أما وقد تم حل 'قسد'
نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:54
نيسان ـ أعلن مظلوم عبدي، يوم الثلاثاء الماضي من قصر الشعب في دمشق، حل قوات سوريا الديمقراطية «بعد انتهاء مهمتها» كما قال، وكذلك جميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، بعدما تمت عملية دمج القوات في أربعة ألوية تابعة لوزارة الدفاع في دمشق.
يمكن القول إن هذه القوات كانت قد تفككت عملياً بعد انفصال المكونات العربية عنها، إبان الهجوم الذي شنته قوات سلطة دمشق عليها، في كانون الثاني الماضي، فاقتصرت بعد ذلك على القوات الكردية المعروفة باسم «وحدات حماية الشعب» الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي – أي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وإذ اندمج مقاتلو «الوحدات» في جيش حكومة دمشق، انتهى التشكيل المسلح الذي كان يقوده مظلوم عبدي. وبقيت «وحدات حماية المرأة» التي ما زالت موضع أخذ ورد، ومن المفترض أن يتم استتباعها لوزارة الداخلية في وحدة مستقلة تتخصص في مكافحة الإرهاب.
تم الدمج والحل بإيعاز أمريكي في إطار التبني الشامل لإدارة ترامب لسلطة أحمد الشرع في دمشق باعتبارها «قصة نجاح» مأمولة لترامب
لقد أنشئت قوات سوريا الديمقراطية، في العام 2015، بإيعاز أمريكي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف باسم داعش، وضمت إلى الوحدات الكردية مقاتلين من العشائر العربية ومن السريان وغيرهم من المكونات في منطقة الجزيرة السورية. وها قد تم الدمج والحل بإيعاز أمريكي أيضاً، في إطار التبني الشامل لإدارة ترامب لسلطة أحمد الشرع في دمشق باعتبارها «قصة نجاح» مأمولة لترامب في ولايته الثانية، مقابل فشله في كل من أوكرانيا وغزة ولبنان والحرب على إيران جميعاً. يتطلب هذا تناولاً مستقلاً. أما بشأن نجاحه المفترض في سوريا فما زال الوقت مبكراً للتأكد من تحققه. فإنجاز التفاهمات بين دمشق وقسد قد مر بمراحل كانت أولاها اتفاق 10 آذار 2025 الذي ماطلت قسد في تنفيذ التزاماتها فيه، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في تركيا بخصوص حل حزب العمال الكردستاني، فتعرضت لضغوط أمريكية كبيرة تم تتويجها بهجوم قوات دمشق على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ثم امتد الهجوم شرقاً إلى مناطق سيطرة قسد التي سحبت قواتها وجمّعتها حول مدينتي الحسكة والقامشلي. ثم جاء وقف إطلاق النار والتوقيع على اتفاق 29 كانون الثاني 2026 الذي أكد على وجوب دمج قوات قسد في أربعة ألوية إلى وزارة الدفاع. وفي الأشهر السبعة المنقضية منذ ذلك التاريخ تمت عملية الدمج ليتم إعلان اكتمالها الأسبوع الماضي.
ما الذي حصلت عليه قسد بالمقابل؟
تمت «ترقية» مظلوم عبدي من «جنرال» يقود قوات قيل إنها كانت تعد مئة ألف مقاتل، ومن سياسي كردي بارز كانت له لقاءات سياسية مع وزراء خارجية دول غربية، ومفاوضاً ندياً لرئيس السلطة الانتقالية، إلى مستشار لهذا الأخير. أما إلهام أحمد التي كانت بمثابة وزيرة خارجيته فسوف يتم تعيينها في مجلس شعب السلطة الانتقالية «من حصة الرئيس».
البقية عبارة عن وعود بشأن عودة نازحي عفرين، واعتبار اللغة الكردية «لغة وطنية» والسماح بتدريسها في مدارس بعض المناطق، واعتبار عيد النوروز عيداً وطنياً…
أثارت هذه النتائج خيبة أمل لدى البيئات الكردية المؤيدة لقسد، أو ما يمكن تسميته بجمهور حزب العمال الكردستاني الذي كان يأمل بالحفاظ على نوع من الإدارة الذاتية كانت محققة في السنوات العشر الماضية. لكن تجربة الإدارة الذاتية هذه كانت أبعد ما تكون عن الصورة المثالية التي كانت دعاية البيئة الأوجلانية تروج لها، باعتبارها نوعاً من السلطة الشعبية المباشرة. فحقيقة الأمر أنها كانت تحت هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تفرد بالسلطة وأقصى القوى السياسية الأخرى سواء الكردية منها أو غير الكردية، واحتكر التصرف بالثروة النفطية وموارد أخرى بعيداً عن تلبية احتياجات السكان.
