اتصل بنا
 

الدولار يتجاوز 160 ألف دينار عراقي.. أزمة سيولة أم مخاوف تهز السوق؟

نيسان ـ نشر في 2026-09-20 الساعة 14:18

الدولار يتجاوز 160 ألف دينار عراقي..
نيسان ـ عاد سعر الدولار إلى واجهة القلق الاقتصادي في العراق بعد تجاوز سعر ورقة المئة دولار حاجز 160 ألف دينار في السوق الموازية.
ويأتي الارتفاع الأخير للدولار مقابل الدينار العراقي وسط تداخل عوامل سياسية وأمنية ومصرفية دفعت الأفراد والتجار إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية.
ولا يبدو الارتفاع الجديد ناجماً عن نقص معلن في الاحتياطيات الأجنبية، بقدر ما يعكس اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وصعوبة وصول جزء من الطلب التجاري إلى الدولار عبر القنوات المصرفية، فضلاً عن موجة توقعات سلبية غذّتها الحرب واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، والحديث عن مستقبل التحويلات وشحنات الدولار النقدي بعد 30 سبتمبر/أيلول.
ويصر البنك المركزي العراقي على أن قدرته على تلبية الطلب المشروع لم تتأثر، مؤكداً أن احتياطياته الأجنبية كافية لتمويل التجارة الخارجية وتسوية معاملات البطاقات المصرفية وتلبية طلبات المسافرين على الدولار النقدي بالسعر الرسمي.
لكن الأزمة، وفق خبراء، لا تتعلق بحجم الاحتياطي وحده، وإنما بسرعة وصول الدولار إلى طالبيه، وقدرة المصارف على تنفيذ التحويلات، وكلفة الامتثال والضرائب والجمارك، والفجوة بين التجارة المسجلة رسمياً والنشاط التجاري الذي لا يستطيع استكمال متطلبات النظام المصرفي.
من 139 إلى 160 ألف دينار
وتكشف حركة السوق عن صعود متدرج في سعر الدولار خلال الأشهر الماضية. فبعدما هبط سعر ورقة المئة دولار إلى نحو 139 ألف دينار في يوليو/ تموز 2025، عاد إلى الارتفاع ليبلغ أكثر من 160 ألفاً في سبتمبر/أيلول 2026.
وبذلك أضافت ورقة المئة دولار أكثر من 20 ألف دينار إلى قيمتها خلال نحو 14 شهراً، بزيادة تقترب من 15%. ومع ذلك، لا يزال السعر دون الذروة التي سجلتها السوق خلال أزمة 2023، عندما اقترب من 170 ألف دينار لكل مئة دولار.
وهذه الفجوة هي جوهر المشكلة؛ لأنها تخلق سوقين للدولار: سوقاً رسمية منخفضة السعر لكنها تخضع لمتطلبات مصرفية وضريبية ورقابية، وسوقاً موازية أعلى كلفة لكنها أسرع وأقل تعقيداً لبعض المتعاملين.
الدولار يتجاوز 160 ألف دينار عراقي.. أزمة سيولة أم مخاوف تهز السوق؟ - صورة 1
لماذا ارتفع الدولار؟
وتتوزع أسباب الصعود بين أربعة عوامل رئيسية: ارتفاع الطلب الاحترازي، وتعقيدات التحويل التجاري، والمضاربة، والقلق من إجراءات أمريكية محتملة.
ويقول الخبير الاقتصادي محمود داغر إن استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، بالتزامن مع الحرب والاضطراب في مضيق هرمز، انعكس مباشرة على توقعات الأفراد والشركات، ودفع شريحة منهم إلى شراء الدولار باعتباره ملاذاً آمناً خلال فترات عدم اليقين.
ويضيف أن الحديث عن احتمال وقف شحنات الدولار النقدي أو تقييدها، إلى جانب عدم انسيابية الحوالات الخارجية كما كانت سابقاً، أعطى السوق مؤشرات سلبية بشأن سهولة تحويل الدينار الى الدولار. وبحسب داغر، فإن استمرار الحرب وعدم الاستقرار يعزز ميل الأفراد والشركات إلى تقليل حيازاتهم بالدينار والاتجاه نحو العملة الأمريكية.
وتعمل هذه المخاوف بصورة تراكمية؛ فارتفاع السعر يدفع مزيداً من المواطنين إلى الشراء خشية صعوده مجدداً، وهو ما يزيد الطلب ويرفع السعر أكثر، حتى إذا لم يحدث تغيير فعلي في تدفق الدولار الرسمي.
السوق اشترى الإشاعة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي سالم جبر العنزي، أن السوق تعامل بجدية مفرطة مع مخاوف مرتبطة بيوم 30 أيلول، ولا سيما الأحاديث عن احتمال توقف شحنات الدولار.
