولة الهجرة غير النظامية، بدل أن يعامل باعتباره مسافرا يفترض فيه حسن النية إلى أن يثبت العكس. يعتبر المغرب شريكا استراتيجيا للاتحاد الأوروبي، بموجب اتفاقيات الشراكة، التي أُبرمت بين الطرفين على مدى العقود الأخيرة. كما يعد شريكا أساسيا في مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، فضلا عن التعاون الأمني والعسكري والمناورات المشتركة. وفي المقابل، يطالب الأوروبيون المغرب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بتقليص وتيرة علاقاته مع منافسين جيوسياسيين للاتحاد الأوروبي، وعلى رأسهم الصين وروسيا، مما يحرمه من تطوير اقتصاده. غير أن التعويض المالي الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي للمغرب مقابل المساهمة في مراقبة حدوده، والحد من تدفقات الهجرة القادمة من قارة بالكامل، ينبغي أن لا ينظر إليه باعتباره كافيا، بل قد يندرج، في جانب منه، ضمن منطق تكليف الآخر بمهمة بالوكالة يفرضها التعاون في العلاقات الدولية، بحيث يتحمل المغرب جزءا كبيرا من أعباء حماية الحدود الأوروبية، من دون أن يحصل، في المقابل، على مكاسب سياسية وإنسانية تتناسب مع حجم هذا الدور. لذلك، فإن المغرب مطالب بإعادة النظر في طريقة إدارة هذا الملف، والانتقال من موقع الطرف الذي تتم مطالبته بتنفيذ التزاماته إلى موقع الشريك، الذي يأخذ بعين الاعتبار مطالب شعبه. ومن بين هذه المطالب، ضرورة التفاوض مع الدول الأوروبية بشأن استقبال حصة سنوية محددة من المهاجرين والعمال والطلبة المغاربة، بما يتيح قنوات قانونية ومنظمة للتنقل، إلى جانب الضغط من أجل تليين شروط الحصول على التأشيرة، وتقليص التعقيدات الإدارية والمالية التي تواجه المواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى أوروبا.
كاتب مغربي

نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:53


رأي: حسين مجدوبي

الكلمات الأكثر بحثاً