إسرائيل والغرب: تحالف وجودي في مواجهة الحق الفلسطيني
محمد المحسن
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-09-02 الساعة 13:43
نيسان ـ إن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان.. رغم الارتباط الصهيوني العميق بالغرب فلا أحد من زعماء السياسة الإسرائيلية يفكّر بطريقة نيكسون مثلا في رحيل أمريكا عن فيتنام وانفتاحها على الصين، أو التفكير بطريقة ديغول في رحيل فرنسا عن الجزائر. فإسرائيل هذه التي يفكر فيها البعض لا وجود لها في العقلية الحزبية الإسرائيلية، إذ تصبح صهيون هي الحزب وحده ويصبح الشعب هو عدد الناخبين وحدهم. وهي مأساة سياسية من الدرجة الأولى لأنّ حصيلة الفكر الحزبي الإسرائيلي هي المزيد من الأزمات العابرة، أو الغائرة (في الاقتصاد مثلا) وبقاء الأزمة الجوهرية (الكيان والوجود) بلا حل حقيقي، مما يهدّد باستمرار الحروب، وكأنّ إسرائيل «دولة» لا عمل لها غير ميدان القتال على حساب الجماهير الجائعة إلى السلام، لأنّه يعني ببساطة الأمن والرخاء.
إننا العرب، وفي أحسن الأحوال لا تتجاوز مقاربتنا لجوهر الصراع حدود التصوير السياسي إلى حدود تقديم البدائل، إذ نكتفي بتجسيم «الحائط الصهيوني المسدود»، الذي يحتاج إلى مبادرة في حجم الخروج الأمريكي من فيتنام، والإقبال الأمريكي على الصين، أو في حجم الخروج الفرنسي من الجزائر. فإسرائيل ذات الاقتصاد المفتعل الذي يعتمد أساسا على المساعدات الأجنبية، تقيم أوثق العلاقات الاقتصادية مع دول افريقية عديدة، بل هي تقيم أوثق العلاقات مع دول إسلامية كتركيا وأندونيسيا.
حين يتحول الفلسطيني من ضحيةٍ تُرثى إلى صاحب حقٍّ يُنصت إليه العالم، وحين تتحول القضية من صراع أيديولوجي إلى قضية عدالة وحرية وكرامة، يبدأ ميزان التاريخ في التحرك
وإسرائيل التي يعتمد تسليحها على الولايات المتحدة، لدرجة أن الجسر الجوّي عام 1973 هو الذي أنقذها من الهزيمة الكاملة، هي نفسها التي تنتج الطائرات الحربية، ويقال القنبلة الذرية، وتتاجر في السلاح، وتبعث خبراءها العسكريين لتدريب الأفارقة. هذه العلاقات الوطيدة من شأنها تطويع الرأي العام الدولي للقبول بها، لا كوجود فقط، بل كاستمرار توسعي. وهنا الخطورة. إن الرأي العام في الغرب، وحتى في العالم الثالث، لا ينتبه إلى حقوق تاريخية. وحين تقع حرب مع العرب، فهو لا يبحث في أصل المشكلة، بل إلى انعكاساتها على مصالحه الاقتصادية والأمنية، لذلك لا يفهم مشكلة الفلسطينيين إلا على أساس كونها مسألة إنسانية لبضعة آلاف من اللاجئين. من هنا، فإن ما يسمى بالرأي العام العالمي قد وقف منذ 1948 إلى جانب إقامة دولة يهودية في فلسطين، ثم ترجم تأييده لهذه الدولة بالدعم المادي والمعنوي المتصل لحمايتها وجودا وكيانا، وبالطبع كان هذا الموقف المستمر يعادي ضمنيا الطموحات العربية لاسترداد فلسطين، أو قبول التقسيم، أو إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية.