ويقول العنزي إن جزءاً من الارتباك نتج عن الخلط بين الدولار النقدي والحوالات التجارية الخارجية. فشحنات النقد تُستخدم أساساً في تلبية احتياجات المسافرين والأغراض النقدية المشروعة، بينما لا تتطلب الحوالات التجارية نقل أوراق الدولار جواً إلى بغداد.
وتُنفذ حوالات التجارة الخارجية إلكترونياً من خلال الحسابات المصرفية والمصارف المراسلة، وصولاً إلى المصدرين والشركات التي تبيع السلع إلى العراق. ولذلك، فإن أي تغيير محتمل في شحنات النقد لا يعني بالضرورة توقف تمويل الاستيرادات.
ويصف العنزي ما شهدته السوق بأنه موجة من «الإشاعات والفقاعات» جرى التعامل معها كأنها حقائق، وأسهمت في وصول السعر إلى 160 ألف دينار. ويرجح تراجع حدة المخاوف بعد 30 أيلول إذا استمرت العمليات المالية بصورة طبيعية واتضحت الصورة بشأن شحنات الدولار النقدي.
الدولار يتجاوز 160 ألف دينار عراقي.. أزمة سيولة أم مخاوف تهز السوق؟ - صورة 2
اختناقات حقيقية خلف العامل النفسي
وعلى الرغم من أهمية المضاربة والإشاعة، يرى الخبير الاقتصادي أحمد هذال أن جزءاً من المشكلة يرتبط بآليات التحويل نفسها، ولا يمكن تفسيره بالعامل النفسي وحده.
ويحدد هذال أحد الأسباب المباشرة في إلزام التجار بالدفع المسبق للضرائب والأمانات الضريبية والرسوم الجمركية عند تنفيذ الحوالة الخارجية. ويقول إن هذه المتطلبات رفعت كلفة الحصول على الدولار عبر المسار الرسمي ودفعت جزءاً من التجار إلى السوق الموازية.
وبحسب هذال، يوجد في العراق طلبان حقيقيان على الدولار: طلب رسمي يمر عبر المصارف والقنوات المعتمدة، وطلب غير رسمي يلجأ إلى السوق الموازية. وتتسع الفجوة بينهما عندما تتغير الآليات والتعليمات بصورة مفاجئة، لأن النشاط الاقتصادي يحتاج إلى قواعد مستقرة تتيح للتجار ترتيب التزاماتهم.
ويرى أن استعجال تغيير الأدوات أدى إلى انتقال جزء من الطلب من المنصة الرسمية إلى القنوات غير الرسمية، ما خلق ضغطاً إضافياً على سعر الصرف. ويشير إلى أن غالبية التجار تحتاج الدولار لتمويل تجارة فعلية، لكن عدم تنظيم أجزاء من هذه التجارة، وضعف التسهيلات المصرفية والائتمانية، يجعلان استكمال متطلبات التحويل الرسمي أكثر صعوبة.
ويضيف أن التاجر يتحمل نتيجة ذلك فجوة قد تصل، بحسب تقديره، إلى ما بين 20 و25% بين السعر الرسمي والكلفة الفعلية، قبل إضافة تكاليف الشحن والمخاطر المرتبطة بإدخال السلع عبر منافذ بديلة.
ويكشف هذا التشخيص عن مفارقة أساسية: قد يمتلك البنك المركزي احتياطيات كافية، بينما يبقى جزء من التجار غير قادر على الوصول إليها بسهولة. وفي هذه الحالة لا تكون الأزمة أزمة احتياطي، بل أزمة قنوات وإجراءات وامتثال.
30 سبتمبر يتحول إلى موعد نفسي
وساهم اقتراب 30 سبتمبر/ أيلول في زيادة التوتر داخل السوق، باعتباره موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، وتزامنه مع النقاش السياسي بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، إن التهديدات الأمريكية المتداولة بشأن الفصائل المسلحة ومصير أسلحتها بعد هذا الموعد أثارت مخاوف لدى المواطنين، ودفعت بعضهم إلى شراء الدولار والذهب تحسباً لتقليل تدفقات العملة الأمريكية إلى العراق.
وأضاف أن الاعتقاد بإمكان تقليل إرسال الدولار ولّد طلباً يومياً متزايداً على العملة الأمريكية. وتحدث كوجر أيضاً عن توقعات مرتبطة بإمكان تعديل سعر الصرف في مشروع قانون الموازنة، من دون صدور إعلان حكومي أو نقدي رسمي يؤكد وجود قرار من هذا النوع.

نيسان ـ نشر في 2026-09-20 الساعة 14:18

الكلمات الأكثر بحثاً