اتصل بنا
 

هل ستغير العقوبات الأمريكية الجديدة سلوك طهران؟

كاتب عراقي

نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:54

نيسان ـ دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة، وهي تحويل التفوق العسكري إلى الضغط الاقتصادي، بهدف إجبار إيران على تغيير سلوكها السياسي، ومنعها من إعادة بناء قدراتها العسكرية مرة أخرى.
في ضوء ذلك يبدو السؤال التالي منطقيا، ويبحث عن إجابة واقعية وهو، هل إن هذا الفعل سيجبر طهران على انتهاج مقاربة سياسية مختلفة عن السابق، أم أنها ستتمكن من امتصاص العقوبات الجديدة والاستمرار في السلوك السياسي نفسه؟
لقد ازدادت أهمية العقوبات الاقتصادية، كأداة ضغط فاعلة في مجال السياسة الخارجية خلال العقود الأربعة الأخيرة، وبات يُنظر إليها على أنها الفاعل الأهم والأقل كُلفة، في إحداث تغيرات محددة في النظام السياسي المُستهدف.
وقد صُممت هذه الأداة العقابية وفق مفهوم قائم على أساس، أن المعاناة الإنسانية الناتجة عنها ستشكل عامل ضغط شعبي على النظام الحاكم، فتدفعه لتغيير سلوكه السياسي، وفق ما تُطالب به الدولة، أو الدول المُستهدفة له أولا، وثانيا أن نضوب موارد الدولة المُستهدفة بهذه العقوبات، ستنزع من يد صانع القرار السياسي فيها إمكانية الاستمرار في النهج نفسه، على اعتبار أن الموارد المادية هي التي تُحرّك عجلة التصنيع العسكري، وتُبقي ولاء الأجهزة الأمنية والعسكرية قائما، بسبب إغداق المال عليهم من قبل السلطة الحاكمة. لكن كل هذه التفسيرات ليست مثالية، ولا تعكس حقيقة إن كانت العقوبات فاعلة أم لا. فالتجارب الماضية تحت هذا الفعل العقابي لم تؤشر لنا على أنها كانت ناجعة تماما، كما لم تبين لنا أنها كانت فاشلة تماما أيضا، لكن المفارقة في هذه السياسة هي أن الدول المُعاقَبة بالاقتصاد، ذهبت إلى التركيز إعلاميا وسياسيا على مُعاناة مواطنيها، بما يُظهر انعدام إنسانية الطرف الذي يحاصر هذه الدولة، ما دفع الكثير من الدول والمنظمات الإنسانية إلى كسر الحصار الاقتصادي المفروض عليها.
إيران لديها الخبرة في تجاوز الكثير من العقوبات، وقد شكلوا ما يسمى (اقتصاد المقاومة)، لكن هذه المرة يبدو الجانب الأمريكي قد استفاد من أخطائه الماضية في آليات تنفيذ العقوبات
إن سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية، التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا ضد إيران، هي الأقوى هذه المرة ومختلفة عن العقوبات السابقة، والاختلاف يكمن في أنه في كل مرة كانت العقوبات تستهدف الاقتصاد الإيراني. أما اليوم فالعقوبات الجديدة باتت تشمل كل من يتعامل مع هذا الاقتصاد. وحتى لو شرعت إيران بتطوير بعض الطرق للالتفاف على هذه العقوبات، فإن الدول الأخرى قد لا تُطوّر الآليات نفسها، ولربما لا تكون قادرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية للخزانة الأمريكية، أو أنها ليست مستعدة أن تُضحي بمصالح اقتصادية تتعامل فيها بالدولار مع الولايات المتحدة. كما تشمل هذه العقوبات المقايضات والتسويات التي كانت تستخدمها طهران، للحصول على السلع والبضائع الضرورية التي لا تمتلك القدرة على إنتاجها. وعليه فإنها شاملة بما فيها السيولة المالية، ولذلك نرى النقاش الآن يحتّد في الداخل الإيراني في هذا الموضوع، حتى إن انتقادات ظهرت من مراكز أبحاث مُقرّبة من البرلمان، تتساءل عن سبب السيولات النقدية الواسعة التي يُصدرها البنك المركزي الإيراني، وهذا دليل على أن هناك شعورا بأن الضغط كبير ومختلف هذه المرة. قد يقول البعض إن النظام الإيراني مُدرّب على التعامل مع العقوبات، وسيستخدم الأساليب السابقة نفسها، وسيصمد أمام الحصار هذه المرة أيضا، لكن هناك أرقاما بات يتحدث بها الداخل الإيراني تنفي هذه الفرضية. فمثلا التوسع في القاعدة النقدية، أي ما يصدره البنك المركزي قد زاد بمعدل 40%. وتسبب هذا الإجراء في تراجع العُملة الإيرانية إلى أكثر من 40% من قيمتها. كما وصل التضخم في بعض السلع إلى حوالي 70%، وفي بعض الأدوية النادرة إلى أكثر من 100%. