ما الذي سيحدث غداً؟
د. محمد أبو رمان
وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".
نيسان ـ نشر في 2026-09-21 الساعة 10:15
نيسان ـ جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أيام، قادة الأحزاب السياسية ومرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في اجتماع مغلق في الإليزيه، بحضور رؤساء أجهزة الاستخبارات ومسؤولين عسكريين وأمنيين، لمناقشة التحولات الخطيرة في البيئة الدولية. ركز اللقاء بصورة خاصة على التطورات المتسارعة في المنطقة وتداعياتها المباشرة على حياة الفرنسيين؛ الأمن والطاقة والأسعار والاقتصاد، وتحدث ماكرون بصورة واضحة عن تأثير إغلاق مضيق هرمز وهجمات الحوثيين على مسارات تصدير النفط، وصولاً إلى ارتفاع أسعار الوقود والطاقة في أوروبا.
ليس ماكرون وحده؛ العالم كله يقف على أطراف أصابعه، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فيما نشاهد هذه المعزوفة المضطربة من الأزمات المترابطة في أنحاء المنطقة؛ قصف هنا وهناك، ومفاوضات وقنوات سرية في مكان آخر، ودول وقوى دولية وإقليمية وفواعل من دون الدولة، الكل حاضر في المشهد، والكل يشارك في المعزوفة، لكن من دون قائد أوركسترا، ولا نوتة موسيقية تخبرنا إلى أين تمضي.
ثمّة حالة من السريالية الأمنية والسياسية في المنطقة اليوم؛ ينام العالم على أخبار القصف ومقتل المدنيين في غزة، ويستيقظ على انفجار في لبنان، ثم يتابع تمدداً إسرائيلياً في سورية، أو صاروخاً حوثياً، أو أزمة جديدة في هرمز، قبل أن تتحول هذه الأحداث، خلال ساعات، إلى أسعار للنفط والغاز والشحن والتأمين، ثم إلى فاتورة يدفعها مواطن فرنسي أو مزارع إندونيسي على الطرف الآخر من العالم.
يفتح ذلك الباب على سؤال أكبر: ما الذي يحدث فعلاً في الشرق الأوسط، وإلى أين تمضي هذه الأزمة؟ نعرف الكثير عن السؤال الأول، لكننا نفتقر بصورة لافتة إلى إجابة مقنعة عن الثاني. فلدينا سيناريوهات عسكرية وسياسية متعددة، لكن ليست لدينا ما يمكن أن نطلق عليه «نظرية للنهاية»؛ أي تصور متماسك للحظة التي يمكن عندها القول إنّ هذه المرحلة انتهت، وإنّ نظاماً إقليمياً جديداً بدأ يتشكل. المشكلة ليست فقط في صعوبة التنبؤ بما سيحدث غداً، بل في أنّ المتغيرات نفسها تتحرك وتتغير في الوقت ذاته.
دخلت المنطقة في حالة من السيولة المركبة على ثلاثة مستويات متزامنة؛ أزمات بنيوية داخل العديد من الدول تتعلق بالدولة والشرعية والهوية والاقتصاد والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وتفكك واضح في قواعد النظام الإقليمي وموازين الردع والتحالفات التي حكمته لعقود، يضاف إلى ذلك نظام دولي يعيش بدوره حالة من السيولة، مع اهتزاز القواعد التي حكمت مرحلة الهيمنة الأميركية، وتصاعد المنافسة الدولية، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الحروب.
في المقابل، تحاول دول المنطقة بناء استجابات جديدة لهذه السيولة. ويمكن قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي وقع في أغسطس الماضي، في هذا السياق؛ إذ ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أي من الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، وتبعه سريعاً إنشاء أطر مؤسسية وسياسية وعسكرية لتنفيذه. من المعلوم في السياسة بالضرورة أنّ اتفاقاً كهذا يعكس شعوراً بأنّ المظلة الأمنية القديمة لم تعد كافية، وأنّ دول المنطقة تبحث عن ترتيبات جديدة للردع والأمن الجماعي.
تكمن المفارقة أنّ السيناريو – المفترض أن يكون- الأكثر حسماً لا يقدم «نظرية للنهاية»، فلنفترض، جدلاً، أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق هزيمة عسكرية ساحقة بإيران وحلفائها؛ هل يولد من ذلك تلقائياً نظام إقليمي مستقر؟ ليس بالضرورة. ستبقى القضية الفلسطينية وغزة، وستبقى التحولات العميقة داخل إسرائيل، وأزمات سورية ولبنان واليمن والعراق، وستظل مشكلات الدولة والاقتصاد والهوية والشرعية قائمة في أكثر من مكان.
المشكلة، إذن، ليست في غياب السيناريوهات، بل في غياب نظرية واضحة لمآلات الأزمة الإقليمية. لا نعرف ما الذي يمثل نقطة النهاية، لأننا لا نواجه حرباً واحدة، بل تراكب أزمات داخلية وإقليمية ودولية تتحرك جميعها في اللحظة نفسها. ولعل السؤال الأصعب لم يعد: من سينتصر في الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعدها؟ وحتى هذه اللحظة، لا يبدو أنّ أحداً يمتلك إجابة مقنعة.