من هذا المنظور لا يستبعد أن قسماً كبيراً من السكان، بكرده وعربه، لن يذرف الدمع على الوضع السابق، ناهيكم عما يعنيه انتهاء القتال وعودة الحياة الطبيعية بالنسبة للجميع. مع وجوب الاستدراك أن سيطرة السلطة المركزية على تلك المناطق لا تنطوي على وعود بحياة سهلة، بالنظر إلى الوضع العام في المناطق الأخرى. الآن سيتساوى الوضع السيئ بالنسبة لجميع السوريين في مختلف مناطقهم، ورأينا بوادر احتجاجات شعبية في مناطق كدير الزور والرقة سبق وانتقلت من سيطرة قسد إلى سيطرة السلطة المركزية.
يمكن للشرع في أي لحظة أن يقيل عبدي من دائرة مستشاريه، هذا على فرض أن لهذا الموقع أي معنى غير الحصول على راتب شهري كبير بالمقاييس السورية. ومن المحتمل أن يضيع صوت إلهام أحمد في ضجيج «مجلس الشعب» على فرض أنه سيكون لها صوت مختلف. أما الألوية العسكرية الكردية التي تم إلحاقها بوزارة الدفاع ككتلة واحدة، فيمكن القيام بـ»فرفطتها» بصورة متدرجة. لا أقصد بهذا إضفاء حكم قيمة إيجابي على تلك الألوية، فهي لا تختلف كثيراً عن الفصائل المسلحة التي من المفترض أنها ألحقت بوزارة الدفاع، ولكن للإشارة إلى مدى هشاشة «مكسب» قسد المتعلق بالاندماج كتلة واحدة بدلاً من الانضمام كأفراد.
الخلاصة أن عملية الدمج، العسكري والمدني، كان يمكن أن تكون خبراً مفرحاً لكل السوريين لو أنها اندماج في دولة تمثل جميع السوريين، قائمة على المواطنة المتساوية وحكم القانون، دولة مؤسسات لا «دولة» فئة غالبة ونظام يستنسخ نماذج دكتاتورية كما هي الحال اليوم.
كاتب سوري
يمكن القول إن هذه القوات كانت قد تفككت عملياً بعد انفصال المكونات العربية عنها، إبان الهجوم الذي شنته قوات سلطة دمشق عليها، في كانون الثاني الماضي، فاقتصرت بعد ذلك على القوات الكردية المعروفة باسم «وحدات حماية الشعب» الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي – أي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وإذ اندمج مقاتلو «الوحدات» في جيش حكومة دمشق، انتهى التشكيل المسلح الذي كان يقوده مظلوم عبدي. وبقيت «وحدات حماية المرأة» التي ما زالت موضع أخذ ورد، ومن المفترض أن يتم استتباعها لوزارة الداخلية في وحدة مستقلة تتخصص في مكافحة الإرهاب.
تم الدمج والحل بإيعاز أمريكي في إطار التبني الشامل لإدارة ترامب لسلطة أحمد الشرع في دمشق باعتبارها «قصة نجاح» مأمولة لترامب
لقد أنشئت قوات سوريا الديمقراطية، في العام 2015، بإيعاز أمريكي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف باسم داعش، وضمت إلى الوحدات الكردية مقاتلين من العشائر العربية ومن السريان وغيرهم من المكونات في منطقة الجزيرة السورية. وها قد تم الدمج والحل بإيعاز أمريكي أيضاً، في إطار التبني الشامل لإدارة ترامب لسلطة أحمد الشرع في دمشق باعتبارها «قصة نجاح» مأمولة لترامب في ولايته الثانية، مقابل فشله في كل من أوكرانيا وغزة ولبنان والحرب على إيران جميعاً. يتطلب هذا تناولاً مستقلاً. أما بشأن نجاحه المفترض في سوريا فما زال الوقت مبكراً للتأكد من تحققه. فإنجاز التفاهمات بين دمشق وقسد قد مر بمراحل كانت أولاها اتفاق 10 آذار 2025 الذي ماطلت قسد في تنفيذ التزاماتها فيه، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في تركيا بخصوص حل حزب العمال الكردستاني، فتعرضت لضغوط أمريكية كبيرة تم تتويجها بهجوم قوات دمشق على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ثم امتد الهجوم شرقاً إلى مناطق سيطرة قسد التي سحبت قواتها وجمّعتها حول مدينتي الحسكة والقامشلي. ثم جاء وقف إطلاق النار والتوقيع على اتفاق 29 كانون الثاني 2026 الذي أكد على وجوب دمج قوات قسد في أربعة ألوية إلى وزارة الدفاع. وفي الأشهر السبعة المنقضية منذ ذلك التاريخ تمت عملية الدمج ليتم إعلان اكتمالها الأسبوع الماضي.