إذن يمثل سؤال الدعم الغربي لإسرائيل، قضية حيويةً للنقاش، كون هذا الدعم شكّل عاملا رئيسا في نشأة دولة الاحتلال وبقائها. وإلى اليوم، لا تزال دولة الاحتلال ترتبط بشبكة علاقات استراتيجية بالغرب، تمثل الفضاء الطبيعي الذي تحتاجه أي دولة للبقاء، ورغم وجود مساحات اختلاف بين حكومة الاحتلال والحكومات الغربية، مثل قضية الاستيطان وحل الدولتين وانتهاك القوانين الدولية، إلا أن الغرب لا يضحي بانحيازه الاستراتيجي لدولة الاحتلال، بسبب هذه الاختلافات. إذ هناك سبب تحظى به إسرائيل لم تحظ به الشعوب الأخرى التي نالها الأذى على أيدي الغربيين، وهو أن إسرائيل امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الغربي، فهي ولدت من رحم الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقبل بريطانيا كان إنشاؤها حلما في مخيلة القائد الفرنسي نابليون بونابرت. وإسرائيل هي الجسم الغريب الذي يشق الوطن العربي، ويبقي موطئ قدم للمنظومة الغربية في بلاد المشرق، ويثير القلاقل ويشغل العرب عن التوحد في مشروع أممي يقوي شوكتهم ويمكّنهم من منافسة الغرب والتفوق عليه.
لذلك، فإن دعم الغرب لإسرائيل هو دعم الأب لابنه، وهذا ما يفسر تغاضي الغرب عن جرائم إسرائيل وعصيانها، فالوحدة العضوية تغفر الخلافات. وتتجلى هذه الوحدة العضوية بين إسرائيل والغرب في تشابه المنظومة القيمية بينهما، في قضايا نظام الحكم السياسي والاقتصاد والليبرالية والحريات والمرأة والأسرة، وهو ما يخلق تجانسا شعوريا بين المواطن الغربي ونظيره الإسرائيلي، في الوقت الذي يسود فيه نمط ثقافي مختلف في الشعوب العربية.
ولكن، الغرب غربين، فهناك الغرب الرأسمالي الذي يهتم بمصالحه الاقتصادية ويمثل امتدادا للحقبة الاستعمارية، التي استعبدت الشعوب ونهبت ثرواتها، هذا الغرب متصالح نفسيا مع المشروع الاحتلالي الاستيطاني لإسرائيل، ولن يضعف-كما أشرت – انحيازه لدولة الاحتلال في ظل الحالة العربية الراهنة، لكن إذا شهد الوطن العربي إصلاحا سياسيا ونهضة اقتصادية، وبدأت الشعوب العربية طريقها نحو الاستقلال والإنتاج، فستتكون علاقات جديدة تعزز المسافة الفاصلة بين مصالح هذا الغرب ومصالح دولة الاحتلال، وكون العرب صارت لديهم أوراق قوة يستطيعون استعمالها لكسب المواقف الغربية لصالحهم.
وهناك غرب المجتمع المدني الذي يهتم بالقيم والحريات وحقوق الإنسان، وتخرج منه مجموعات المناصرة للحقوق وتنشط فيه حركة المقاطعة الدولية.. هذا المجتمع المدني في الغرب إذا قوي أنتج سياسات منصفة وعادلة ومنحازة إلى الحقوق المبدئية، وشكّل عامل ضغط على المواقف الرسمية للانحياز إلى المبادئ وإدانة الأفعال اللاأخلاقية. وقد رأينا مثال هذه المواقف في مؤتمر حزب العمال البريطاني، والمواقف القوية في الانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال الإسرائيلي.
أردت القول إن حماية المشروع الصهيوني في إقامة دولة يهودية وضمان بقائها أمر لا يهم غرب أوروبا والولايات المتحدة وحدهما، بل هو شأن دولي يرى من وجهات نظر مختلفة أن هناك قومية يهودية تهددت بالدمار الشامل أكثر من مرّة، أقربها الحرب العالمية الثانية، وأبرزها المحرقة الشهيرة التي أصبح الاعتراف فيها معيارا لموالاة إسرائيل، أو معاداتها، وأنّ الدولة العبرية وحدها هي الضمان الممكن للشعب اليهودي ضد الانقراض. وهذا أساس ثابت في التفكير الغربي والأمريكي بوجه خاص، لا سبيل لتجاهله أو تجاوزه في طريق البحث عن حل.
والحل، هو إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في ظل سلام شامل ودائم في المنطقة كلها، وإلا فإن حربا جديدة مقبلة لا ريب، فحين لا يكون هناك سلام حقيقي لا يعود لحالة اللاسلم واللاحرب إلا هامش ضيق سرعان ما ينفجر في ميدان القتال اللانهائي. ولكن الغرب يعتقد مخلصا أن العرب والفلسطينيين خطوا خطوات عملية عديدة خلال السنوات الأخيرة لإقامة السلام الدائم، وما زال يعتقد أن بإمكانهم أن يقدموا المزيد لعملية السلام المتعثرة الآن.