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني لا يشكل فيه النفط أهمية كبيرة، لكن الحصار قد شلّ باقي القطاعات، وعرقل الاقتصاد من التعامل مع البنوك الدولية، لذلك تراجعت الإيرادات بشكل كبير. واليوم المعلومات الواردة من إيران أيضا تقول، إن هناك تأخرا في صرف بعض الرواتب. صحيح أن الحكومة قد صرفت مُنح للرواتب كزيادة، ولكن التضخم أكل هذه الزيادات وانتفى النفع منها. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن متوسط معدل الرواتب في إيران هي بين 80 ـ 120 دولارا، فإنه في ظل هذا الغلاء وهذه الأزمة تصبح قيمة الرواتب ليست مُجزية، ولا تكفي المواطن الإيراني سوى 15 يوما تقريبا. وهذا ما دفع الرئيس الإيراني للقول، يجب الانتباه إلى أن العدو (يقصد أمريكا) يستهدف الاستقرار الداخلي الإيراني. وهي إشارة واضحة إلى تأثير هذه العقوبات. السؤال الآخر اليوم هو، ما الذي تطمح إليه الإدارة الأمريكية من هذه العقوبات الجديدة؟
بالتأكيد أن إيران لديها الخبرة في تجاوز الكثير من العقوبات، حتى إنهم منذ سنوات شكلوا ما يسمى (اقتصاد المقاومة)، لكن هذه المرة يبدو أن الجانب الأمريكي قد استفاد من أخطائه الماضية في آليات تنفيذ العقوبات. لذلك هو صوّبها بشكل دقيق على كل الوسائل، التي كانت تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات. ولعل قيام دولة الإمارات العربية بقطع كل التعاملات التجارية والمالية مع الجانب الإيراني، خير دليل على ذلك. فالنتيجة من وراء ذلك هو أن ما يسمى (بنوك الظل)، ومؤسسات الصرافة والتحويلات المالية في الإمارات، التي كانت تساعد الاقتصاد الإيراني على تجنب العقوبات قد قُطعت الآن. كما أن عمليات التسوية أيضا تم قطعها واستهدافها، لذلك صحيح أن إيران تستطيع مقاومة العقوبات، لكن الجانب الأمريكي يُراهن على أن هذه العقوبات تؤثر في الشارع الإيراني، ورأينا ما حدث في أزمة البازار، عندما أضرب التجار عن العمل وأغلقوا متاجرهم، بسبب عدم قدرتهم على الاستيراد نظرا للتقلبات الكبيرة في سعر العملة الإيرانية. وقد قاد ذلك الفعل إلى نزول الكثير من المواطنين إلى الشوارع في تظاهرات واسعة.
ومع ذلك تبقى الأسئلة الأكثر الحاحا هي، من الذي سيتراجع إلى الوراء أولا؟ من الذي سيغير سلوكه قبل الآخر؟ هل الضغوط الاقتصادية على إيران، أم هي الضغوط السياسية في الداخل الأمريكي، مع ارتفاع المواد الغذائية وأسعار الوقود، هي التي ستأتي أُكلها؟ هل ستسحب العقوبات الجديدة الأموال من أيدي الحرس الثوري الإيراني، فيتغير سلوكه العدواني على دول الجوار وعلى الاقتصاد العالمي؟ والإجابة على كل هذه الأسئلة يبدو أنها تتطلب انتهاج مقاربة شاملة للتعامل مع النظام الإيراني، والضغط لا فقط من منظور العقوبات ومن منظور اقتصادي، بل من مقاربة شاملة لضبط كل أنشطة إيران، التي تسعى من خلالها إلى ضرب استقرار المنطقة.
كاتب عراقي

نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:54


رأي: د. مثنى عبدالله كاتب عراقي

الكلمات الأكثر بحثاً