ما الذي حصلت عليه قسد بالمقابل؟
تمت «ترقية» مظلوم عبدي من «جنرال» يقود قوات قيل إنها كانت تعد مئة ألف مقاتل، ومن سياسي كردي بارز كانت له لقاءات سياسية مع وزراء خارجية دول غربية، ومفاوضاً ندياً لرئيس السلطة الانتقالية، إلى مستشار لهذا الأخير. أما إلهام أحمد التي كانت بمثابة وزيرة خارجيته فسوف يتم تعيينها في مجلس شعب السلطة الانتقالية «من حصة الرئيس».
البقية عبارة عن وعود بشأن عودة نازحي عفرين، واعتبار اللغة الكردية «لغة وطنية» والسماح بتدريسها في مدارس بعض المناطق، واعتبار عيد النوروز عيداً وطنياً…
أثارت هذه النتائج خيبة أمل لدى البيئات الكردية المؤيدة لقسد، أو ما يمكن تسميته بجمهور حزب العمال الكردستاني الذي كان يأمل بالحفاظ على نوع من الإدارة الذاتية كانت محققة في السنوات العشر الماضية. لكن تجربة الإدارة الذاتية هذه كانت أبعد ما تكون عن الصورة المثالية التي كانت دعاية البيئة الأوجلانية تروج لها، باعتبارها نوعاً من السلطة الشعبية المباشرة. فحقيقة الأمر أنها كانت تحت هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تفرد بالسلطة وأقصى القوى السياسية الأخرى سواء الكردية منها أو غير الكردية، واحتكر التصرف بالثروة النفطية وموارد أخرى بعيداً عن تلبية احتياجات السكان.
من هذا المنظور لا يستبعد أن قسماً كبيراً من السكان، بكرده وعربه، لن يذرف الدمع على الوضع السابق، ناهيكم عما يعنيه انتهاء القتال وعودة الحياة الطبيعية بالنسبة للجميع. مع وجوب الاستدراك أن سيطرة السلطة المركزية على تلك المناطق لا تنطوي على وعود بحياة سهلة، بالنظر إلى الوضع العام في المناطق الأخرى. الآن سيتساوى الوضع السيئ بالنسبة لجميع السوريين في مختلف مناطقهم، ورأينا بوادر احتجاجات شعبية في مناطق كدير الزور والرقة سبق وانتقلت من سيطرة قسد إلى سيطرة السلطة المركزية.
يمكن للشرع في أي لحظة أن يقيل عبدي من دائرة مستشاريه، هذا على فرض أن لهذا الموقع أي معنى غير الحصول على راتب شهري كبير بالمقاييس السورية. ومن المحتمل أن يضيع صوت إلهام أحمد في ضجيج «مجلس الشعب» على فرض أنه سيكون لها صوت مختلف. أما الألوية العسكرية الكردية التي تم إلحاقها بوزارة الدفاع ككتلة واحدة، فيمكن القيام بـ»فرفطتها» بصورة متدرجة. لا أقصد بهذا إضفاء حكم قيمة إيجابي على تلك الألوية، فهي لا تختلف كثيراً عن الفصائل المسلحة التي من المفترض أنها ألحقت بوزارة الدفاع، ولكن للإشارة إلى مدى هشاشة «مكسب» قسد المتعلق بالاندماج كتلة واحدة بدلاً من الانضمام كأفراد.
الخلاصة أن عملية الدمج، العسكري والمدني، كان يمكن أن تكون خبراً مفرحاً لكل السوريين لو أنها اندماج في دولة تمثل جميع السوريين، قائمة على المواطنة المتساوية وحكم القانون، دولة مؤسسات لا «دولة» فئة غالبة ونظام يستنسخ نماذج دكتاتورية كما هي الحال اليوم.
كاتب سوري
نيسان ـ نشر في 2026-09-01 الساعة 12:54
رأي: بكر صدقي