إن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان، ويظهر الممارسات العنصرية والاحتلالية ذات الجوهر الإجرامي لدولة الاحتلال. فنحن لا نعادي إسرائيل لأنها تؤوي اليهود المضطهدين، ولا بسبب مساهماتها الحضارية، إنما نعادي احتلالها واستيطانها، وممارساتها العنصرية الغاشمة التي تناقض منظومة القيم الأخلاقية. إن البرهنة المستمرة على انتهاكات الاحتلال للقيم الإنسانية وعلى ممارسته التمييز العنصري، هو الذي يسمح بنمو التيارات المناصرة للحقوق الفلسطينية، ويضعف من وضوح صورة الدولة المتقدمة العصرية التي تسوقها دولة الاحتلال لنفسها، ويسمح بنمو حركة المقاطعة ونزع الشرعية ويقوي حجة الآمرين بالقسط من الناس.
تُجسّد العلاقة بين إسرائيل والغرب تحالفا وجوديا يتجاوز المصالح الظرفية إلى ارتباط جوهري في الرؤية والقيم والمشروع الحضاري. فإسرائيل، كامتداد للاستعمار الغربي وكنموذج متقدم في المنطقة، تبقى رهان الغرب الاستراتيجي لقضم أحلام العرب في الوحدة والنهضة. لكن هذه العلاقة ليست قدرا لا يُقهر، فالصراع مع الكيان الصهيوني هو في جوهره صراع إرادات وحقوق، وكلما تعزز الوعي العربي بحقوقه التاريخية والإنسانية، وكلما نجح في تحويل خطابه من إطار أيديولوجي ضيق إلى خطاب حقوقي عالمي قادر على فضح ممارسات الاحتلال العنصرية، اقترب من نزع الشرعية عن هذا الكيان. إن الحل لا يكمن في انتظار تغيير الموقف الغربي، بل في بناء الذات العربية وإعادة تشكيل موازين القوى، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، لكنه يفسح المجال للأقوياء الذين يصنعون وجودهم بإرادتهم وحقهم.
وفي النهاية، لا تُنتزع الحقوق بالشعارات ولا تُستعاد الأرض بالأمنيات، وإنما ببناء قوة عربية تجعل الحق قابلا للحماية والدفاع. فحين يتحول الفلسطيني من ضحيةٍ تُرثى إلى صاحب حقٍّ يُنصت إليه العالم، وحين تتحول القضية من صراع أيديولوجي إلى قضية عدالة وحرية وكرامة، يبدأ ميزان التاريخ في التحرك. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على قوة الاحتلال، بل على قوة الحق، ولا يستقر ما لم يجد الشعب الفلسطيني دولة حرة، مستقلة، آمنة، كاملة السيادة.
كاتب تونسي
إننا العرب، وفي أحسن الأحوال لا تتجاوز مقاربتنا لجوهر الصراع حدود التصوير السياسي إلى حدود تقديم البدائل، إذ نكتفي بتجسيم «الحائط الصهيوني المسدود»، الذي يحتاج إلى مبادرة في حجم الخروج الأمريكي من فيتنام، والإقبال الأمريكي على الصين، أو في حجم الخروج الفرنسي من الجزائر. فإسرائيل ذات الاقتصاد المفتعل الذي يعتمد أساسا على المساعدات الأجنبية، تقيم أوثق العلاقات الاقتصادية مع دول افريقية عديدة، بل هي تقيم أوثق العلاقات مع دول إسلامية كتركيا وأندونيسيا.
حين يتحول الفلسطيني من ضحيةٍ تُرثى إلى صاحب حقٍّ يُنصت إليه العالم، وحين تتحول القضية من صراع أيديولوجي إلى قضية عدالة وحرية وكرامة، يبدأ ميزان التاريخ في التحرك
وإسرائيل التي يعتمد تسليحها على الولايات المتحدة، لدرجة أن الجسر الجوّي عام 1973 هو الذي أنقذها من الهزيمة الكاملة، هي نفسها التي تنتج الطائرات الحربية، ويقال القنبلة الذرية، وتتاجر في السلاح، وتبعث خبراءها العسكريين لتدريب الأفارقة. هذه العلاقات الوطيدة من شأنها تطويع الرأي العام الدولي للقبول بها، لا كوجود فقط، بل كاستمرار توسعي. وهنا الخطورة. إن الرأي العام في الغرب، وحتى في العالم الثالث، لا ينتبه إلى حقوق تاريخية. وحين تقع حرب مع العرب، فهو لا يبحث في أصل المشكلة، بل إلى انعكاساتها على مصالحه الاقتصادية والأمنية، لذلك لا يفهم مشكلة الفلسطينيين إلا على أساس كونها مسألة إنسانية لبضعة آلاف من اللاجئين. من هنا، فإن ما يسمى بالرأي العام العالمي قد وقف منذ 1948 إلى جانب إقامة دولة يهودية في فلسطين، ثم ترجم تأييده لهذه الدولة بالدعم المادي والمعنوي المتصل لحمايتها وجودا وكيانا، وبالطبع كان هذا الموقف المستمر يعادي ضمنيا الطموحات العربية لاسترداد فلسطين، أو قبول التقسيم، أو إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة الغربية.