ليس ماكرون وحده؛ العالم كله يقف على أطراف أصابعه، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فيما نشاهد هذه المعزوفة المضطربة من الأزمات المترابطة في أنحاء المنطقة؛ قصف هنا وهناك، ومفاوضات وقنوات سرية في مكان آخر، ودول وقوى دولية وإقليمية وفواعل من دون الدولة، الكل حاضر في المشهد، والكل يشارك في المعزوفة، لكن من دون قائد أوركسترا، ولا نوتة موسيقية تخبرنا إلى أين تمضي.
ثمّة حالة من السريالية الأمنية والسياسية في المنطقة اليوم؛ ينام العالم على أخبار القصف ومقتل المدنيين في غزة، ويستيقظ على انفجار في لبنان، ثم يتابع تمدداً إسرائيلياً في سورية، أو صاروخاً حوثياً، أو أزمة جديدة في هرمز، قبل أن تتحول هذه الأحداث، خلال ساعات، إلى أسعار للنفط والغاز والشحن والتأمين، ثم إلى فاتورة يدفعها مواطن فرنسي أو مزارع إندونيسي على الطرف الآخر من العالم.
يفتح ذلك الباب على سؤال أكبر: ما الذي يحدث فعلاً في الشرق الأوسط، وإلى أين تمضي هذه الأزمة؟ نعرف الكثير عن السؤال الأول، لكننا نفتقر بصورة لافتة إلى إجابة مقنعة عن الثاني. فلدينا سيناريوهات عسكرية وسياسية متعددة، لكن ليست لدينا ما يمكن أن نطلق عليه «نظرية للنهاية»؛ أي تصور متماسك للحظة التي يمكن عندها القول إنّ هذه المرحلة انتهت، وإنّ نظاماً إقليمياً جديداً بدأ يتشكل. المشكلة ليست فقط في صعوبة التنبؤ بما سيحدث غداً، بل في أنّ المتغيرات نفسها تتحرك وتتغير في الوقت ذاته.
دخلت المنطقة في حالة من السيولة المركبة على ثلاثة مستويات متزامنة؛ أزمات بنيوية داخل العديد من الدول تتعلق بالدولة والشرعية والهوية والاقتصاد والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وتفكك واضح في قواعد النظام الإقليمي وموازين الردع والتحالفات التي حكمته لعقود، يضاف إلى ذلك نظام دولي يعيش بدوره حالة من السيولة، مع اهتزاز القواعد التي حكمت مرحلة الهيمنة الأميركية، وتصاعد المنافسة الدولية، وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الحروب.
في المقابل، تحاول دول المنطقة بناء استجابات جديدة لهذه السيولة. ويمكن قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي وقع في أغسطس الماضي، في هذا السياق؛ إذ ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أي من الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، وتبعه سريعاً إنشاء أطر مؤسسية وسياسية وعسكرية لتنفيذه. من المعلوم في السياسة بالضرورة أنّ اتفاقاً كهذا يعكس شعوراً بأنّ المظلة الأمنية القديمة لم تعد كافية، وأنّ دول المنطقة تبحث عن ترتيبات جديدة للردع والأمن الجماعي.
تكمن المفارقة أنّ السيناريو – المفترض أن يكون- الأكثر حسماً لا يقدم «نظرية للنهاية»، فلنفترض، جدلاً، أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق هزيمة عسكرية ساحقة بإيران وحلفائها؛ هل يولد من ذلك تلقائياً نظام إقليمي مستقر؟ ليس بالضرورة. ستبقى القضية الفلسطينية وغزة، وستبقى التحولات العميقة داخل إسرائيل، وأزمات سورية ولبنان واليمن والعراق، وستظل مشكلات الدولة والاقتصاد والهوية والشرعية قائمة في أكثر من مكان.
المشكلة، إذن، ليست في غياب السيناريوهات، بل في غياب نظرية واضحة لمآلات الأزمة الإقليمية. لا نعرف ما الذي يمثل نقطة النهاية، لأننا لا نواجه حرباً واحدة، بل تراكب أزمات داخلية وإقليمية ودولية تتحرك جميعها في اللحظة نفسها. ولعل السؤال الأصعب لم يعد: من سينتصر في الحرب؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعدها؟ وحتى هذه اللحظة، لا يبدو أنّ أحداً يمتلك إجابة مقنعة.
نيسان ـ نشر في 2026-09-21 الساعة 10:15
رأي: د. محمد أبو رمان وزير أردني سابق، باحث ومتخصص في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في العالم العربي. من كتبه "السلفيون والربيع العربي"و" الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي"و "الحل الإسلامي في الأردن" و"الإسلاميون والدين والثورة في سورية".