إذن يمثل سؤال الدعم الغربي لإسرائيل، قضية حيويةً للنقاش، كون هذا الدعم شكّل عاملا رئيسا في نشأة دولة الاحتلال وبقائها. وإلى اليوم، لا تزال دولة الاحتلال ترتبط بشبكة علاقات استراتيجية بالغرب، تمثل الفضاء الطبيعي الذي تحتاجه أي دولة للبقاء، ورغم وجود مساحات اختلاف بين حكومة الاحتلال والحكومات الغربية، مثل قضية الاستيطان وحل الدولتين وانتهاك القوانين الدولية، إلا أن الغرب لا يضحي بانحيازه الاستراتيجي لدولة الاحتلال، بسبب هذه الاختلافات. إذ هناك سبب تحظى به إسرائيل لم تحظ به الشعوب الأخرى التي نالها الأذى على أيدي الغربيين، وهو أن إسرائيل امتداد طبيعي للمشروع الاستعماري الغربي، فهي ولدت من رحم الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقبل بريطانيا كان إنشاؤها حلما في مخيلة القائد الفرنسي نابليون بونابرت. وإسرائيل هي الجسم الغريب الذي يشق الوطن العربي، ويبقي موطئ قدم للمنظومة الغربية في بلاد المشرق، ويثير القلاقل ويشغل العرب عن التوحد في مشروع أممي يقوي شوكتهم ويمكّنهم من منافسة الغرب والتفوق عليه.
لذلك، فإن دعم الغرب لإسرائيل هو دعم الأب لابنه، وهذا ما يفسر تغاضي الغرب عن جرائم إسرائيل وعصيانها، فالوحدة العضوية تغفر الخلافات. وتتجلى هذه الوحدة العضوية بين إسرائيل والغرب في تشابه المنظومة القيمية بينهما، في قضايا نظام الحكم السياسي والاقتصاد والليبرالية والحريات والمرأة والأسرة، وهو ما يخلق تجانسا شعوريا بين المواطن الغربي ونظيره الإسرائيلي، في الوقت الذي يسود فيه نمط ثقافي مختلف في الشعوب العربية.
ولكن، الغرب غربين، فهناك الغرب الرأسمالي الذي يهتم بمصالحه الاقتصادية ويمثل امتدادا للحقبة الاستعمارية، التي استعبدت الشعوب ونهبت ثرواتها، هذا الغرب متصالح نفسيا مع المشروع الاحتلالي الاستيطاني لإسرائيل، ولن يضعف-كما أشرت – انحيازه لدولة الاحتلال في ظل الحالة العربية الراهنة، لكن إذا شهد الوطن العربي إصلاحا سياسيا ونهضة اقتصادية، وبدأت الشعوب العربية طريقها نحو الاستقلال والإنتاج، فستتكون علاقات جديدة تعزز المسافة الفاصلة بين مصالح هذا الغرب ومصالح دولة الاحتلال، وكون العرب صارت لديهم أوراق قوة يستطيعون استعمالها لكسب المواقف الغربية لصالحهم.
وهناك غرب المجتمع المدني الذي يهتم بالقيم والحريات وحقوق الإنسان، وتخرج منه مجموعات المناصرة للحقوق وتنشط فيه حركة المقاطعة الدولية.. هذا المجتمع المدني في الغرب إذا قوي أنتج سياسات منصفة وعادلة ومنحازة إلى الحقوق المبدئية، وشكّل عامل ضغط على المواقف الرسمية للانحياز إلى المبادئ وإدانة الأفعال اللاأخلاقية. وقد رأينا مثال هذه المواقف في مؤتمر حزب العمال البريطاني، والمواقف القوية في الانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني وإدانة الاحتلال الإسرائيلي.
أردت القول إن حماية المشروع الصهيوني في إقامة دولة يهودية وضمان بقائها أمر لا يهم غرب أوروبا والولايات المتحدة وحدهما، بل هو شأن دولي يرى من وجهات نظر مختلفة أن هناك قومية يهودية تهددت بالدمار الشامل أكثر من مرّة، أقربها الحرب العالمية الثانية، وأبرزها المحرقة الشهيرة التي أصبح الاعتراف فيها معيارا لموالاة إسرائيل، أو معاداتها، وأنّ الدولة العبرية وحدها هي الضمان الممكن للشعب اليهودي ضد الانقراض. وهذا أساس ثابت في التفكير الغربي والأمريكي بوجه خاص، لا سبيل لتجاهله أو تجاوزه في طريق البحث عن حل.
والحل، هو إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في ظل سلام شامل ودائم في المنطقة كلها، وإلا فإن حربا جديدة مقبلة لا ريب، فحين لا يكون هناك سلام حقيقي لا يعود لحالة اللاسلم واللاحرب إلا هامش ضيق سرعان ما ينفجر في ميدان القتال اللانهائي. ولكن الغرب يعتقد مخلصا أن العرب والفلسطينيين خطوا خطوات عملية عديدة خلال السنوات الأخيرة لإقامة السلام الدائم، وما زال يعتقد أن بإمكانهم أن يقدموا المزيد لعملية السلام المتعثرة الآن.
إن مصلحتنا تقتضي تعزيز الخطاب الحقوقي بدل الخطاب الأيديولوجي، وهو الخطاب الذي يركز على جوانب العدالة وحقوق الإنسان، ويظهر الممارسات العنصرية والاحتلالية ذات الجوهر الإجرامي لدولة الاحتلال. فنحن لا نعادي إسرائيل لأنها تؤوي اليهود المضطهدين، ولا بسبب مساهماتها الحضارية، إنما نعادي احتلالها واستيطانها، وممارساتها العنصرية الغاشمة التي تناقض منظومة القيم الأخلاقية. إن البرهنة المستمرة على انتهاكات الاحتلال للقيم الإنسانية وعلى ممارسته التمييز العنصري، هو الذي يسمح بنمو التيارات المناصرة للحقوق الفلسطينية، ويضعف من وضوح صورة الدولة المتقدمة العصرية التي تسوقها دولة الاحتلال لنفسها، ويسمح بنمو حركة المقاطعة ونزع الشرعية ويقوي حجة الآمرين بالقسط من الناس.
تُجسّد العلاقة بين إسرائيل والغرب تحالفا وجوديا يتجاوز المصالح الظرفية إلى ارتباط جوهري في الرؤية والقيم والمشروع الحضاري. فإسرائيل، كامتداد للاستعمار الغربي وكنموذج متقدم في المنطقة، تبقى رهان الغرب الاستراتيجي لقضم أحلام العرب في الوحدة والنهضة. لكن هذه العلاقة ليست قدرا لا يُقهر، فالصراع مع الكيان الصهيوني هو في جوهره صراع إرادات وحقوق، وكلما تعزز الوعي العربي بحقوقه التاريخية والإنسانية، وكلما نجح في تحويل خطابه من إطار أيديولوجي ضيق إلى خطاب حقوقي عالمي قادر على فضح ممارسات الاحتلال العنصرية، اقترب من نزع الشرعية عن هذا الكيان. إن الحل لا يكمن في انتظار تغيير الموقف الغربي، بل في بناء الذات العربية وإعادة تشكيل موازين القوى، فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، لكنه يفسح المجال للأقوياء الذين يصنعون وجودهم بإرادتهم وحقهم.
وفي النهاية، لا تُنتزع الحقوق بالشعارات ولا تُستعاد الأرض بالأمنيات، وإنما ببناء قوة عربية تجعل الحق قابلا للحماية والدفاع. فحين يتحول الفلسطيني من ضحيةٍ تُرثى إلى صاحب حقٍّ يُنصت إليه العالم، وحين تتحول القضية من صراع أيديولوجي إلى قضية عدالة وحرية وكرامة، يبدأ ميزان التاريخ في التحرك. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على قوة الاحتلال، بل على قوة الحق، ولا يستقر ما لم يجد الشعب الفلسطيني دولة حرة، مستقلة، آمنة، كاملة السيادة.
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-09-02 الساعة 13:43
رأي: محمد المحسن كاتب تونسي


